منذ نشأتها اتَّسمت المملكة العربية السعودية بنزعةٍ دينيةٍ مُتشدِّدةٍ برزت من خلال ثقافتها وقوانينها وسياساتها، لكن يبدو أنَّ الرياض بدأت تسعى مؤخرًا لتخفيف القيود التي فرضتها على ممارسة بعض المغتربين للديانة المسيحية، كجزءٍ من استراتيجيتها الهادفة إلى إضعاف هيمنة الإسلام المُتشدِّد على الهوية السعودية.

يُشير مركز «ستراتفور» الأمريكي للدراسات الاستراتيجية والأمنية إلى أنَّ العائلة الملكية تأمل من خلال تلك الخطوة في فتح الباب أمام الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي ترتكز على الحداثة، والتي تُعَدُّ أحد العناصر الرئيسة ضمن خطة رؤية 2030 الأوسع في البلاد. ورغم أنَّ تقليص دور الإسلام المُتشدِّد في البلاد له فوائده، تعتقد «ستراتفور» أنَّ تأسيس مناخٍ أكثر علمانيةً ربما يؤدي إلى زيادة النزعة القومية السعودية، وهذه النزعة ستتحدى في نهاية المطاف دور العائلة الملكية في إدارة الدولة، وقد تُؤثر على العلاقات السعودية مع الدول الأخرى، وتُصبح بمثابة نوعٍ جديدٍ من الرقابة على سلطة العائلة الملكية.

«الجارديان»: لماذا لن يكون 2019 عامًا سعيدًا على ابن سلمان؟

حدود توحيد التيار الإسلامي المُتشدِّد في المملكة العربية السعودية

ذكر تقرير «ستراتفور» أنَّ سياسة الإسلام المُتشدِّد في السعودية اكتسبت قوةً كبيرةً بمرور السنين، لدرجة أنَّ الحكومة طردت وقمعت كافة الأديان الأخرى.

فمنذ تأسيس المملكة عام 1932، تشكَّلت العلاقة بين الحُكَّام والمواطنين السعوديين على أساس مجموعةٍ من الروابط القبلية وصلات القرابة والأيديولوجية الدينية، مما أضعف قدرة المناطق والطوائف والجماعات العرقية المختلفة التي قمعتها الرياض على تحدي سلطتها.

وطوال القرن العشرين نظرت الحكومة السعودية إلى فلسفاتٍ مثل القومية على أنَّها تهديدٌ خطير. وخلال الخمسينات والستينات، خشيت الرياض من علاقاتها القومية مع مصر المنافسة لها، ونزعة القومية العربية التي تبنَّاها رئيسها جمال عبد الناصر، والتي كانت تستهدف عادةً العائلات الملكية. وأدَّت الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 وحصار المسجد الحرام في مكة في العام نفسه إلى تعزيز مخاوف العائلة الملكية السعودية من إزاحتها على يد الإسلاميين المُتشدِّدين هذه المرة. لذا منحت امتيازاتٍ خاصةٍ لرجال الدين الإسلاميين المُحافظين في مقابل ضمان ولاء الشعب الذي تتمتع بتأثيرٍ كبيرٍ عليه، من أجل تجنُّب أي تحدٍ إسلاميٍ جديد.

لكن ترى «ستراتفور» أنَّ الفوائد الاستراتيجية لتيار الإسلام المُتشدِّد بدأت تصبح محدودةً بحلول أوائل الألفية الثالثة، وخاصةً حين تعرَّضت المملكة العربية السعودية للانتقاد لتشجيعها الأصولية داخل منظومتها التعليمية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول). وفي عهد الملك عبد الله، انتهجت المملكة سياساتٍ جديدةٍ صُمِّمَت لبناء توجُّهٍ جديدٍ من القومية السعودية، مرتبط بعائلة آل سعود لكنَّه يركز على التاريخ والرموز والطقوس السعودية تحديدًا، عوضًا عن تلك التي ترتكز على الإسلام فقط. وصُمِّمَت تلك القومية السعودية كوسيلةٍ جديدةٍ لتوحيد القبائل والطوائف داخل المملكة، ومحو الخلافات السابقة التي كانت السياسات الدينية قد ساعدت في بقائها بمكانها.

ويشير تقرير المركز إلى أنَّه في الوقت الحالي، تُظهِر المملكة بوادر تسامحٍ مع مُمارسي الأديان الأخرى؛ ما سيؤدي إلى توسيع مفهوم القومية السعودية. إذ التقى القادة السعوديون مع القادة الرومان الكاثوليكيين والأرثوذكسيين والإنجيليين الأمريكيين على مدار عام 2018. وفي مايو (أيار)، وقَّعت الرياض اتفاقيةً تسمح للكنسية الرومانية الكاثوليكية ببناء كنائسها في المملكة العربية السعودية أخيرًا. وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، عقد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اجتماعًا مع الإنجيليين الأمريكيين في الرياض. ومؤخرًا في ديسمبر (كانون الأول)، سمحت الرياض بإقامة قداسٍ أرثوذكسي مصري، وأُقيم القداس داخل منزل مُغتربٍ مصري.

Embed from Getty Images

ابن سلمان يلتقي البابا تواضروس في القاهرة، مارس (آذار) 2018.

وتُشير تلك التطوُّرات مجتمعةً بحسب التقرير إلى تراجع سطوة الإسلاميين المُتشدِّدين، الذين تمكنُّوا في السابق من قمع الممارسات المسيحية في السعودية، ومنع الرياض من تكوين علاقاتٍ رسميةٍ مع الكنائس المسيحية.

لماذا القومية؟

يرى مركز «ستراتفور» أنَّ القومية في الفترة الحالية تنطوي على فوائدَ أكبر من التديُّن المُحافظ بالنسبة للدولة السعودية. إذ أنَّ ربط الهوية بمكانٍ مُحدَّدٍ يُضعف من سطوة الإسلاميين غير السعوديين داخل البلاد. فعلى سبيل المثال، ستتحوَّل الانتقادات من الإسلاميين الأتراك والمصريين والإيرانيين إلى تدخُّلٍ أجنبيٍ غير مرحب به في الشؤون المحلية، عوضًا عن اعتبارها انتقاداتٍ مهمةٍ من الأشقاء المسلمين. وفضلًا عن ذلك، فإنَّ إبعاد العقلية السعودية عن تقديس الدين المُتأصِّل في تقاليدها، ودفعها لتبنِّي العصرية والعلمانية المتعلقة بمساحةٍ جغرافيةٍ بعينها سيفتح الأبواب أمام إمكانيات الابتكار وتولِّيد أفكارٍ جديدة، وهي المكوِّنات اللازمة لتُؤتي رؤية 2030 ثمارها.

والأهم من ذلك بحسب التقرير هو أنَّ القومية تسمح لأفراد العائلة الملكية بإضعاف المعارضة المحلية المبنية على الآراء الدينية؛ مما يُؤدِّي إلى إضعاف الرقابة على نفوذها، بينما تتبنى استراتيجياتٍ غير مسبوقةٍ، مثل التفكير في إقامة علاقاتٍ مع إسرائيل. فضلًا عن أنَّ ذلك يحُدُّ من قدرة رجال الدين المُحافظين في الاعتراض على بعض الإصلاحات الاجتماعية داخل المملكة، مثل اختلاط الجنسين وتشجيع النساء على العمل وقيادة السيارات، وإفساح المجال أمام أشكال الفن والترفيه المحظورة سابقًا.

Embed from Getty Images

افتتحت المملكة بعضًا من دور السينما العام الماضي بعد فترةٍ طويلة من منعها.

وينظر التقرير إلى القومية أيضًا باعتبارها أداةً مُفيدةً بالنسبة لأهداف السياسة الخارجية السعودية، خاصةً حين يتعلَّق الأمر برغبة الرياض في إعادة تشكيل الشرق الأوسط تشكيلًا أكثر حزمًا بما يخدم مصالحها. وبذلك تتمكَّن الحكومة السعودية من استغلال الفخر القومي في تحفيز المواطنين لاتِّباع سياساتها، عوضًا عن الاعتماد على الولاء القبلي والمنح المالية. وحينها سيسُهل التصدِّي لرسائل الخصوم في تركيا وإيران، والتي تحُثُّ السعوديين على رفض وتقويض سياسات حُكَّامهم، باعتبار تلك الرسائل تدخلًا أجنبيًا.

وبينما أسهم التناقض بين التيار الإسلامي السعودي والمجتمع المسيحي المُتديِّن داخل الولايات المُتحدة في تعقيد العلاقات الأمريكية السعودية منذ أمدٍ بعيد، ترى «ستراتفور» أنَّ لقاء الأمير محمد مع القادة المسيحيين أظهر توجُّهًا أكثر تساهلًا تُجاه المسيحية، وهو الأمر الذي تأمل المملكة أن يُحسِّن علاقاتها مع الولايات المتحدة. وبحسب التقرير، سيُساعد تداول أي أخبارٍ عن السماح بالعبادات غير الإسلامية علنًا داخل المملكة العربية السعودية في محو الصورة السابقة عن ثقافة السعودية المستلهمة من المُتشدِّدين، ويُشجِّع على توسُّع الفكر القومي داخل المدارس ووسائل الإعلام والفنون.

ويشير التقرير إلى أنَّ النظر للأمر من منظورٍ تاريخي يوضح أنَّ تبنِّي السعودية لسرديةٍ تُركِّز على هوية المملكة الجغرافية (والعربية)، بدلًا عن هويتها الإسلامية البحتة، يُعدُّ بمثابة عودةٍ إلى جذورها بطريقةٍ أو بأخرى. فقبل مجيء الإسلام في القرن السابع الميلادي، انتشرت المجتمعات المسيحية في مقاطعة الحجاز الغربية، وانتشرت الأديرة أيضًا بطول الساحل الشرقي للجزيرة العربية. وفي حال واصلت السعودية تخفيف قيودها التي فرضتها على الديانة المسيحية، ربما تتبنى تاريخها هذا بانفتاحٍ أكبر؛ مما يُؤسِّس جذورًا أعمق للهوية القومية.

كيف ستؤثر تلك النزعة القومية على القضايا الوطنية؟

يُشير التقرير إلى أنَّ آمال القادة السعوديين في أن تُخفِّف هذه النزعة القومية المُتزايدة من الرقابة على النفوذ الملكي ربما تُحبَط في النهاية، فهذا الفكر القومي يُمكن أن يحل محل تلك الرقابة، ويفرض رقابةً بديلةً أكثر حدة، وخاصةً حين يتبناه المواطنون العاديون. فالملوك السعوديون السابقون رأوا في الفكر القومي خطورةً تُهدِّد مَلَكِيَّتهم المطلقة، وفضَّلوا الإسلاميين المُتشدِّدين الذين يعتمدون على حركاتٍ هرمية ويُمكن توقُّع ردود أفعالهم على القوميين الأكثر ابتكارًا وابداعًا في القرن العشرين. وربما يُؤدِّي التوجه الجديد نحو القومية السعودية إلى تحدِّي الملكية بنفس الطريقة التي سعى حُكَّامها في القرن العشرين لتجنُّبها.

ويرى مركز «ستراتفور» أنَّ تحديد الهوية بناءً على الوطن يختلف تمامًا عن تحديد الهوية وفقًا للعائلة الحاكمة. فمُطالبة السعوديين بالولاء للمصالح القومية تفتح الباب أمام انخراط المواطنين في تحديد تلك المصالح القومية، وهو ما كان حكرًا على العائلة الملكية وحدها حتى وقتٍ قريب. ومع تصاعد النزعة القومية، سيُصبح الرأي العام السعودي أكثر تعقيدًا، وسيصعب تحفيزه باستخدام الأدوات القديمة، مثل العطاءات والوازع الديني.

فضلًا عن ذلك، إذا تساوت القومية في نظر المواطن السعودي مع تقاليد إقليم نجد حيث تقع الرياض، بدلًا عن كونها متعلقةً بالهوية العربية الأوسع، فرُبما تشهد الهويات المحلية المقموعة والمُهمشة طفرةً جديدة. فبعض المناطق مثل القطيف التي يُسيطر عليها الشيعة في المنطقة الشرقية، وعسير في الجنوب الغربي، والحجاز التي تضُمُّ مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة المُقدَّستين، لها هوياتها المحلية التي قد تُعزِّزها القومية، وتدفعها لمُجابهة فرض الدولة للرموز والطقوس والثقافة النجدية.

آثار تزايد النزعة القومية بالنسبة لمستقبل المملكة العربية السعودية

تخلُص «ستراتفور» أنَّ تزايد النزعة القومية ربما يُؤدِّي إلى وضع الرياض في مواجهة رقابةٍ محتملةٍ أكثر تعقيدًا على نفوذها من المواطنين ذوي الآراء المُتنوِّعة والمعقدة، الذين ستصبح علاقاتهم بالحكومة اقل اعتمادًا على المنح والعطاءات. ففي حين يتسنَّى للسعودية الآن استخدام الدعم الحكومي في شراء الولاء، سيجد القادة السعوديون المستقبليون أنَّ العطاءات التقليدية لن تكفي لتشجيع السعوديين على المضي قُدمًا في ما يرونه مخالفًا للمصالح القومية من وجهة نظرهم. وربما يدعم العامة تحركًا أكبر ضد خصومٍ تقليديين مثل إيران، لكنَّهم ربما يُطالبون أيضًا بالتحرُّك ضد دولٍ يرون أنَّها تُمثِّل إهانةً لفخرهم القومي، حتى لو كان ذلك يعني المخاطرة بخسارة التحالفات القديمة.

ويعتقد المركز أنَّ صعود القومية السعودية لن يُؤدي إلى ظهور مجتمعٍ تتمتَّع داخله العائلة الملكية بنفوذٍ وامتيازاتٍ دون رقابة، بل سينتج عن ذلك مجتمعٌ لديه مجموعةٌ جديدةٌ بالكامل من الأولويات والمصالح.

«ناشيونال إنترست»: 3 منافع كبرى ستستمر إسرائيل في التقارب مع السعودية من أجلها

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد