تعد علاقة النساء المعقدة بأحذية الكعب العالي موضوع نقاشٍ نسوي طويل لا ينتهي. ورغم مساوئ الكعب العالي والآلام الناتجة عن ارتدائه، لا تزال النساء تشتريه وترتديه وتتبارى أحيانًا في ارتفاع الكعب الذي يمكنهن تحمله.

لذا كتبت سومر برينان في صحيفة «الجارديان» البريطانية مقالًا تحاول فيه توضيح أسباب تفضيل النساء للكعب العالي. وسومر هي كاتبة وصحفية حاصلة على درجة الماجستير من جامعة نيويورك للآداب والعلوم، ولها عدد من الكتب الحائزة على جوائز، ومقالات منشورة في صحف مختلفة، وكذلك عملت في الأمم المتحدة لعدة سنوات.

الكعب العالي يمثل الطموح

تفتتح سومر المقال بحكايةٍ قديمة في حياتها، إذ تقول إنَّها اعتادت أثناء حياتها في نيويورك على ارتداء أحذية الكعب العالي كل يوم تقريبًا، رغم أنَّها لم تكن تملك سلطةً كبيرة في عملها، لكنَّها كانت تعمل في الأمم المتحدة، حيث البذلات الرسمية، وربطات العنق، والجيبات القصيرة، والبلوزات الحريرية، والخطابات الطويلة، ما جعل حذاء الكعب العالي حتميًا في نظام حياتها.

وتتابع أنَّها امتلكت في ذهنها صورةً معينة للمرأة المهنية الواثقة، وأرادت تجسيدها. إذ كانت ترى هؤلاء النساء يوميًا، عامًا بعد عامًا، خلف الكواليس في قاعات السلطة، وعلى المقاعد أمام حمامات النساء، يلبسن ويخلعن أحذية الكعب العالي.

Embed from Getty Images

كانت بالنسبة لها أحذيةً تدل على السلطة، وارتدتها النساء في العالم كله. وتنوعت أشكالها وألوانها، لكن حتى البسيط منها كان غير مريح، وتقول إنَّها في مخيلتها كانت تزخرفها لافتتانها بها. أما الشيء الذي لا خلاف عليه في هذه الأحذية كلها كان ذلك الكعب الحديدي الرفيع، النتوء الحديدي الذي يشبه علامة التعجب حسب وصفها. وكانت النساء اللاتي ضاقت أرجلهن بتلك الأحذية يخلعنها ويستبدلنها من حينٍ لآخر، و«يهربنها أينما يذهبن في شنط اليد كأنها أسلحة» حسبما تقول الكاتبة.

وتوضح سومر أنَّها حين كانت تعمل في مكتبٍ، لم تمثل لها أحذية الكعب العالي أي شيء سوى أنَّها أحبتها، وارتدتها، وأحبت فكرة ارتدائها. لم تكن مهووسةً بها، ولم تملك الكثير منها. لكنَّها أحبت أحيانًا فكرة ارتداء الكعب العالي أكثر من فكرة ارتداء الأحذية نفسها.

ولا تزال تشعر في عملها، إن كانت لا ترتدي حذاء الكعب العالي، بأنَّها غير كاملة، إذ تحس أنَّها مثل رجلٍ نسي وضع ربطة عنقه في غرفة مليئة بالرجال الذين يرتدون ربطات العنق. تجعلها أحذية الكعب العالي تشعر بالقوة بطريقةٍ نسائية، وبأنَّها متأهبة، ومتوافقة مع السياق المحيط، كأنَّها مستعدة لمواجهة يوم العمل. وتفكر أنَّها ربما فعلت ذلك لأنَّها شعرت أنَّها بحاجة لإثبات شيء ما، أو أُرغمت على التفكير في أنَّها بحاجة لإثبات شيء ما.

لكن تشير سومر إلى أنَّه أيًا كان السبب، ففي كل الأحوال، صار الكعب العالي أشهر الأحذية النسائية. فهو ملائم للمناسبات، والظهور في التجمعات، والأداء، وإظهار القوة، والتهذيب. وفي بعض السياقات والمناسبات، يكون عادةً أكثر الأشكال رسمية، لدرجة كونه إلزاميًا.

فهو يشبه ربطات العنق التي يرتديها الرجال، لذا يصعب أن تبدو النساء بدونه رسمياتٍ وأنثويات في آنٍ واحد. لذا يجبرهن مديروهن على ارتداء الكعب العالي عند الحضور للعمل والمناسبات المتعلقة به في كافة المهن، بدءًا من النادلات في لاس فيجاس وحتى المحاسبات في شركة «برايس ووترهاوس كوبرز»

لذا ارتبط ارتداء هذه الأحذية لدى النساء بالطموح، وأغلفة المجلات، والسجاجيد الحمراء، وعروض الجوائز، وغرف مجالس الإدارة، والمحاكم، ومباني البرلمانات، والمناظرات. ومن المفارقة أنَّها أيضًا ترمز للجنس، وفقًا لصناعة الهوس الجنسي التي يبلغ عمرها 150 عامًا.

