تصدرت أخبار فيروس زيكا الصحف العالمية مع تزايد التحذيرات من الفيروس في أمريكا الجنوبية، وخاصة بعد طلب رسمي من مسئول بوزارة الصحة البرازيلية بتأخير الحمل والإنجاب خوفًا من انتشار المرض. نشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية تحليلًا لمدى خطورة الوضع في أمريكا الجنوبية حاليًا نتيجة للقلق المتزايد من انتشار الفيروس.

كانت الكثير من جمعيات حقوق المرأة وفق تقرير الصحيفة قد هاجمت دعوة وزارة الصحة البرازيلية، واصفين إياه بالتدخل غير المسبوق في شئون شخصية، في حين رأى بعض الخبراء السياسيين أن هذه التصريحات هي بمثابة علامة على فشل الحكومة في تطوير إستراتيجيةٍ حقيقية لمواجهة الفيروس سريع الانتشار، إلا أن الأمر لم يتوقف عند البرازيل فحسب، فانتشرت مثل تلك التصريحات في باقي الدول لتصل إلى الإكوادور وكولومبيا وجامايكا والسلفادور. ربما كان ما طلبته السلفادور هو الأكثر صرامة، حيث طلبت من السيدات تجنب حدوث حمل لمدة عامين كاملين حتى عام 2018، ليترك ذلك الوضع المأساوي الكثير من النساء في أمريكا الجنوبية في حالة حيرة شديدة.

تعتبر أمريكا اللاتينية بشكل عام هي موطن فيروس زيكا حاليًا، حيث تظهر آثاره على المواليد الذين يصابون بحالة تسمى ميكروسيفالي تؤدي إلى صغر حجم رأس الطفل بالإضافة إلى ضمور في المخ، ومع انتشار الكاثوليكية في هذه المنطقة، يبدو نشر ثقافة استخدام وسائل منع الحمل بشكل واسع بمثابة تحدٍ صعب للغاية.

ربما العبء الأكبر يقع حاليًا على النساء الحوامل بالفعل في أمريكا الجنوبية. وفق تصريحات بعضهن لوكالة أسوشيتد برس أظهرن الخوف الشديد من أن يصاب الأطفال بهذا المرض، حيث تقول روكيو أريزا من كولومبيا وهي في الشهر الخامس من حملها الآن وتم تصنيفها كحاملة للفيروس “إن الأمر مرعب، لقد رأيت الكثير على التلفاز، الأمر خطير حقًا”.

 

انتشار هذا الوباء قد يعيد الحديث من جديد حول فكرة الإجهاض في تلك المنطقة، على الرغم من أن العلماء لم يكتشفوا حتى الآن أي رابط واضح بين الفيروس وبين التشوهات الجنينية لأي حالة حيث ربما يعتبر من المستحيل علميًّا تحديد مدى تأثير الفيروس على الجنين بالتحديد قبل ولادته، حيث يعاني بعض المصابين بتلك الحالة بتأخر وقصور فكري بدرجة قليلة جدًا قد تبدو غير مؤثرة على الإطلاق، وهو ما كتبته الصحفية آنا كارولينا كاسيريس والتي نشرت مقالًا على موقع هيئة الإذاعة البريطانية BBC تحكي فيها عن تجربتها مع مرض الميكروسيفالي حيث أصيب به عند ولادته، وهو نفس المرض الذي يسببه فيروس زيكا للمواليد، حيث تقول إن الأطباء أخبروا والديها أنه من المستحيل أن تمشي أو تتكلم، وأنها ستعيش في معاناة حتى تموت، ولكن مع الكثير من جلسات العلاج الطبيعي، تمكنت من أن تعيش حياة طبيعية بشكل كامل.

وفق خبراء الصحة العالمية، فإن الفيروس قد وصل إلى دول مثل كولومبيا عن طريق البعوض الحامل للمرض والذي يُعتقد أنه وصل إليها بعد قرابة 5 أشهر من ظهوره في البرازيل، كما شبهوا الأمر بالقنبلة الموقوتة التي ستنفجر في الأشهر القادمة، مع توقعات بوصول عدد إصابات بالمرض إلى 650 ألفًا، حيث يتطلع المتخصصون إلى دراسة حالة كولومبيا عن قرب؛ لأنها ربما تكون النموذج الذي قد يتكرر في دول أخرى، وفق ما قاله ماركوس إسبينال، مدير وحدة الأمراض المعدية والتحليل الصحي في منظمة الصحة للأمريكتين.

الإجهاض.. هل هو قانوني؟

بعض الدول مثل السلفادور وجمهورية الدومينيكان ونيكاراغوا لا تسمح بالإجهاض تحت أي ظرف من الظروف، في حين أن دول أخرى كالبرازيل وفنزويلا وغواتيمالا تضع قيودًا مشددة أي أنهم يسمحون بالإجهاض فقط إذا كانت حياة الأم في خطر بالغ. أدى هذا الموقف إلى حالة من القلق بشأن احتمالية انتشار عمليات الإجهاض غير الشرعية.

قالت ماريا لويزا بيزيرا مينيزيس -رئيسة جميعة أطباء أمراض النساء والتوليد في ولاية بيرنامبوكو في البرازيل- لصحيفة التلغراف البريطانية: “البعض يمكنهم تحمل تكاليف الذهاب إلى عيادة ولا يلجؤون إلى تدخل آخر يُعرِّض حياتهن للخطر، هؤلاء يبدو أنهم أقل احتمالًا للإصابة بالعدوى أو التعرض لخطر الموت”.

تحدث وزير الصحة الكولومبي عن هذا الموضوع صراحةً وقال إن التأكد من الإصابة بفيروس زيكا ووجود احتمال ولادة طفل يعاني من صغر الرأس قد يسمح للنساء بالإجهاض، بخلاف ذلك قد يكون الإجهاض غير قانونيّ.

خيارات محدودة

كان جوشوا ميشود نائب رئيس السياسات الصحية الدولية في مؤسسة كايسر للأسرة قد صرح في مقابلةٍ أُجريت معه قائلاً “هناك الكثير من المخاوف حول الفيروس وعلاقته بالحمل، إلا أن النساء ليس لديهن الكثير من الخيارات إذا أردن النصيحة”.

أوضح ميشود وبعض الخبراء الآخرين أن التساؤلات المطروحة حول إمكانية تطبيق تأخير الحمل وحول الجانب الأخلاقي له تبدو منطقية من وجهة نظر علمية، فهي قائمة على افتراض أن العيوب الخلقية ترتبط بإصابة الأم بفيروس زيكا أثناء حملها للطفل.

في الوقت الحالي، العديد من البلدان لم يسبق وأن تعرّض سكانها لفيروس زيكا، مما يعني أن القليل جدًا منهم يمكن أن يكون لديه مناعة ضد المرض، وبالتالي يمكن أن يصيب الفيروس أعدادًا كبيرة منهم في أي وقت. يقول ميشود: “الموقف الراهن هو الأكثر خطورة. لديك حالة منتشرة من الضعف، بالإضافة إلى أن البعوض الناقل للفيروس ينتشر بسرعة”.

ولكن عندما تمر موجة من البعوض ببلد ما -كما حدث في البرازيل- ويقوم البعوض بلدغ مجموعة من النساء ويُصابوا بالفيروس، فإنه يؤدي إلى تكوين أجسام مضادة، وبالتالي إذا ما حملن في المستقبل، فإن الفيروس لن يكون له تأثير عليهن أو على أطفالهن.

على أية حال، هناك العديد من الاحتمالات، ولكن مسئولي الصحة في البلدان التي أصدرت تحذيرات من الفيروس قالوا إن هذا هو أفضل شيء يمكنهم القيام به إلى حين معرفتهم أكثر عن الفيروس.

التأثير المجتمعي

في ظل القلق الزائد حول فيروس زيكا، يُهمِل البعض تأثير التأخير في الحمل على المجتمعات. كتب أوري فريدمان في صحيفة أتلانتيك أنه إذا استمر انتشار المرض لعام أو عامين، فإنه قد يسبب “ثقب دائم في التركيب العمري”، ولكن الأزواج سيعوضون ذلك لاحقًا من خلال الحصول على أطفال أكثر.

ولكن إذا كان الوباء سيستمر لخمسة أعوام أو أكثر، فإنه قد يؤدي إلى تغيرات حادة. وأضاف فريدمان:

“في ذلك السيناريو الافتراضي، جزء كبير من النساء اللاتي أجّلن الحمل خلال الأزمة الصحية سيتخطين ال35 عامًا، وبالتالي تقل احتمالات حملهن بشكل كبير، وبالنسبة لبعض النساء فإنهن لن يكنّ قادرات على إنجاب المزيد من الأطفال. هذا الانخفاض في معدل المواليد يصعب تعويضه بالزيادة اللاحقة، مما ينشئ جيل قليل العدد بشكل ملحوظ.

مِثل هذا التحول في التركيب العمري يمكن أن يثير مشكلات في أمريكا اللاتينية، التي تعتمد بشكل ضخم على الاقتصاد غير الرسمي، كما أن الناس لا يميلون إلى ادخار الكثير من الأموال للمستقبل. نتيجة لذلك، غالبًا ما يعتمد كبار السن على دعم ماديّ من أبنائهم وأحفادهم، أكثر من اعتمادهم على أنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي غير المناسبة”.

ماريا إرلندا غوزمان (34 عام) هي واحدة من النساء اللاتي أصبحت أحلامهن بالأمومة مهددة بسبب زيكا. تقول ماريا لوكالة أسوشيتد برس بأنها كانت تحاول بأن تحمل في طفل، ولكن تخطط الآن لاستخدام وسائل منع الحمل، وتخشى أنها ستكون قد كبرت في السن وقت انتهاء الوباء، وأضافت: “لن يكون لدي أطفال”.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد