يلجأ الكثيرون منا إلى زيادة عدد ساعات العمل عندما يزداد ضغط المهام عليه. لكن قضاء بعض الوقت دون فعل أي شيء هو المفتاح لإنجاز عمل أكبر في وقت أقل، وذلك وفقًا لمقال كتبته مادلين دورا على موقع شبكة بي بي سي.

يعتقد الناس أن زيادة ساعات العمل سيزيد من إنتاجيتنا وسيجلب الثناء من مديرينا. ولكن أثبتت الوقائع أن العمل 8 ساعات متواصلة في اليوم لا علاقة له بحجم الإنجاز.

تسرد لنا مادلين حكاية ليزا كونجدون التي كانت تعيش حياة مشغولة بشدة، فكانت تتولى على الأقل خمسة مشاريع في وقت واحد، لذا فقد حاولت جاهدة أكبر فترة ممكنة من الوقت. ولكنها بعد مضي عشر سنوات، بدأت تعاني من متاعب صحية شديدة، مثل آلام الظهر والرقبة والصداع.

تقول ليزا: «كنت أستيقظ صباحًا، فأجد القلق يتملكني، وعانيت من اضطرابات في النوم». إن هذا الأمر مألوف لدى الكثيرين منا. فالمهام التي لا تستغرق بضع دقائق، قد نجد أنفسنا نمضي ساعات فيها. والحل الأمثل هنا هو العمل مساءً أو حتى في العطلات، مما يزيد من حدة التعب والإرهاق. ولكن – يتساءل التقرير- ماذا لو كان العكس هو المطلوب؟

اقرأ أيضًا: مترجم: هل تشعر بالذنب لعدم إنجاز عملك؟ تعرف إلى الفائدة النفسية لإهدار الوقت

خرافة إدارة الوقت

كانت ليزا تمضي في السابق ما يقرب من 11 ساعة متواصلة من العمل دون توقف. وهذه دوامة يسهل الدخول فيها؛ إذ يعتقد الناس أن زيادة ساعات العمل سيزيد من إنتاجيتنا وسيجلب الثناء من مديرينا. ولكن أثبتت الوقائع أن العمل 8 ساعات متواصلة في اليوم لا علاقة له بحجم الإنجاز.
ينقل التقرير نتائج دراسة أجريت في إحدى ورش العمل، حيث ظهر أن العاملين يتوقفون 87 مرة عن العمل في المتوسط كل يوم، مما يصعب من التركيز طوال اليوم. لجأت ليزا إلى تعديل أسلوب عملها واتبعت نهجًا مختلفًا لتحقيق النتائج المرجوة، دون العمل على مدار الساعة. فقررت أن تقسّم اليوم إلى أقسام كل منها يبلغ 45 دقيقة، بما يجعلها تزيد من إنتاجيتها خلال تلك الفترات الزمنية الضيقة.
وحتى تحافظ على تركيزها وطاقتها – يشير التقرير– عملت على ضمان المرونة في تلك الأوقات، فكانت تمارس القليل من التمارين، والقليل من التأمل، والقليل من العمل. وقد ساهم انخفاض التوتر لديها في تحقيقها مستويات إنجاز أعلى.

كانت دراسة قد أجريت في عام 1951 صادرة عن مؤسسة إلينوي للتكنولوجيا، قد كشفت أن العلماء الذين قضوا 25 ساعة في العمل أسبوعيًّا لا تزيد إنتاجيتهم على من يقضون في العمل خمس ساعات أسبوعيًّا فقط. في الواقع، إن العمل بتركيز بين ساعة إلى ثلاث ساعات قد يكون فعالاً مثل العمل ليوم كامل.

إن هذا يتماشى مع نتائج البحث الذي أظهر أن إنتاجيتنا لا علاقة لها بعدد ساعات العمل المبذولة خلال اليوم، وإنما له علاقة بطريقة إدارتنا لطاقتنا. ينقل التقرير تجربة شركة The Draugiem Group التي استخدمت برنامجًا لتتبع الوقت الذي يبذله العاملون في العمل لدراسة العادات التي تحد من إنتاجية العاملين.
وكانت المفاجأة هي أن أكثر العاملين إنجازًا لم يعملوا لساعات أكثر من غيرهم، بل وحتى لم يعملوا بنظام ساعات الدوام الكامل. كان المفتاح لإنتاجيتهم الغزيرة هو أنّهم يقضون 17 دقيقة في الراحة بعد العمل لـ52 دقيقة. وبما أننا في عالم تتزايد فيه ضغوط العمل، يرى أليكس بانج، مستشار في وادي السيليكون ومؤلف كتاب «استرح: لماذا تنجز أكثر عندما تعمل أقل؟»، أن هذا لا يساعدنا على زيادة الإنتاجية، أو ابتكار حلول جديدة.
يقول بانج: «إن العمل لساعات طويلة يزيد من الإنتاجية في البداية، ولكن مع مرور الوقت تختفي تلك المكاسب؛ إذ تزداد احتمالية ارتكاب الأخطاء، ونتيجة لذلك تختفي مكاسب العمل لساعات طويلة».

اقرأ أيضًا: «الانشغال الدائم».. عندما تتحوَّل حياتنا إلى سباقٍ لا ينتهي

كانت دراسة قد أجريت في عام 1951 صادرة عن مؤسسة إلينوي للتكنولوجيا قد كشفت أن العلماء الذين قضوا 25 ساعة في العمل أسبوعيًّا لا تزيد إنتاجيتهم على من يقضون في العمل خمس ساعات أسبوعيًّا فقط. في الواقع، إن العمل بتركيز بين ساعة إلى ثلاث ساعات قد يكون فعالاً مثل العمل ليوم كامل. ويفسر كال نيوبورت – مؤلف كتاب «العمل بانهماك: قواعد لنجاح مركز في عالم مشتت»– ذلك بالقول إن الانشغال هو وصفة سحرية للإنتاج.

التخلص من مصادر الإلهاء

يعتقد نيوبورت أن أفضل وسيلة للتركيز هي التخلص من مصادر الإلهاء. وهناك عدة طرق لتحقيق ذلك، مثل تقسيم المهام الكبيرة، واتخاذ طقس عمل يومي، أو اتباع أسلوب الصحافيين بالانهماك بشدة في العمل لبعض الوقت عندما يتاح لك ذلك خلال اليوم. وأيًّا كان ما ستفعله، المهم هو تحديد المدة الزمنية التي يمكنك التركيز فيها.
ويوصي نيوبورت بالتخطيط للعمل على المدى الطويل لمواجهة الإلهاءات المتكررة، وإنجاز المزيد في وقت أقل. «يتعين عليّ التخطيط لعملي لشهر قادم. وبمجرد أن أقوم بذلك، فإني ألتزم بذلك وكأنه ميعاد مهم مع الطبيب».
يشير التقرير إلى أهمية ترتيب الأولويات كإحدى الوسائل المهمة لإنجاز المزيد في وقت أقل. يسرد تيم هارفورد – مؤلف كتاب «الفوضى: قوة العمل العشوائي في تغيير حياتك»– نتائج دراسة قسمت مجموعة من الطلاب إلى قسمين: وطلب من بعضهم تحديد أهداف دراسية على أساس شهري، بينما طُلب من آخرين التخطيط لأنشطتهم على أساس يومي.

 المفاجأة هي أن أكثر العاملين إنجازًا لم يعملوا لساعات أكثر من غيرهم، بل وحتى لم يعملوا بنظام ساعات الدوام الكامل. كان المفتاح لإنتاجيتهم الغزيرة هو أنّهم يقضون 17 دقيقة في الراحة بعد العمل لـ52 دقيقة.

افترض الباحثون أن المجموعة الثانية ستحقق نتائج أفضل، لكنهم كانوا مخطئين، فقد تسبب التخطيط على أساس يومي إلى تثبيط همم الطلاب. ويؤكد هارفورد أن مصادر الإلهاء اليومي تشتت الطلاب، في حين أن الارتجال قد يأتي بنتائج أفضل.
ويرى نيوبورت أن تحقيق أقصى استفادة من النشاط والتركيز لا بد أن يمر عبر مرحلة الكسل. «الكسل ليس مجرد إجازة أو خطيئة، بل هو عنصر لا غنى عنه للدماغ، فهو ضروري لإنجاز العمل» كما يقول نيوبورت. ويعتقد سريني بيلاي – أستاذ مساعد للطب النفسي في كلية الطب بجامعة هارفارد– أن العلاقة بين الكسل والإنتاجية مردها الطريقة التي تعمل بها أدمغتنا. فعندما تتنقل أدمغتنا بين التركيز وعدم التركيز على مهمة ما، فإنها تصبح أكثر فعالية.
يقول بيلاي: «ما لا يدركه الناس هو أنه حتى ينجزوا مهامهم، يتعين عليهم استخدام دوائر التركيز وعدم التركيز في أدمغتهم. هذا ما تحدثت عنه نجمة التنس سيرينا ويليامز، حين أشارت إلى أهمية كل من التركيز والاسترخاء». كما يعرف عن الملياردير وارين بافيت تخصيص أيام في مفكرته للجلوس دون عمل والتفكر، وهو نفس ما يفعله بيل جيتس.

اقرأ أيضًا: 10 أشياء يفعلها الأشخاص الأكثر إنتاجية بشكل مختلف

استغلال الخمول

وفقًا لاثنين من علماء النفس في جامعة هارفارد، فإننا نقضي 46.9% من وقتنا في التفكير بعيدًا عما نفعله. ولعل المفتاح نحو الإنتاجية هو استغلال هذا المقدار من الوقت فيما يفيد. هذا ما فعله جاستن جيجناك – الشريك المؤسس لموقع Working Not Working للعمل الحر– إذ ترك بعض الوقت من يومه بلا أنشطة. فهو يعتقد أن من المهم تخصيص وقت لاستعادة النشاط، والسماح لدماغه بالتفكير.
يقول جاستن: «بعد ساعات العمل، أقوم بإشعال عدة شموع وأتمدد على الأرجوحة الشبكية دون أن أفعل أي شيء. إن من الرائع منح مساحة للعقل كي يتأمل العالم المحيط».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد