نشرت مجلة «إنك» الأمريكية مقالًا لجاسين أتين، كاتب عمود في الصحيفة ومهتم بالتكنولوجيا والأعمال والأمن السيبراني، تحدث فيه عن السبب الحقيقي وراء اتخاذ الناس قراراتٍ فاشلةً، موضحًا أن الأمر ليس له علاقة بعدم وجود معلومات كافية ترشدهم إلى الاتجاه الصحيح.

يستهل الكاتب مقاله بالقول: هناك حجة مفادها أنك لو أعطيت الشخص كل المعلومات المتاحة بشأن أمرٍ ما، فسيكون بإمكانه اتخاذ قرار على بصيرة. وسمعتُ هذه الحجة مؤخرًا في سياق اللقاحات المضادة لمرض كوفيد-19. كان الشخص يشعر بالإحباط لأن «الأطباء مراقبون» ولا يستطيعون التعبير عن مخاوفهم صراحةً بشأن حث الناس على تلقي اللقاح. وهم يقترحون بدلًا من ذلك أن يحصل الناس على جميع المعلومات المتاحة عن اللقاح كي يتمكنوا من اتخاذ قرار مبني على المعرفة.

قرارات متبصِّرة

يعلِّق الكاتب: بدأتُ بالتفكير في هذه المقولة ولم يسعني إلا أن أعتقد أن امتلاك «كل المعلومات» ليس قياسًا مفيدًا، خاصةً وأنه لا يوجد طريقة ممكنة لقياس وصول الشخص إلى هذه النقطة. ويبدو لي أيضًا أنها مغالطة رجل القش (مغالطة منطقية وهي أن يُعطي الشخص انطباعًا بأنه دحض حجة الخصم في حين أن ما دحضه هو حجة أخرى لم يقدمها الخصم بالأساس) وسأوضح ذلك بعد قليل.

فلسفة

منذ 8 شهور
«الخروج عن الشخصية».. «القديس» و«العاصي» في علم النفس

ولكن قبل أن نفعل ذلك، أظن أن هناك مشكلات أخرى أكبر من هذه، أولها أن الناس عادةً لا يتخذون قرارات «متبصِّرة»، هم فقط لا يفعلون ذلك، بل يتخذون قرارات عاطفية. فهم يبحثون عن المعلومات التي تدعم القرار الذي يميلون إليه بشدة، ويسفِّهون أي شيء لا يتفق مع ما يعتقدون.

وكما هو واضح، فهذه إشكالية. وعندما يكون الناس يميلون عاطفيًّا لأمرٍ ما ويبحثون عن المعلومات التي تدعم مشاعرهم، فهذا لا يُعينهم على اتخاذ قرار أفضل. إنهم لا يتخذون قرارًا متبصرًا على الإطلاق، ولا قرارًا جيدًا في الأغلب.

يضيف الكاتب: المشكلة الثانية، هي أنه ليس كل المعلومات مفيدة، والناس عادةً ليسوا بارعين في التمييز بينها. ولا أقصد الإساءة، ولكن المشكلة هي أنه حتى الأشخاص الأذكياء جدًّا اتَّخذوا قراراتٍ سيئة.

وحتى لو كنت ذكيًّا جدًّا، وأنا متأكد أنك كذلك، لا تزال هناك أشياء أنت لست خبيرًا فيها. وفي هذه الحالة، ينظر الأذكياء إلى رأي الآخرين الذين هم أكثر ذكاءً، على الأقل في هذا الموضوع، الذين نسمِّيهم الخبراء. وأعني بالخبراء، هم الأشخاص الذين لديهم خبرة ومهارة ومعرفة في موضوع القرار الذي تحاول اتخاذه أيًّا كان.

Embed from Getty Images

وبالمناسبة، الناس العشوائيون الذين يعبِّرون عن آرائهم ليسوا خبراء. والذين يستخدمون كلمات كبرى وبرَّاقة لكي تظن أنهم خبراء، هم ليسوا كذلك. ولكن المسألة تكمن في أن تدرك الأمر وقت حدوثه، وأن تتمكن من فلترة هذه الأصوات المختلفة، وهذا أمر صعب جدًّا لأننا جميعًا لدينا نقاط عمياء.

تصفية المعلومات الخطأ هي المفتاح

يرى الكاتب أن واحدة من أكثر الأشياء وضوحًا والتي تسبب النقاط العمياء هي تحيُّزاتنا الشخصية. وهذا لا ينطبق على الأشخاص الذين لديهم آراء بشأن تلقي اللقاح وحدهم، مع أنها مشكلة بالتأكيد. ولكن ينطبق أيضًا على القادة. فالقادة لديهم نقاط عمياء، وهذه مشكلة لأننا نعتمد عليهم لاتخاذ القرارات الصحيحة. ومفتاح اتخاذ القرارات الصحيحة هو القدرة على تصفية المعلومات الخطأ، والتركيز على المعلومات الصحيحة. والجزء الأول أهم بكثير من الجزء الأخير.

فكِّر في الأمر، وستجد أنه من الصعب عليك معرفة هل تمتلك أفضل المعلومات وقت اتخاذ القرار أم لا. وفي الواقع، لا يمكنك أبدًا الحصول على أفضل المعلومات، ولا ينبغي أن يكون هذا هدفك. وعوضًا عن ذلك، يجب عليك التخلص من المعلومات الخطا التي تُشتِّت انتباهك، أو التي ربما تقودك إلى ما هو أسوأ، تجعلك تستثمر في القرار الخطأ.

وهذه بالمناسبة هي المشكلة مع مغالطة رجل القش. لا أحد يحاول منع الناس من الحصول على «كل المعلومات»، بل الهدف هو منع تداول المعلومات المغلوطة. فإذا كنت تنشر معلومات خطأ، فهذه حجة ماكرة أن تدَّعي أنه لا يزال يتعيَّن على الناس سماع معلوماتك.

وهذا لا يعني أنه ليس لديك الحق أن يكون لك رأي خطأ. فأنت حر في الولايات المتحدة على أن تشارك هذا الرأي، ولكن هذا لا يعني أنه ليس خطأً، وأن على الناس أن تتجنبه عندما تسعى لاتخاذ قرار.

ليس الأفضل بل ما يريدون!

ويختم الكاتب مقاله بالقول: الحقيقة المُرَّة هي أن معظم الناس لا يفعلون ذلك على الإطلاق بل يبحثون عن المعلومات التي تعزز شعورهم. ولهذا السبب تقترح عليك خوارزمية موقع «يوتيوب» مزيدًا مما يشبه ما شاهدته للتو. فهي تعلم أن أفضل طريقة للإبقاء على تفاعل الناس لا تتمثل في إعطائهم أفضل المعلومات، بل في إعطائهم ما يريدون.

وما يريدونه عادةً هو أن يشعروا بالرضا عن القرار الذين هم بصدد اتِّخاذه. ولكن هذا لا يعني أنه قرار جيد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد