نشر موقع «ميدل إيست آي» تحقيقًا للكاتبة أريج لمام، تتبع فيه الأوضاع التي آل إليها الشباب التونسي بعد مرور ثماني سنوات على هروب الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، عقب شهرٍ واحد من الاحتجاجات الضخمة التي أنهت حكمه الذي استمر 23 عامًا.

تشير أريج إلى أنَّ العديد من الشباب الذين نزلوا للشوارع عام 2011 كانوا في سن المراهقة أو بداية العشرينات، وحلموا أنَّ الثورة التي أطلقوا شرارتها قد تجلب لهم الحرية والفرص.

لكن بعد ثماني سنوات لا زال التونسيون في المرحلة العمرية نفسها يحلمون ببناء مستقبلٍ أفضل لأنفسهم. ويزداد عدد الشباب الذين يخاطرون بحياتهم بحثًا عن المستقبل الأفضل على متن القوارب التي تعبر البحر الأبيض إلى أوروبا.

فتقول أريج نقلًا عن «مركز سياسة الهجرة»: «إنَّ معدل العدد السنوي للوافدين من تونس إلى شواطئ إيطاليا بين عامي 2000 و2010 كانوا ألفي شخص، وفي عام 2011، كبر هذا الرقم ليتجاوز 28 ألف شخص، وفي 2012، انهار الرقم مجددًا وعاد إلى ألفين».

لكنَّ الأرقام التي جمعتها مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين تشير إلى ارتفاع الرقم من جديد؛ إذ وصل وفقًا لإحصائياتها 5 آلاف شخص إلى حدود إيطاليا في عام 2018.

الحراقة

يشار في تونس إلى الرحلة التي تُقطَع إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط على متن قارب باسم «الحراقة». وحسب آريج، فهذه الرحلة واسعة الشهرة ويُتحدث عنها بكثرة، والأغلبية العظمى من التونسيين يعرفون على الأقل قريبًا أو جارًا أو صديقًا حاول القيام بالرحلة.

حاورت أريج بعض هؤلاء ممن يعرفون شبابًا خاضوا تلك الرحلة الخطيرة. ومنهم يسرا (20 عامًا)، التي قالت للكاتبة: «حاول أخي القيام بالحراقة خمس مرات. واعتُقل أكثر من مرة، وفي إحدى المحاولات، هرب المهربون بأمواله التي بلغت ألفين ونص دينار تونسي تقريبًا (846 دولارًا)».

تجد عند البحث على موقع التواصل الاجتماعي صفحات «فيسبوك» عديدة تشجع الشباب التونسيين على القيام برحلة الحراقة، بل تعرض أن تكون شبكة الوصل بين هؤلاء الجادين في القيام بالرحلة وبين المهربين. وتمتلئ هذه الصفحات بصور القوارب والبحر وبطاقات بريدية للمدن الأوروبية.

تستعرض أريج بعض المنشورات، إذ تقول: إنَّ أحد الشباب أرفق صورةً للقارب كتب عليها: «كيف أُقنعك يا أمي أنَّ هذا القارب هو الحل الوحيد»، وقال آخر: «تعرضنا للذل والتعذيب في بلادنا، عانينا بما فيه الكفاية، نحن متعبون وسنغادر، إما أن نصل لوجهتنا أو نموت ونحن نحاول».

كيف.. يمكنني. إن. أقنعك. بأن.. هادا.. القارب… هو… الحل….. يا… امي😍😢�😢

Geplaatst door ‎الهجرة من تونس‎ op Zondag 2 december 2018

 

وتتابع أنَّ البعض يكتب تعليقاتٍ يطلب فيها إخباره بموعد الرحلة القادم، فيما يترك آخرون هواتفهم ويعرضون خدماتهم الخاصة في هذا الشأن.

ووفقًا لأريج، حاول موقع «ميدل إيست آي» التأكد من صحة العروض التي يقدمها أصحاب هذه المنشورات، ولم يتحصل الموقع على أي ردٍ من الأشخاص الذين وضعوا بياناتهم على صفحات فيسبوك. لكنَّ هؤلاء الأشخاص ومنشوراتهم هم نموذج تقليدي لنوعية المنشورات التي يجدها الشباب التونسيون الذين جربوا رحلة الحراقة.

أما البحث عن كلمة «الحراقة» على شبكة الإنترنت فيُظهر بعض مقاطع الفيديو لشباب يصورون رحلاتهم على متن القوارب المطاطية الصغيرة في وسط المحيط. تمتلئ هذه القوارب بأشخاص يلوحون للكاميرا، يبتسمون ويغنون ابتهاجًا بمغادرة البلاد. يخترق صوت الغناء والضحك صوت المحرك العالي، وتظهر بعض هذه المقاطع نساءً وأطفالًا بين المسافرين.

الثقافة الشعبية

بعيدًا عن مواقع التواصل الاجتماعي، تشير أريج إلى تواجد الحراقة الواضح في الثقافة الشعبية التونسية؛ إذ يتناول العديد من مطربي الراب والمقاطع الموسيقية المصورة هذه المشكلة. أشهر أغنية هي «ولا ليلة»، للمطرب التونسي المعروف بلطي. يبدأ بلطي أغنيته، ويقول إنَّه يفكر في الحراقة.

ويواصل أغنيته بحكي القصة المتشابهة لكل الشباب التونسيين الذين بيع لهم حلم الوصول لروما وباريس وخاطروا بحياتهم للوصول إلى هناك. وتحقق الأغنية حتى هذه اللحظة 61 مليون مشاهدة على موقع «يوتيوب».

وبحسب أريج، أفادت مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين عام 2018 أنَّ التونسيين يحتلون أعلى رقم في عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين يبلغون إيطاليا. وتُظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة أنَّ عدد المواطنين التونسيين الذين يصلون إيطاليا عن طريق الهجرة غير الشرعية ارتفع من أقل من ألف شخص في 2013، إلى أكثر من 6 آلاف شخص في 2017، وتراجع العدد مجددًا في 2018 إلى أقل من 5 آلاف.

ووفقًا للكاتبة، كانت تونس عام 2018 هي البلد التي سافر منها تقريبًا ربع المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا أوروبا، مقارنة بنسبة 4% فقط في عام 2017، رغم أنَّ هذا التغيُّر الحاد حدث بشكلٍ أساسي لقلة أعداد المهاجرين من الشواطئ الليبية.

تتابع الشابة التونسية يسرا رواية حكاية شقيقها لأريج، وتقول إنَّه يعيش في فرنسا الآن، وتوضح أن رحلته نجحت بعد العديد من الصعاب. وتضيف إنَّه حادثهم من إيطاليا بعد أسابيع، ظنوا فيها أنَّه مات، ومرضت والدته قلقًا عليه، لكنَّ شقيقها أخبرها باحتجازه في صقلية لمدة 14 يومًا، واشتكى من سوء المعاملة التي تلقاها من الشرطة.

رحلة خطيرة

وصف شقيقها المخاطر التي واجهها في رحلته عبر البحر المتوسط، وحسبما أوضحت لأريج، فإنَّ القارب الذي كان فيه شقيقها مع بعض أصدقائه بدأ يغرق قبل أن يصلوا للأراضي الإيطالية، فقفز من القارب وحاول السباحة لأقرب جزيرة، بدلًا عن البقاء في عرض البحر داخل قارب مطاطي يواجه الغرق.

وأثناء ذلك كسر شقيقها عظمة في قدمه، وظل جرحه ينزف. بعدها جرفته الأمواج إلى الشاطيء ثم فقد الوعي، وأدرك بعد استيقاظه أنَّ أصدقاءه تخلوا عنه، لكنَّ شقيق يسرا كان محظوظًا بالنسبة لكثيرين؛ إذ أُنقذ وشفيت جراحه لاحقًا، فيما واجه آخرون حتفهم في جوف البحر المظلم.

200 ألف هارب منها.. لماذا يعزف شباب تونس عن الخدمة العسكرية؟

تشير أريج إلى هؤلاء المنكوبين، وتستعين بإحصائيةٍ نشرتها المنظمة الدولية للهجرة، تقول فيها: إنَّ نصف أكثر من 14 ألف شخص من الرجال والنساء والأطفال الذين تأكد موتهم أثناء محاولاتهم الوصول إلى أوروبا بين عامي 2014 و2018 قضوا أثناء عبور طريق وسط البحر المتوسط الواصل بين شمال إفريقيا وإيطاليا.

وفي شهر يونيو (حزيران) من العام الماضي، قضى 112 شخصًا، أغلبهم مواطنين تونسيين، بعد غرق قارب يحمل 180 لاجئًا قبالة الساحل التونسي. وكانت هذه الحادثة، وفقًا لأريج، الحادثة الكبرى والوحيدة لموت وفقد المسافرين في البحر الأبيض المتوسط العام الماضي.

ورغم هذا الخطر المميت، يواصل الشباب التونسيون تجربة رحلة الحراقة، رغم علمهم بالخطر، وحتى رغم تعرضهم له في محاولات سابقة.

نقص الفرص

يعبر الشباب التونسي في العديد من المنشورات التي تشجع الحراقة على مواقع التواصل الاجتماعي عن يأسهم من الوضع الاقتصادي وفقر الفرص المتوفرة لهم. وتستشهد أريج بدراسةٍ أجرتها مؤسسة «ريتش» الإنسانية بجنيف. كشفت الدراسة أنَّ أكثر ثلاثة أسباب منتشرة يقول التونسيون إنَّها أسبابهم للمغادرة هي الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والبطالة، والأزمة السياسية. هذا بالإضافة إلى انعدام المساواة الاجتماعية.

وتضيف أنَّ التونسيين في السنوات الأخيرة يعانون ارتفاع أسعار الطعام بسبب ضعف العملة، وتسارع التضخم الذي وصل أعلى مستوًى له منذ 1990، وفقًا لصحيفة «رويترز».

بالإضافة إلى البطالة التي يصل معدلها حاليًا إلى 15.5%، أي أعلى من متوسطها طوال العقد الماضي. وبحسب أريج، تأثر الشباب والنساء بنقص الفرص بدرجةٍ أكبر من الجميع، بسبب البطالة التي تزيد خاصًة بين خريجي الجامعات. وتضيف الكاتبة أنَّ ثلث خريجي الجامعات لا يعملون، ويشعر الكثيرون منهم أنَّ الخيارات المتاحة أمامهم محدودة.

ولتوضيح نتائج المشكلة على المستوى الإنساني، أشارت أريج إلى القصة التي هزت تونس في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ إذ فجرت انتحارية نفسه في العاصمة التونسية، متسببةً في إصابة تسعة أشخاص. ورغم تركيز التحقيقات الأولية على التأكد ممَّا إذا كانت الحادثة هجومًا مسلحًا، صرحت السلطات في ما بعد بأنَّ المنفذة لم تكن لديها أي انتماءات سياسية ولا دينية، ولم تكن على قائمة المتطرفين المراقَبين.

وكشف الإعلام التونسي لاحقًا أنَّ الانتحارية ليست سوى فتاة شابة تبلغ الثلاثين عامًا، واسمها منى جوبلا. وهي خريجة جامعية عاطلة اضطرت للاعتناء بأغنام أسرتها بعد قضاء ثلاث سنوات في البحث عن وظيفة بلا جدوى.

البطالة المزمنة

كانت البطالة واحدةً من الأسباب الرئيسة التي خرجت بسببها المظاهرات الضخمة في عام 2010، والتي قادت لاحقًا إلى إسقاط الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي ونظامه.

إذ اندلعت بعد أن أضرم الشاب محمد بو عزيزي النار في نفسه أمام مبنى بلدية محلي احتجاجًا على ارتفاع أسعار الطعام وعلى البطالة. منذ ذاك الحين، يتعامل البعض مع تونس باعتبارها قصة نجاح الربيع العربي، حيثُ ازدهرت الديمقراطية عقب عقودٍ طويلة من الحكم الديكتاتوري المتسلط.

ومن مظاهر هذا النجاح في رأي أريج، إجراء الانتخابات المحلية للمرة الأولى منذ رحيل بن علي في مايو (أيار) الماضي، والتي انتهت بفوز سعاد عبد الرحيم، أول امرأة تتولى منصب رئاسة البلدية في العاصمة تونس.

وصرح محمد علي عزيز، المستشار في وزارة التنمية والتخطيط والتعاون الدولي، لموقع «ميدل إيست آي» قائلًا: «إنَّ الانتخابات المحلية العام الماضي كانت خطوة نحو اللامركزية، وأنتجت العديد من التجارب الأولى، بزيادة المشاركة السياسية للمرأة وذوي الاحتياجات الخاصة. هذا بالإضافة لفخره  بالدستور السياسي الجديد الذي يدعم حقوق النساء والأقليات».

وتابعت أريج سرد الإنجازات السياسية في تونس، مضيفةً تضمُّن الدستور الجديد لمادة تُجرِّم التمييز العنصري، مشيرةً إلى أنَّ تونس هي أول دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تضع قانونًا مماثلًا في دستورها.

لكنَّ الحرية السياسية وحدها ليست كافيةً بالنسبة للشباب؛ إذ تقول يسرا في نهاية حوارها مع أريج: «إنَّ الحرية لن تُجدي دون إصلاح اقتصادي وتوفير فرص أكثر لهم». وتتابع بأنَّ «العائلات لا زالت تخسر أبناءها وشبابها لصالح الحراقة، ويجب فعل المزيد في هذا الشأن».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)