بدأت كاتبة العمود نسرين مالك مقالها. المنشور على صحيفة «الجارديان» البريطانية، بأنّه بعد يوم من اختفاء الصحافي جمال خاشقجي، أخبرت الكاتبة بعض المحررين أنّ القصة لن يسلط عليها الضوء لأكثر من يومين أو ثلاثة أيام؛ ذلك لأنّها سئمت من التطبيع العالمي مع جرائم النظام السعودي الوحشية.

 

وتذكر الكاتبة أنّه بعد مرور شهر من دخول خاشقجي إلى قنصليته السعودية في إسطنبول، والذي لم يظهر بعده، بالكاد بدأت تتوقف تغطية حادثته في الإعلام. وأنّ الحادثة ألقت انتباهًا كبيرًا تجاه المملكة العربية السعودية، مما جعل الناشطين، والصحافيين، والعاملين في مجال حقوق الإنسان، والساسة صبَّوا جهودهم تجاه القضية، ولكنّهم دائمًا ما يفشلون في تغيير الموقف.

 

ما حدث لخاشقجي، لم يكنّ سببه أنّه كان صحافيًّا، أو أنّ الإعلام دائمًا ما يدافع عن أشخاصه، فالعديد من الصحافيين قُتلوا أو تعرضوا للخطف، ولم تعرض الصحافة لقصصهم كحادثة مقتل خاشقجي، ليس ذلك لأنّ خاشقجي صاحب مقام رفيع، ولكنّ لأنّ علاقاته في الدوائر الإعلامية قوية، وكان اسمه غير مألوف بشكل كبير.

Embed from Getty Images

 

تُخبر الكاتبة أنّ خاشقجي لم يكن زعيمًا معارضًا، وأنّ هنالك آخرين سعوديين أكثر تنظيمًا سياسيًّا، وأنشطتهم تُغضب العائلة الحاكمة. أثار المنفى الذي فرضه خاشقجي على نفسه استغراب المتابعين للتحولات السياسية السعودية، والذين لم يفعلوا شيئًا على النطاق العالمي.

 

رغم انتقال خاشقجي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، صُنّف على أنّه «الناقد الودود» للحكومة السعودية، والذي وزن كلماته بعناية، لم يدّع لتغيير في النظام، وكان على اتصالٍ مباشر مع أعضاء كبار في العائلة الحاكمة، كان من المنطقي الضجة التي حدثت بعد اختفاء خاشقجي بأيام، ذلك لأنّه كان شخصًا معروفًا في الدوائر الداخلية السياسية والإعلامية.

تذكر الكاتبة أنّ الحدث نفسه حمل شيئًا غير متوقع، عنصرًا للخيانة المروعة؛ أنّ تقتل في قنصليتك، والقنصليات في العادة هي المكان الذي يلتجئ إليه المهاجرون في أماكن إقاماتهم، فالحادثة كانت أقرب إلى جريمة قتل في الكنيسة. الاستدراج ثم الغدر؛ كان الحدث انتهاكًا للعفو، مما جعله أكثر قساوة فيما لو قُتل عشوائيًّا في شوارع إسطنبول، تُخبر الكاتبة بأنّ حادثة خاشقجي ذكرتها باغتيال صدام حسين لزوجي ابنتيه، عندما أصدر العفو عنهما، واغتالهما لحظة عودتهما إلى بلادهما.

«واشنطن بوست»: هذه أبرز 5 خرافات عن السعودية

 

وتذكر الكاتبة أنّ على خلفية مقتل خاشقجي، أصبحت الفظائع المرتكبة من النظام السعودي أكثر وضوحًا، وخضعت صفقات السلاح السعودية مع بريطانيا لتدقيق أكبر، كما أوقفت ألمانيا صفقات المبيعات المستقبلية. أصبحت الحرب اليمنية على الأجندة العالمية، بعدما أخفق المنتقدون السعوديون لفت الانتباه إليها سنوات عدة.


أدت التقارير الصادرة من اليمن إلى تضخيم أصوات الأطباء -الذين يعالجون الأطفال- الغاضبة، إذ كيف لجريمة خاشقجي أن تتلقى كل هذا الانتباه. يُخبر طبيبٌ صحيفة نيويورك تايمز: «نحن مصدومون أنّ حادثة خاشقجي جذبت انتباهًا أكثر من معاناة ملايين الأطفال اليمنيين»، ويضيف الطبيب: «لا أحد يكترث لهم». دعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إيقاف العداوات في الحرب اليمنية، وأنّها يجب أنّ تنتهي خلال 30 يومًا.

 

تُسهب الكاتبة على أنّه لا يمكننا توقع الرعب الذي يؤثر في الشعوب وبالتالي على حكوماتهم. هُناك قضية أخلاقية متقاطعة ما بين البشاعة والتخصيص؛ فتحت نار الغضب والتعاطف في حالة خاشقجي. القضية هي أنّ إخفاق العالم للفت الانتباه إلى حرب اليمن سببه سمة النفس الإنسانية، والتي تقتضي أنّ موت شخص معروف، يسمح للإنسان بإدراك بشاعة الجريمة، أكثر من الملايين غير المعروفين.

Embed from Getty Images

 

حادثة جمال خاشقجي كانت تعادل الفتاة الصغيرة ذات المعطف الأحمر، في فيلم شندلر ليست للمخرج ستيفن سبيلبرغ، والذي أُخرج بشكل كامل باللونين الأبيض والأسود، بينما كانت فتاة واحدة مُلونة. في أحداث الفيلم، أخذت هذه الفتاة من منزلها ومعها عائلتها، وبدأت تلعب في الوحل بمعسكر الاعتقال، ثم تم تكديس جسدها مع الموتى الآخرين في عربة نقل. هذا الأسلوب وضحّ أنّ قصة واحدة من بين ملايين القصص، تضيف الطابع الإنساني على القضية لتسلط الضوء على ما يسميه علماء النفس «انهيار الرحمة»، وأيضًا توجد ميول طبيعية في النفس البشرية للابتعاد عن المعاناة الجماعية.

 

ذلك سببه أنّ صور الأفراد المنكوبين تذيبهم في مجرى التاريخ، بدلًا من التفاصيل المعروفة عن الحروب أو المجاعات. فشخصٌ واحد يستطيع إشعال شرارة ثورة وطنية كاملة، كبائع الخضروات محمد بوعزيزي الذي أحرق نفسه، وأطلق العنان لبقية العالم العربي، وذلك لماذا لم تنجح الآلاف من قصص المعذبين أو المسجونين.


بدلًا من توصيف الحادثة على أنّها محض صدفة، وأنّها قصة غير متسقة ومتمركزة حول عضو واحد من النخبة السعودية والإعلامية. حادثة استشهاد جمال خاشقجي فرصة، ويجب أنّ تُستغل لتغطية القسوة والإجرام المستمر من الحكومة السعودية تجاه شعبها وخصومها، كما ينبغي إعادة تقييم المنطق الواقعي الجبان للتعاونات الأمنية، والتي تجبر الحلفاء الغربيين على التبرير لاستمالة حلفائها، والتي تهدد بذلك استقرار الشرق الأوسط.

 

تختتم الكاتبة بأنّه هنالك نهجٌ مختلف، وهو المزيد من الإنذارات. لم يكن من الممكن التغطية الكبيرة لقضية الشقيقتين السعوديتين، واللتين وجدتا مقتولتين في نهر هدسون، وكانتا طالبتي لجوء إلى أمريكا، لولا التغطية التي حدثت لحادثة مقتل خاشقجي في إسطنبول. تقول الكاتبة: «قد يصنف مقتل خاشقجي ضمن التراجيديا، ولكنّنا من الممكن أن نساعد العالم على رؤية المزيد من ضحايا النظام السعودي على أنّها تراجيديا أيضًا، ليس فقط أنهم مجرد أرقام أو من الأضرار الجانبية».

 

قتلوه بدمٍ بارد.. ملف «ساسة بوست» عن مقتل جمال خاشقجي الذي هزّ العالم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!