وهذا يوضح في رأيها أنَّه بالنسبة للنساء، الأمور الأكثر ظهورًا للجميع هي أيضًا الأشد خصوصية، والعكس بالعكس. لذا رغم أنَّ الكعب العالي هو أكثر أحذيتهن ظهورًا، فهو يعتبر أكثرها أنوثة.

ولهذا كله، تعتقد الكاتبة أنَّ البحث في موضوع الكعب العالي، وارتداءه من عدمه، وما يعنيه وما لا يعنيه، وهل له دلالة أم لا، أصبح فجأةً موضوعًا خصبًا للنقاش النسوي.

نشأة الكعب العالي

تتبعت سومر نشأة أحذية الكعب العالي، وأشارت إلى أنَّ أول ظهور لها كان في باريس، إذ اختُرعت هناك ثم طورتها الموضة الغربية لتصبح الأحذية الكلاسيكية التي نعرفها الآن. ظهر أول حذاء ذي كعبٍ عالٍ في القرن السابع عشر في بلاط الملك لويس الرابع عشر، إذ كان الكعب العالي الثخين المستلهم من أحذية ركوب الخيل في الشرق الأوسط آنذاك هو أفضل وسيلة للنبلاء لإبراز كعوب أقدامهم المغطاة بالجوارب الحريرية، ومن ثم إعلان مكانتهم المرموقة.

Embed from Getty Images

أما الشكل الثاني منها فظهر في الخمسينيات، حين وضع روجر فايفر، مصمم شركة «ديور»، قصباتٍ معدنية في جسم أحذية الكعب العالي رفيعة الكعب، ما زاد ارتفاعها بثلاثة إنشات أو أكثر، وشجع النساء العاديات على ارتدائها في الحياة اليومية. وبالتالي، في حقبة ما بعد الحرب، حين تحولت الكثير من النساء اللاتي كن في القوة العاملة وقت الطوارئ إلى المطبخ، ظهر الشكل المعاصر للكعب العالي للمرة الأولى.

بحسب سومر، فايفر رجل فرنسي، يصنع منذ الثلاثينيات أحذية كعبٍ عالٍ مصممة خصيصًا لأشخاصٍ مثل الممثلة جوزفين بيكر، والملكة إليزابيث الثانية. وكان بين أوائل المصممين الذين طوروا تصميماتهم لتصبح عملًا فنيًا أكثر من كونها تلائم الاحتياجات العملية. ولم يكن أول من استخدم المعدن في الكعوب، ولا كانت أحذيته أول تصميماتٍ تجمع بين الارتفاع والرُفع الشديد. لكنَّ عمله مع شركة ديور في الخمسينيات هو ما جعل شكل الكعب العالي مطلوبًا في الموضة.

وبدءًا من فايفر، ومرورًا بمانولو بلانيك، وجيمي تشو، وكريستيان لوبوتان، وحتى ألكساندر ماكوين، ترى الكاتبة أنَّ تصميمات أحذية  الكعب العالي الحديثة تجسد فكرة التحوُّل. إذ تُحوِّل آلهة الموضة النساء بعد ارتدائها إلى شيءٍ غير البشر، يصبحن مثل النبات، أو الحيوانات، عاليات لكنَّ الإمساك بهن وقهرهن أمرٌ سهل.

ووفقًا للكاتبة، حين سُئل عن الجاذبية التي يراها الرجال في النساء اللاتي يرتدين الكعب العالي، قال مصمم الأحذية الفرنسي كريستيان لوبوتان، أثناء حديثه مع مصورة الأزياء جارانس دوريه في شقته بباريس عام 2013، إنَّ الحقيقة هي أنَّ الكعب العالي يبطئ مشية المرأة، ما يتيح للرجل وقتًا أطول للنظر إليها.

لم يتحدث لوبوتان عن أي جمال، بل عن السرعة فقط، وقال: «ما الغرض من الرغبة في الجري؟. أنا مع إبطاء حركة المشي، وأحذية الكعب العالي جيدة جدًا لهذا الغرض».

وتشير الكاتبة إلى أنَّه وفقًا لهذه النظرة، فإنَّ المرأة المُتعجلة في حركتها، والخارجة عن سيطرة الرجل، تُرى كمشكلة، وبالتالي لم يكن هناك حلٌ أفضل لتطويع هؤلاء النساء المتمردات إلا بجعلهن بطيئات، مربوطات بالأرض التي يسرن عليها.

حرية المرأة لا تعني التخلي عن ثقافتها «الأنثوية»

لكنَّها تعود مرةً أخرى لتقول إنَّها رغم ذلك، ترغب في ارتداء الفساتين وأحذية الكعب العالي، وتحب أنوثتها أو ما جعلوها تظن أنَّه من الأنوثة، حتى لو كان مجرد ثقافةٍ تشربتها. فهي لا تريد أن تضطر لمحاكاة الرجال، لا في سلوكهم، ولا مظهرهم، للحصول على السلطة أو الحرية. ولو أرادت الجري، سترتدي أحذية الجري. وتتابع أنَّها تحب وضع مساحيق التجميل، وتستمتع بالزينة.

Embed from Getty Images

وترى أنَّه ربما يحب غيرها ذلك أيضًا، بغض النظر عن جنسهم. وتشير إلى دفاع الكاتبة روكسان جاي، في كتابها «النسوية السيئة»، عن الأمور المقولبة بأنَّها «نسائية»، مثل حبها للون الوردي، معلنةً رفضها لفكرة أنَّ النسوية يجب أن تستبعد مظاهر الثقافة النسائية. ولهذا تتساءل سومر: هل يمكن للنساء أن يحزن القوة دون تحقير هذه الأمور «النسائية»؟ هل يمكن أن تُنقذ ثقافة الأنوثة من السلطة الأبوية ومجازاتها القمعية؟

ترى سومر أنَّ النساء في خضم عملية دامت عقودًا لمعرفة شكل المرأة الحرة وتصرفاتها، وربما تمتد تلك العملية لقرون، إذ ما زلن لم يكتشفن سبب التمييز ضدهن في العمل مثلًا وعلاقة ذلك بكونهن نساء. إذ أصبح من المتوقع حول العالم أن ترتدي المرأة الكعب العالي أثناء العمل، وأن تواجه تحدياتٍ وتمييزٍ جندري أثناء ذلك.

وتعتقد أنَّ الإنسان يجب أن يحذر من الانشغال بالشيء عمَّا يمثله ذلك الشيء نفسه. فربما تكون الملابس المحافظة وأحذية الكعب العالي قد منعت بعض النساء في العصر الفيكتوري من تسلق الجبال، حرفيًا أو مجازًا (رغم أنَّ بعضهن نجحن في ذلك على أية حال)، لكنَّ مشكلة هؤلاء النساء لم تكن مشكلة موضة بحسب الكاتبة.

ففي رأيها، ما يحدد، ويُفقر، ويستغل، ويقهر، ويُمرض، ويُدمي، ويغتصب، ويقتل النساء عمومًا ليس الملابس ولا الأحذية، بل القوانين والقواعد الاجتماعية، والحكم المسبق، وكراهية النساء، وتفوق العرق الأبيض، ورهاب التحول الجنسي، ورهاب المثلية، والمؤسسات المجحفة، وقوانين العمل الظالمة، وسياسات العمل والتوظيف التمييزية.

وأضافت أن ما يضر بالمرأة أيضًا، هو نقص القوانين التي تحمي من العنف في أماكن العمل، والمنازل، والشوارع، وعدم تطبيق القوانين الموجودة حاليًا، واستخدام البيروقراطية سلاحًا، وارتفاع أسعار الخدمات المخصصة للنساء، والتمييز الطبي على أساسٍ جنسي، والتمييز الديني على أساس جنسي، والحرمان من إمكانية حيازة الممتلكات، أو الإدارة المالية لبطاقة رصيد بنكي أو دفتر شيكات، والتهديد بالعنف في المساحات العامة، جسديًا وافتراضيًا، وفي المواصلات العامة. فحركة النساء كانت مقيدة جسديًا بالموضة بالفعل، لكنَّها بالأساس مقيدة قانونيًا، وماديًا، ومهنيًا، وطبيًا، وذهنيًا، وجنسيًا، وسياسيًا. أي مقيدة بصورةٍ منهجية في حياتها.

لهذا ما زالت السرديات المهيمنة على الموضة والإعلام تعاني لتُرى النساء بوصفهن أفرادًا. والنساء غالبًا في هذه السرديات مجرد نكهات، وأنواع.

وهذا ما يجعل المثقفين النسويين يتعرضون للهجوم حين ينتقدون النساء اللاتي يختلفون معهن، حتى لو لم يكونوا قد عبروا عن اختلافهم بأسلوبٍ متحيز جنسيًا أو جندريًا. ويظهر هذا كثيرًا عندما تتعارك النساء حول ارتداء أو عدم ارتداء الكعب العالي. إذ ما دامت النساء لا تُرى باعتبارها بشرًا، شخصياتٍ مستقلة، فكلهن إذن واحد، وانتقاد واحدةٍ منهن، يعني انتقادهن كلهن.

صُنع خصيصًا للرجال وليس النساء.. قصة ظهور الكعب العالي وتطوره

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد