«لماذا بقيت؟» كان هذا هو عنوان مدونة لـ«جينيفر ويلوبي» الزوجة السابقة لسكرتير موظفي البيت الأبيض سابقًا «روب بورتر»، تُعدد فيها قائمة من الانتهاكات التي كان عليها أن تتحملها، بما في ذلك نعتها بـ«عاهرة لعينة» أو منعها من مغادرة المنزل. لكن وبالرغم من الأدلة الواضحة كالشمس لتورط الجناة، لا يزال ضحايا العنف المنزلي يشعرون أنهم مُجبرون على تبرير أفعالهم. هذه هي ثقافة «لوم الضحايا». هكذا افتتحت «مايا شالافيتز» تقريرها في صحيفة «الجارديان» والتي تتناول فيه التفسيرات السيكولوجية لثقافة «لوم الضحية».

بحسب شالافيتز، تجد الناجيات من الاغتصاب ومن الاعتداء الجنسي أنفسهن في مواجهة أسئلة من نوع: ماذا كنّ يرتدين؟ أو كيف قاومن الهجوم؟ يلام الفقراء – الذين يعملون في ثلاث وظائف لسد رمق العيش ولا يزالون غير قادرين على تكوين أسرة – بسبب «كسلهم» وفشلهم، برغم أنهم يواجهون اقتصادًا متحيزًا ضدهم.

جلسة استماع حول مستشار ترامب السابق روب بورتر.

العالم مكان عادل.. أليس كذلك؟

ترى الكاتبة أنه برغم ما أحدثته حملة #MeToo والمقاومة المتصاعدة لانعدام المساواة، لا يزال «لوم الضحية» تيارًا ثابتًا. بعض الأبحاث تنظر إلى ذلك باعتباره أثرًا جانبيًا – غريبًا بالطبع – للرغبة البشرية في العدالة، الأمر الذي يؤدي إلى طرق جديدة للمواجهة. يحدث «الانحياز إلى عالم عادل just world bias» ببساطة لأن أدمغتنا البشرية تتوق إلى امتلاك القدرة على التنبؤ، ولذلك، نحن نميل إلى لوم الضحايا لأننا نرى أن الخير يؤول بالضرورة إلى الثواب والشر إلى العقاب.

«لدى الناس دافع قوي للرغبة في أن يجازى أهل الخير بالخير وأهل الشر بالشر، وحدوث سوء فهم هنا يعني أن نعكس المثال ضمنيًا، إذا حدث شيء سيئ لك، فهذا يعني أنك قد فعلت بالضرورة شيئًا سيئًا لتستحق ذلك»، هكذا يتحدث «شيري هامبي»، أستاذ علم النفس في جامعة سيواني. صيغت هذه النظرية لأول مرة بواسطة «ملفن ليرنر» في بداية ستينيات القرن الماضي، ويمكن رؤيتها في أي موقف حيث تُلام الضحية على محنة ألمت بها، سواء كانت إساءة أو اعتداء جنسيًا أو جريمة أو فقرًا.

تضمنت تجارب «ليرنر» الأصلية بعض النساء، طُلب منهن أن يراقبن ما بدا كأنه «تعليم بالعقاب»، عندما كانت المتعلمة – كان الأمر محض تمثيل في الحقيقة – تجيب بشكل خاطئ عن الأسئلة، كانت تتلقى صدمة كهربية مؤلمة. بعد ذلك، سئلت النساء عن الوصف الأمثل لما رأينه، عن مدى أخلاقية أو استحقاقية ما تعرضت له المتعلمة.

إحدى المجموعتين من النساء – التي رأت فقط تكرار تعرض الفتاة للصدمة – مالت إلى الحط من قدرها، أما المجموعة الأخرى – تم إخبارهن أن الأمر بأكمله مجرد خدعة وأن الفتاة لم تصب بأذى – فحين سئلن عن تقييمهن، لم ينخرطن في لوم الضحية.

فسر «ليرنر» تلك النتائج بأن رؤية الأبرياء يتعرضون للأذى بدون فرج قريب تصيب وعي المشاهدين حول عدالة العالم بإرباك تام، وفي محاولة لتقليل ذلك الخطر، يقنعون أنفسهم بأن الضحية تستحق ذلك المصير بالتأكيد. لاحقًا تكررت التجارب المشابهة والتي أثبتت أنه كلما كانت الضحية أكثر «براءة»، وفي مأزق بلا مخرج، كان الحط من قدرها أكثر. كما أن الدراسات الأخرى والتي تناولت ضروبًا مختلفة من الأذى – بما فيها الفقر – قد أثبتت صحة هذه الأفكار.

الأمر يبدأ منذ الطفولة

بحسب شالافيتز، يبدو تفضيل العدالة جليًا في كل الأطفال، مع مرور الأمر بمراحل تطورية مختلفة، كل شخص يمكن أن يلحظ ذلك في تصرفات الصغار، وإن كان بعض الاختلافات الثقافية. «هذا ليس عدلًا»، يقولها الصغير ذو الأعوام الثلاثة منتحبًا حين يشكو من حصول أخيه على لعبة «أفضل». ينمو هذا التصرف مبكرًا، في البداية، يرى الأطفال «الظلم» فقط حين يقع عليهم، لكن مع وصولهم إلى سن الثامنة، يصيرون أكثر حساسية للظلم الواقع على الآخرين، وحينها يبدؤون في ترديد أسئلة حول بعض الظروف التي يتعرض لها الآخرون مثل التشرد.

Embed from Getty Images
وتتساءل: لكن لماذا يبدو أننا نشعر برغبة عارمة في رؤية العالم كمكان حر؟ مع أنه من الواضح للغاية أنه ليس كذلك. بحسب «كيس فان دي بوس» من جامعة «أوتريخت» في هولندا، والذي درس ثقافة لومة الضحية، يأتي هذا – جزئيًا – من حقيقة أن الكثير من المكافآت في الحياة هي في حقيقة الأمر مكافآت مؤجلة.

وهو يستخدم هنا مثال العمل الدؤوب لتحصيل درجات جيدة والحصول على وظيفة بأجر عالٍ. العالم ليس عادلًا، ولا يمكن التنبؤ به، ولذلك فإن تأجيل المتعة لأجل عمل الواجب أمر لا معنى له. وفي الحقيقة، فقد وجدت الأبحاث أن الأشخاص الذين ينشؤون في ظروف فوضوية، أي أكثر «عقلانية» من هذا المنظور، هم أقل ميلًا إلى تأجيل المتعة.

نحن نريد أن نعتقد أننا سنكون بخير إذا فعلنا الشيء الصحيح، يؤكد هامبي. «نعتبر أننا مهددون إذا رأينا الأشخاص الخيرين لا يُعاملون بالحسن، نريد أن نرى تفسيرًا لهذا التناقض، لماذا لن تتكرر تجربتهم هذه معنا شخصيًا؟».

تعتبر دراسات أخرى أن الاعتقاد بوجود عالم عادل هو أمر له علاقة بالصحة، الإيمان بأن الأمور ستسير على ما يرام سيقلل من احتمالات إصابتنا بالاكتئاب، إذا اعتبرنا أن المستقبل سيكون لطيفًا، سنصير أكثر رغبة في العناية بأنفسنا. ولسوء الحظ، فإن هذا يخلق نوعًا من الشعور بالخطر حين تسير الأمور بشكل غير عادل، وحينها نميل إلى البحث عن تبرير، فنلجأ إلى لوم الضحايا.

التضحية بالأفراد في سبيل الجماعة

وفي محاولة لوصف كيف أن تلك العملية مفهومة ضمنيًا، تنقل شالافيتز عن «لورا نيمي»، وهي باحثة في دراسات ما بعد الدكتوراة في السيكولوجيا لدى جامعة دوك: «الحط من قدر الضحايا يأتي كرد فعل دفاعي من الشخص الذي يرى وجهة نظره حول العالم وهي تتفكك أمام عينيه».

أجرت «نيمي» مع زميلتها «ليان يونغ» سلسلة من التجارب لتفسير ذلك الميل بشكل أفضل، وقد تم نشرها في عام 2016. وجدوا أن الأشخاص الذين لديهم مستويات أعلى من «القيم الجمعية binding values» – مجموعة من المبادئ التي تساعد في لحمة الجماعة – لديهم ميل أكبر لرؤية الضحايا مسؤولين – على الأقل بشكل جزئي – عن مصائرهم.

قد يتصادم هذا مع «القيم الفردانية individualizing values»، والتي تعني أن يُعامل كل فرد بشكل عادل. الأشخاص الذين يمتلكون قناعة أقوى بالقيم الجمعية، يُمكن أن يؤيدوا العقاب الصارم على تهمة الخيانة، لأنهم يعتبرون حماية الجماعة أهم من حياة الأشخاص. بعض الأبحاث وجدت أن تلك القيم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوجه السياسي، المحافظون يميلون إلى التأكيد على القيم الجمعية فيما الليبراليون يضعون القيم الفردانية في المقدمة. كما نرى اليوم فيما يخص الفقر والعنف ضد المرأة، فإن الجمهوريين يعتبرون أن هؤلاء  الضحايا لا يستحقون المكاسب السياسية.

Embed from Getty Images
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

على سبيل المثال، العديد من الولايات الجمهورية تسعى لفرض قيود على الحصول على المساعدات الطبية، باعتبار أن الكثير من المتلقين الحاليين للمساعدات يفضلون الخمول والكسل، ولهذا فهم لا يستحقون الرعاية الصحية. كما قامت إدارة ترامب بإلغاء توجيه أوباما حول سياسات الجامعات في حالات الاعتداء الجنسي، وهو الأمر الذي زاد من صعوبة المسألة بالنسبة للضحايا.

وجدت نيمي ويونغ في دراستهما أن الأشخاص الذين يرتبطون بشكل أكبر بالقيم الجمعية، حين يتعرضون لقصة تحكي عن حادث اغتصاب أو سرقة، يميلون بشكل أكبر إلى لوم الضحايا والحط من قدرهم، وبحسب نيمي فإن القيم الجمعية مسؤولة عن التباين في لوم الضحايا أكثر من التوجه السياسي أو الجنس.

لكن حقيقة ميل هؤلاء إلى لوم الضحايا، والتي تتكثف بشكل أكبر حال الشعوربالخطر على الجماعة أو المجتمع، لا تعني أن الأمر غير قابل للتغير. فقد وُجد أن التعرض لقصص تركز لغتها أكثر على الجناة وتصرفاتهم، يؤدي إلى تخفيض نبرة لوم الضحايا لدى هؤلاء.

وتختتم شالافيتز مقالها بالتساؤل: بدلًا من التركيز على تصرفات الضحايا، نحتاج إلى طرح المزيد من الأسئلة حول الجناة، لماذا يستمرون في ارتكاب تلك الجرائم؟ ولماذا يكون مسموحًا للبعض أن يأخذوا أكثر من نصيبهم العادل في هذا العالم الذي يفضل معظمنا أن يراه مكانًا عادلًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد