نشرت «بلومبرج» على موقعها مقالًا يحذر  من خطر تراجع حصة العمال في الأرباح بشكل كبير؛ حيث أصبحت حصتهم تقل بشكل مستمر بينما تزيد حصة الملاك، وتناول الكاتب نوح سميث -وهو أكاديمي متخصص في الاقتصاد- أتمتة الوظائف، ونقلها لدول أخرى والتي قد تكون حيلة أخرى لتقليل حصة العمال من الأرباح.

قطعة أصغر من كعكة الأرباح للعمال

تشير بيانات مكتب التحليل الاقتصادي لانخفاض نصيب العمال من الناتج المحلي بشكل مستمر على مدى العقود الأخيرة، وهو ما يصفه الكاتب بالاتجاه المقلق لمساهمته في انعدام المساواة بشكل أكبر، ويتضح ذلك في نصيب الفقراء من الأرض أو رأس المال والذي يقل بكثير عما يملكه الأغنياء. ويحذر من أن التقليل من قيمة العمال قد يزيد من البطالة والاضطراب المجتمعي وحالة الضيق العامة، فلا أحد يريد للرأسمالية أن تصبح المدينة الفاسدة التي تصورها كارل ماركس. لذلك يسارع الاقتصاديون لتشخيص السبب قبل أن تسوء المشكلة، رغم أن تراجع حصة العمال كان بشكل معتدل نسبيًا، بحسب الكاتب.

زاد التركيز مؤخرًا على فكرة أن السلطة الاحتكارية هي سبب هذا التحول، لكن الكاتب يشير لـورقة بحثية أظهرت أنها قد تكون سبب 20% فقط منه. ما يعني أن هناك تفسيرات أخرى محتملة لتراجع نصيب العمال وتحتاج لدراستها مثل تزايد أتمتة الوظائف والعولمة.

يشير الكاتب هنا لرأي 4 خبراء اقتصاديين من مؤسسة النقد الدولي -وهم: ماي داو وميتالي داس وتسوكا كوتان وويتشنج ليان- والذين يعتقدون أن الأتمتة والعولمة ليست هي السبب إن كانتا منفصلتين، إنما تفاعلهم سويًا هو السبب. ويستدلون على حديثهم بـرسم بياني يوضح أن نصيب العمال من الأرباح لا يقل فقط في الدول الغنية بل في الدول الفقيرة أيضًا.

لم يكن هذا ليحدث لو كانت العولمة وحدها هي السبب -بحسب الكاتب- فـنظريات التجارة التقليدية تقول إن امتلاك الدول الغنية لرأس المال الكبير والدول الفقيرة للعمالة الكثيرة يجعل نصيب العمال من الأرباح يقل في الدول التي نصيبهم فيها قليل بالفعل -مثل الدول الغنية- لكنه يجب أن يزيد في الدول الفقيرة التي كان نصيبهم فيها كبيرًا من قبل. ولا ينطبق هذا على ما يحدث الآن.

ينتقل الكاتب للسبب الثاني وهو الأتمتة، والتي إن كانت بدأت لتوها في جعل العمال دون عمل فهذا يعني أن الدول النامية لن تعاني من انخفاض حصة العمال من الأرباح بسبب تخلفها تقنيًا -بعقود من الزمن- عن الدول الغنية، ويؤكد مؤلفو الدراسة أن السلع الاستثمارية -مثل الآلات والمركبات والحواسيب- لم تصبح أرخص في الدول الفقيرة كما حدث في الدول الغنية. يتلخص حل اللغز -بحسب رأي الكاتب- في الإجابة على سؤال: لماذا تنخفض حصة العمال من الأرباح في الدول النامية؟

اقرأ أيضًا: من قال إن العبودية انتهت؟ عمال «أبل» ينتحرون ليصلك الـ«آيفون» الأنيق!

ما تأثير التجارة الحرة على العمالة في الدول الفقيرة؟

تقدم داو وزملاؤها -مؤلفو الورقة البحثية- فرضية تتناول أنواع الصناعات في الدول الفقيرة قبل وبعد انفتاحها التجاري. عندما تُعزل الدول الفقيرة عن الاقتصاد العالي فهي تميل للتخصص في الأشياء التي تعتمد على العديد من الأعمال الرخيصة مثل الفلاحة أو الأعمال الخدمية الرخيصة أو الصناعات كثيفة العمالة. أمر جيد لملاك الأراضي وأصحاب رأس المال الآخرين، لكنهم لا يملكون فرصة حقيقية ليصبحوا أغنياء -بحسب الكاتب- لأن أي استثمار في الآلات أو التقنيات سيكون أغلى من استخدام جيش من العمالة الرخيصة، ولهذا لا يستثمرون من البداية. يتفاقم هذا الفقر في إنفاق رأس المال بسبب الأنظمة الاقتصادية البدائية أو المعيبة.

لكن عندما يحدث الانفتاح التجاري، تتجه الدول الغنية لنقل الوظائف الصناعية للبلدان الفقيرة. ويضيف الكاتب أن هذه الوظائف تسمح بفرص أفضل للعمال وفرص أفضل بكثير للرأسماليين، فهم في الولايات المتحدة واليابان وفرنسا يصبحون أغنياء عندما يقتطعون من تكلفة العمالة بنقلها للصين، بينما يصبح الرأسماليون الصينيون أغنياء لأنهم أصبحوا قادرين أخيرًا على تكوين إمبراطوريات تجارية ضخمة.

يقول الكاتب إن خبراء صندوق النقد الدولي يتوقعون أيضًا أن التكامل الاقتصادي العالمي يجب أن يساعد في تخفيف الضغط على العمالة في الدول الفقيرة. فلو كانت الشركات الأمريكية والأوروبية واليابانية والتايوانية تستطيع الاستثمار في دولة نامية مثل الصين، فهذا يعني أن تدفق الأموال الأجنبية سيدعم العمال المحليين وينافس على تقليل أرباح أصحاب رأس المال المحليين.

أما بخصوص الدول الغنية، فيقول الكاتب إن الأتمتة والعولمة يعملان فيها سويًا. يمكن للشركات في الدول الغنية أن تنقل الصناعات كثيفة العمالة مثل تجميع الإلكترونيات والألعاب والملابس للصين وبنجلاديش، بينما تشتري المعدات المتطورة والروبوتات لصناعة المنتجات باهظة الثمن مثل المعالجات الدقيقة والطائرات. ونتج عن هذا أن عمال الدول الغنية أصبحوا يعانون من التجارة الحرة وظهور الأتمتة منخفضة التكلفة، بعد أن كانت الوظائف الروتينية متوافرة لهم.

يختم الكاتب المقال بالقول: «قد يكون التفسيران المبتذلان لتزايد انعدام المساواة وتراجع الأجور صحيحين. في ظروف مثالية، قد تجتمع الروبوتات والتجارة الحرة -وبعض السلطة الاحتكارية في البداية- لتنقل السلطة من البروليتاريين للرأسماليين. في ظل وجود كل هذه العوامل، قد يتمثل اللغز الحقيقي في تفسير أن حال العمال ليس أسوأ مما قبل».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد