بعضنا يجد نفسه فجأةً غارقًا أسفل كومةٍ من الأعمال المتكدسة غير المنتهية، يتساءل كيف وصل به الأمر هنا، وما الذي دفعه إلى البدء في هذا الكم من الأعمال التي لن يستطيع الانتهاء منها. ورغم المحاولات المستمرة للتخطيط والتنظيم، فإنَّنا نقع دائمًا في الفخ نفسه. لكنَّ تيم هيريرا، محرر قسم «Smarter Living» بصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، لديه حيلة ذكية للتغلب على تلك المشكلة.

يوضح هيريرا أنَّه أيضًا عادةً ما تكون لديه عشرات المشروعات والمقالات التي يعمل عليها. قد يُنهي بعضها خلال الأسبوع، ويعود إلى غيرها، ويؤخر البعض الآخر حسب درجة الأهمية لوقتٍ لاحق، لكنَّ بقيتها غالبًا ما تنزوي في طيِّ النسيان.

وليس الأمر لكونه لا يرى وجاهةً لهذه الأفكار، بل على العكس تمامًا، فهو يريد أن يقوم بها جميعًا! كلُّ ما في الأمر أنَّ الحياة تعترض طريقه، ولديه عدة ساعاتٍ فقط في اليوم.

يُدرك هيريرا أنَّ معظمنا يعاني من تلك المشكلة. ويرى أنَّ هناك عدة أسباب لها، إلا أنَّ العامل الأكثر تأثيرًا هو العامل ذاته الذي نسيطر عليه أكثر من غيره، وهو قرار بدء أي مهمةٍ جديدة.

يستشهد الكاتب باقتباسٍ لجريج ماكوين، مؤلف كتاب «Essentialism» المفضل لديه، يقول فيه إنَّ هناك «نزوعًا لدى البشر لتقدير الوقت الذي تستغرقه مهمةٌ بأقل مما تستغرقه في الحقيقة»، وهو ما يُسمَّى مغالطة التخطيط، التي تقودنا إلى الالتزام بمهامٍ تفوق قدرتنا؛ ما يؤثر على إتمامها في النهاية.

ويضيف ماكوين «إنَّه أمرٌ متجذرٌ في نفوسنا، فيمكن أن تعرف عنه وأن تفهم مبدأه كذلك، ثم تظل تكرره»، وهو ما يرى هيريرا أنَّه مثالٌ على عمل عقلنا اللاواعي ضد مصالحنا ذاتها.

وبحسب الكاتب، يُفاقم هذه المشكلة أنَّ بدء أشياءٍ جديدة قد يكون مُشوِّقًا، الأمر الذي يقود لدائرةٍ مغلقة يُكافَأ فيها العقل عند بدء شيءٍ جديد؛ لأنَّ ذلك يمنحنا شعورًا جيدًا، وقد فُطرنا على اشتهاء هذا الشعور. لكن بمجرد فقدان الشغف، فإنَّنا نميل إلى إهمال الأشياء التي لم تكن تعنينا حقًّا، فتظل هذه قابعةً دون أن تكتمل، تؤرقنا وتضيف إلينا مزيدًا من الضغوط.

ويضيف هيريرا أنَّه ليس من السهل كسر هذه الدائرة، لكنَّه ليس مستحيلًا أيضًا. فوفقًا لماكوين، الحل يكمن في حساب الكلفة الكاملة لبدء أي مهمة جديدة.

«نيويورك تايمز»:طريقة ذكية لتتخلص من هاتفك وتنجز عملك

يعني هذا بحسب هيريرا أنَّك حين تُقدِّر الوقت والمجهود المطلوبين لإتمام مشروعٍ أو مهمة، ضاعف تقديرك ثلاثة أضعاف. ويعترف الكاتب بأنَّ هذه قد تبدو مبالغةً، لكنَّ ماكوين وجدها الطريقة الأمثل للخروج بتقديراتٍ واقعية، ويضيف أنَّها طريقة صحية للحياة، أن تدفع كلفة ما ستفعله مقدمًا وتقدره بموضوعية وتتخذ قرارًا حكيمًا. وبالطبع قد تحتاج في طريقك لإتمام المهمة لمحاسبة نفسك وتقييم أدائك، لكنَّك لن تتمكن من فعل ذلك بحسب ماكوين ما لم تقرر بحكمة من البداية.

ووفقًا لهيريرا، تقرير ما ينبغي لك الإقدام على فعله هو فقط جزء من الحل. ويتعلق الجزء الآخر بمعرفة كيفية التقدُّم في أداء مهامك.

وهنا يرى أنَّه من المهم معرفة بعض الأسباب التي تجعلنا نواجه العقبات المختلفة، ومن هذه الأسباب السعي وراء الكمال.

يتابع الكاتب قائلًا: إنَّ السبب الأساسي في عدم إتمام الكثير من المهام هو أنَّنا نضع لأنفسنا أهدافًا غير واقعية، وبالتالي نفشل في تحقيقها. ولهذا من الضروري لكلٍ منا أن يحدد معنى النجاح في مهمةٍ ما بالنسبة له. فحياكة قبعةٍ خاليةٍ تمامًا من العيوب أمرٌ غير معقول، لكن الانتهاء من حياكتها أمرٌ ممكن ومختلف.

وهنا ينصح هيريرا بأن تُحدد أهدافًا مرنةً وقابلةً للتنفيذ في الوقت ذاته، وأن نكون مدركين أي أهداف يمكننا تحقيقها.

يضيف هيريرا أنَّ التشتُّت كذلك مشكلةٌ كبيرة كالسعي للكمال. فالبشر سيئون للغاية في التعامل مع عدة مهام في الوقت نفسه، لذا ينصح بأن نكتب بالتحديد العناصر التي يشملها مشروعٌ ما، وكيف يمكن إنجازها، ثم نتناول هذه العناصر واحدةً تلو الأخرى.

ويستطرد الكاتب بأنَّ أفضل طريقةٍ لفعل هذا هي تقسيم العمل لأهداف صغيرة ثم البدء بأسهلها. وعندما تبدأ في إزالة هذه العناصر من قائمة مهامك، سيُكافأ عقلك كيميائيًا، الأمر الذي يشجعك على الاستمرار في العمل. فالإنجازات تجلب الإنجازات، وقد أظهرت دراساتٌ أنَّ التقدم التدريجي يمكن أن يكون محفِّزًا قويًّا.

مترجم: 5 طرق تساعدك على اتخاذ القرارات

ويختتم الكاتب نصائحه بأنَّه من المهم معرفة متى يجب عليك الاستسلام وإلغاء مهمةٍ ظلت قابعةً على جدول أعمالك لوقتٍ طويل. فإذا ظلت القبعة التي تحيكها مُهملةً في خزانة ملابسك ثمانية أشهر، تُلحُّ عليك كلما فتحت الخزانة لتأخذ سترتك، فإنَّه ينبغي لك التخلص منها. فقدرتنا على الانتباه محدودة، لذا لا تدَع مهمةً تستحوذ على جزءٍ منها وأنت تعلم تمامًا أنَّك لن تُنهيها. وإذا أخفقت كل هذه الحلول، اعترف فقط بأنَّك لن تنهي ذلك المشروع، ولا تستغرق في لوم نفسك.

أو كما يقول ماكوين: «يبالغ الناس كثيرًا في إلزام أنفسهم ما لا يطيقون. فمن الطبيعي أن يتوقفوا في منتصف المهام دون إنهائها، وإدراك هذا ليس صعبًا. المذهل حقًا هو كيف يحمل البعض نفسه على استكمال ما بدأه حتى نهايته».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد