لا يمكنك فهم الأسباب وراء انضمام الشباب لـ«داعش» دون أن تفهم نظرية الحرمان النسبي

مرةً أُخرى، أشعل صعود «داعش» المتزايد، وبالأخص التساؤل المُلِّح حول دوافع انضمام الشباب المسلم من جميع أنحاء العالم للتنظيم، جدلًا استقطابيًّا مألوفًا. فمن ناحية، هناك فريق يعتقد أن الأيديولوجية والدين والثقافة هي الدوافع الرئيسية وراء ذلك. فالإسلام المتطرف الراديكالي والجهادية وصراع الحضارات كلها أجزاء متكاملة لا تتجزأ. ولعل الحجة القائلة بأن الصراع الحقيقي ينبغي أن يكون داخل الإسلام نفسه بين الراديكالين والمعتدلين تُمَثِّل النسخة الأدق في تعبيرها عن هذا الرأي، إذ تعطي الأولوية للعوامل الأيديولوجية.

بينما على الجانب الآخر، تتفوق العوامل الاجتماعية والاقتصادية على عوامل الأيديولوجية والدين. فنقص التعليم والبطالة والفقر وغياب الترقي كلها عوامل تخلق شعورًا متزايدًا بالإحباط والتطرف. ووفقًا لذلك الجانب، يعد نقص الفرص الاقتصادية والاجتماعية أكثر أهمية من حرب الأيديولوجيات أو حتى صراع الحضارات.

كلا الاتجاهين حجته مقنعة تصاحبها تداعيات كبيرة على صانعي السياسات، لكن المفتاح الرئيسي في فهم دوافع المنضمين لداعش هو بالذهاب لأبعد من العوامل الاجتماعية الاقتصادية البسيطة أو حتى العوامل الأيديولوجية البحتة. فبدلًا من ذلك، تستحق نظرية «الحرمان النسبي» المزيد من الاهتمام عندما يتعلق الأمر بهذا السياق. على عكس «الحرمان المطلق»، يرتبط الحرمان النسبي بتنامي الطموحات والتوقعات. فالحرمان النسبي هو حالة تصف الاستياء الذي يتولد لدى الفرد نتيجة إدراكه أن ما يحصل عليه من مقومات المعيشة هو حد الكفاف، وهو أقل بكثير مما يستحقه أو يتوقعه، أو بمعنى آخر ما يحصل عليه في مقابل ما يتوقعه ويستحقه. بالإضافة إلى مقارنة وضعه بقرنائه في مجتمعات أُخرى أو حتى نفس مجتمعه حيث غياب العدالة الاجتماعية، وغياب عدالة توزيع الفرص. وهو يختلف عن الحرمان المطلق أي غياب مقومات الحياة الأساسية كالغذاء والمال.

 كلا الاتجاهين يمكنه إيجاد أرضية مشتركة في حالة أنهما اتفقا على أن تكون العوامل الأيديولوجية أكثر أهمية عند تصاعد الطموحات الاقتصادية والاجتماعية، لكن تلك الأخيرة ما تزال بطريقة أو بأخرى غير محققة بعد. لذا، فإن اتساع الفجوة بين التوقعات والفرص يؤدي إلى التطرف الأيديولوجي.

في الشهر الماضي، حاول الرئيس أوباما نفسه إيجاد أرض مشتركة بين الاتجاهين أثناء خطابه بشأن مكافحة التطرف العنيف. وقد أقرَّ بالطبيعة الدينية والأيديولوجية للتهديد الذي هم بصدده من خلال تأكيده على أن الجماعات أمثال داعش والقاعدة يصورون أنفسهم على أنهم مجاهدون يدافعون عن الإسلام. واستطرد سريعًا بتوضيح أن أمريكا في حالة حرب مع أُولئك الذين حرَّفوا الإسلام، وليس الإسلام نفسه. في غضون ذلك، أوضح الرئيس مِرارًا وجهة نظر مفادها أن الحرب الأيديولوجية الحقيقية ينبغي أن تكون بين المعتدلين والمتطرفين داخل الدين الواحد.

وبعد تناوله البعد الأيديولوجي للخطر، دافع أوباما أيضًا عن الرأي الآخر المؤيد لعوامل السياق الاجتماعي والاقتصادي قائلًا:

التحدي الثاني الذي ينبغي علينا معالجته هو المظالم التي يستغلها الإرهابيون وتشمل المظالم الاقتصادية. فالفقر وحده لا يجعل شخصًا يصبح إرهابيًّا، كما هو الحال أن الفقر لا يجعل شخصًا يصبح مجرمًا. هناك الملايين، بل المليارات من الناس في هذا العالم يعيشون في فقرٍ مدقع، ويركزون على ما يمكنهم القيام به في سبيل بناء حياتهم بحيث لا يضطرون أبدًا لاحتضان أيديولوجيات عنيفة متطرفة. وعلى العكس، هناك بعض الإرهابين قد يأتون من خلفيات تتمتع بالثراء الفاحش مثل أسامة بن لادن.

إلا أنه حقيقةً عندما يتم إفقار ملايين الناس، وخاصة الشباب، فلا يكون لهم أمل في المستقبل، عندما يعانون من إذلال الفساد لهم يوميًّا، وعندما لا توجد أي منافذ يعبر بها الناس عن همومهم، حينها يتفاقم الاستياء بينهم. وبالتالي ينمو خطر عدم الاستقرار والتطرف. فأيّمَا مكان لا يجد الشباب فيه فرص تعليم، يصبحوا أكثر عرضة لنظريات المؤامرة والأفكار المتطرفة التي لم يقيسوها بأي شيء آخر، أو حتى يختبروها في مواجهة أفكار أُخرى. وقد شهِدنا ذلك في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

من المؤكد أن تغذية أسباب التطرف وتجنيد الإرهابيين لا تظهر بالضرورة في ظل ظروف الفقر المدقع والحرمان، لكن على الأرجح عندما تتلاقى العوامل السلبية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأيديولوجية. إن رفض جذور التطرف الاجتماعية والاقتصادية على أساس أن معظم الإرهابيين يأتون من الطبقة الوسطي، هو ببساطة أمر ساذج ومُضلل. بالتحديد عندما تضع الناس طموحات وتوقعات عالية، ويأملون بالترقي، علينا الانتباه أكثر لاحتمالات الإحباط والذل ومن ثَمَّ التطرف الأيديولوجي. هناك مجموعة متزايدة من الأعمال الأدبية التي تشير لمثل هؤلاء الأفراد بـ «الناجحين المحبطين»؛ وهو مصطلح يعبر عن أولئك الذين يمتلكون بعض مقومات النجاح كالتعليم، وبالفعل يكسبون المال، لكن كل ذلك يفتقد للأثر الإيجابي من إشعارهم بالسعادة أو الرضا. وقد نُشِرَ بحث حول تلك الحالة، وبالفعل وجد ترابط وثيق بينها وبين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المجتمعات.

الحرمان النسبي لا يهتم في المقام الأول بالفقر أو الجهل. إنما ينصب تركيزه على تنمية التطلعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتغلب على انعدام فرص تلبية تلك التوقعات المتزايدة. فأولئك المتعلمون الذين لديهم طموحات عالية، لكن في نفس الوقت لا توجد آفاق حقيقية للتقدم هم بالتحديد من يوصفون بـ «الناجحين المحبطين»، وهم الذين يستميلهم التطرف بشكل متزايد. لذا، من المنطقي أن تكون تونس التي لديها طبقة وسطى قوية ونظام تعليمي أقوى من أي بلد آخر في الشرق الأوسط، صاحبة نسبة كبيرة من حيث انضمام شبابها لداعش بأعداد تبدو غير متناسبة مع وضع البلد السابق ذكره.

توجد ديناميات مماثلة من الحرمان النسبي في أوروبا، حيث إن أعدادًا كبيرة من السكان المسلمين بما فيها شريحة الشباب متعلمون نسبيًّا وعاطلون عن العمل ومحبطون، إضافة إلى أنهم جُرِّدوا من أي إحساس بالانتماء. على سبيل المثال، بلد صغير مثل بلجيكا تعاني من مشاكل خطيرة كالهوية الوطنية والبطالة، علاوة على مشكلات اندماج المسلمين في المجتمع الأوروبي. كل ذلك يمثل نموذجًا مثاليًّا للتربة الخصبة السامة التي تدفع نسبة كبيرة من الشباب البلجيكي بشكل غير متناسب للانضمام لداعش؛ كما هو الحال في تونس.

تكنولوجيا المعلومات والوعي

طبيعة العالم اليوم المترابطة بفضل تكنولوجيا المعلومات والعولمة تخلق وعيًا حادًا ودقيقًا لدى الناس بشأن الفرص المتاحة لقرنائهم في أماكن أُخرى من العالم. فالحرمان لم يعد حقيقة مطلقة أو ظاهرة منعزلة عن باقي العالم، وإنما هي نسبية. فتزايد اللامساواة وزيادة الوعي بشأنها يسيران جنبًا إلى جنب. في أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتفاقم معدلات الإحباط نتيجة عوامل الإنفجار السكاني وقدرات الدول الواهية، مع تزايد التوقعات وتناقص الفرص.

يضيف الإسلام طبقة أخرى من التعقيد إلى ذلك الحرمان النسبي. بمعنى أن الإسلام كحضارة هو نفسه أحد «الناجحين المُحبَطين». فقد خلق الإسلام حضارة عظيمة ذات مرة تفوقت على الغرب وتجاوزته بإنجازاتها الحربية والعلمية والفنية والعسكرية. إلا أن العالم الإسلامي اليوم يتشارك بشكلٍ جماعي شعور الإحباط والذل، لأنه لا يملك إلا القليل ليتباهى به سواء نجاح اقتصادي أو سياسي أو ثقافي.

ومع ذلك، الإسلام ما يزال لديه توقعات وتطلعات عالية يغذيها الإنجازات العظيمة التي حققها فيما مضى. ملايين المسلمين يتشاركون مشاعر مختلطة من الفخر والعار. علاوة على القرب الجغرافي من أوروبا والشعور بالتنافس التاريخي، والمقارنات المستمرة من حيث الإنجازات؛ كل ذلك يساهم في خلق شعور بالحرمان النسبي.

فأي استيراتيجية تهدف لإحباط محاولات داعش في تجنيد عناصر جديدة يجب أن تعالج نقص الفرص لهؤلاء المحبطين، وخاصة من أهل السنة في العراق وسوريا، بالإضافة إلى معالجة مشاكل اندماج المسلمين في أوروبا. أما على المستوى الأيديولوجي، يجب أن يكون النقاش داخل الاسلام نفسه، بحيث لا يُساء فهمه على أنه صراع حضارات بين الإسلام والغرب. وتحقيق ذلك الهدف بالتأكيد سيساعد في زيادة وضوح الإسلام المعتدل، وظهور علماء الدين الإصلاحيين الذين يتصدون للتفسير المتطرف للإسلام بوضوح على وسائل الإعلام وصفحات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

كل تلك العوامل الأيديولوجية والاقتصادية والسياسية والنفسية يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار عند تحليل الدوافع وراء انضمام الناس لداعش. على عكس تنظيم القاعدة، تزعم داعش أنها خلقت دولة مَولِد الخلافة من جديد. فهي أكثر من مجرد منظمة إرهابية، هي حركة متطرفة، ودولة زائفة تبحث عن مواطنين. لذا، فإن فهم تعقيد الحرمان النسبي لن يأتي بالتركيز على أحد العوامل فقط – الأيديولوجية أو الاقتصادية- وإنما بتداخل الاثنين معًا، وتلك هي الخطوة الأولى في محاربة أسباب جاذبية داعش للآلاف من هؤلاء المحبطين في العالم العربي وأوروبا وغيرهما.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد