نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية مقالًا للكاتب جابرييل ميتشل، مدير العلاقات الخارجية في المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية، تناول فيه إمكانية تعامل إدارة بايدن مع طموح أنقرة في منطقة شرق البحر المتوسط على نحو مختلف عن تعامل إدارة ترامب، متسائلًا عن ما إذا كان بإمكان إسرائيل الاعتماد علي بايدن وعلى الولايات المتحدة بوجه عام في تحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة.

كيف تتعامل إسرائيل مع شرق البحر المتوسط؟

يستهل الكاتب مقاله قائلًا: إن إسرائيل لديها أمور كثيرة على المحك في شرق البحر المتوسط: كيف سيكون تأثير الانتخابات الرئاسية في المنطقة؟ وكيف ستختلف سياسات البيت الأبيض في عهد بايدن عن إدارة ترامب فيما يتعلق بدعم إسرائيل والتعامل مع تركيا؟

Embed from Getty Images

يقول الكاتب: وأيًّا ما كان الفائز، لا يمكن لتل أبيب أن تعتمد على الولايات المتحدة الأمريكية، التي تلملم أوراقها وتنوي الانسحاب من الشرق الأوسط، لحماية مصالحها الاستراتيجية. ويجب على إسرائيل أن تجد طرقًا أخرى لتحقيق أهدافها، وبخاصة الأهداف الأكثر أهمية وخطورة، ونعني بذلك الأهداف المتعلقة بتركيا التوسعية.

وعندما التقى مسؤولون إسرائيليون ولبنانيون، في منتصف شهر أكتوبر (تشرين الأول)، للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود للبدء في حل نزاعهما الجاري بشأن حدودهما البحرية في شرق المتوسط، ألمحت بعض وسائل الإعلام المتحمسة إلى أن الجارتَيْن المتشاحنتَيْن ربما تصبحان المرشحتين القادمتين للمضي قدمًا على مسار التطبيع.

لم يكن هذا اللقاء إحدى المعجزات التي بادر بها ترامب أو التي أوحى بها المسرح السياسي المحموم قبيل الانتخابات، وإنما كانت المحادثات التي جرت بوساطة أمريكية بمثابة تتويج للجهود الدبلوماسية الأمريكية المستمرة والمشاركة على مدار عقد من الزمان.

وبغض النظر عمن سيسْكُن البيت الأبيض في قادم الأيام، تظل الولايات المتحدة ملتزمة بدعم التعاون في مجال الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ونزع فتيل التوترات البحرية. وتسهيل مثل هذا التعاون يُعد من الأمور النادرة التي تحظى بإجماع الحزبين في واشنطن ومن المرجح أن تستمر على هذا النحو بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات الرئاسية التي ستُجرى في الثالث من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

لكن مشاركة أمريكا الواسعة والتزامها تجاه المنطقة آخذ في التراجع. وبالنسبة لإسرائيل، يتطلب تعويض تلاشي الوجود الأمريكي إعادة تفعيل سياساتها الإقليمية ومستوى مشاركتها، خاصة في شرق البحر المتوسط​​، الذي أصبح له الآن أهمية اقتصادية غير مسبوقة.

إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط

يشير الكاتب إلى أنه على مدى السنوات العشر الماضية، سَعَت إسرائيل إلى تعظيم الإمكانات الاقتصادية والدبلوماسية لغازها الطبيعي البحري. وفي شهر سبتمبر (أيلول) عام 2020، وقَّعت إسرائيل على ميثاق إلى جانب مصر والأردن والسلطة الفلسطينية وإيطاليا واليونان وقبرص لإنشاء منتدى غاز شرق المتوسط ​​(EMGF) رسميًّا، وهو منظمة متعددة الجنسيات مكرسة لتعزيز التعاون الإقليمي في مجال الطاقة.

Embed from Getty Images

لكن التقدم الذي أُحرِز خلال عقد من الزمان تعثر في عام 2020 بسبب انهيار أسعار الطاقة العالمية في أعقاب تفشي فيروس كورونا المُستجد، وتزايد التوترات بين تركيا واليونان وقبرص. وفي حين أن الإدارة الأمريكية القادمة لا تستطيع حل هذه التحديات التجارية، إلا أنه بامكانها أن تلعب دورًا بناءً في إدارة الصراع، كما يتضح من الاختراق المتمثل في المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية. وتُعد المعضلة الأساسية لبلدان شرق البحر الأبيض المتوسط ​​هي تحدي تركيا للنظام الإقليمي. وفي محاولة لتوسيع نفوذها، اتَّبعت تركيا بقوة سياساتها المستقلة في المنطقة.

ويرى الكاتب أن أجندة أنقرة التي تتسم بالمواجهة كانت إلى حدٍ ما مدفوعة بحاجتها إلى إحداث تراجع في نجاح منتدى الغاز. ومن منظور تجاري، كانت تركيا ستصبح شريكًا طبيعيًّا في هذه المنظمة. لكن علاقة أنقرة بإسرائيل ومصر واليونان وقبرص متوترة للغاية بحيث لا يمكنها أن تكون عضوًا في هذا المنتدى.

عربي

منذ شهر
ضرب التقارب مع تركيا.. ما وراء مفاوضات ترسيم الحدود بين إسرائيل ولبنان

وشهدت الانتخابات الأخيرة في شمال قبرص فوز مرشح تدعمه أنقرة على رئيس معتدل شاغل حاليًا للمنصب، ويكاد يكون من المؤكد أن هذا الأمر سيزيد التوترات مع قبرص واليونان. وبدلًا من متابعة الحوار، نشرت تركيا قواتها البحرية لاختبار حدود الدول الأعضاء في منتدى غاز شرق المتوسط وإدخال جيرانها في دائرة من سياسة حافة الهاوية البحرية التي سوف تخيف المستثمرين الأجانب في نهاية المطاف. وخلال الصيف، ضاعفت الدول الأوروبية، مثل فرنسا وألمانيا، جهودها لمواجهة أنشطة تركيا، ولكن دون جدوى.

موقف متناقض للولايات المتحدة تجاه تركيا

يقول الكاتب: من جهة أخرى، تبنَّت إدارة ترامب موقفًا متناقضًا. فمن ناحية، دعت تركيا إلى التراجع لأنها انتهكت المجال البحري اليوناني. ومع ذلك، لم يقدم المسؤولون الأمريكيون أي عرض للوساطة بين الطرفين، ولم تكن هناك محاولة من جانب البيت الأبيض لعقد صفقة كبيرة بين تركيا والجهات الفاعلة الأخرى في المنطقة.

ويمكن أن نُعزِي تفسير هذا النهج الصامت جزئيًّا إلى الطبيعة المعقدة للعلاقات الأمريكية التركية – بحسب التقرير- ورغبة ترامب في الحفاظ على علاقة جيدة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ورغم أن تركيا عضو في الناتو إلا أن أفعالها تتعارض على نحو متزايد مع المصالح الأمريكية وعبر الأطلسية.

ومع ذلك، وعلى الرغم من إجماع خبراء السياسة الخارجية في واشنطن على ضرورة القيام بشيء ما ردًا على سلوك تركيا المُشاكِس، إلا أن الولايات المتحدة غير مستعدة أن تخسر مثل هذا الشريك المهم.

Embed from Getty Images

لكن الكاتب يرى أنه في ظل إدارة بايدن، سيكون المضمون الخطابي للعلاقات الأمريكية التركية مختلفًا. فقد أدلى نائب الرئيس السابق بعدة تصريحات قوية طوال حملته الانتخابية تناولت رسم خطوط حمراء مع تركيا، وعززت العلاقات الودية مع المجتمع اليوناني الأمريكي.

لكن التحديات الاستراتيجية التي تفرضها أنقرة لا تزال كما هي، وربما يكون من الصعب على بايدن استعادة النفوذ الأمريكي على تركيا بعد الخلل الوظيفي الذي اعتراها في سنوات أوباما وترامب. ويلفت الكاتب إلى أن جو بايدن يتمتع بخبرة طويلة في التعامل مع شرق البحر الأبيض المتوسط: شغل منصب عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ لمدة عقدين من الزمان، كما قاد بصفته نائبًا للرئيس جهود الوساطة غير الناجحة لإدارة أوباما في جزيرة قبرص المقسمة وشهد جهود المصالحة مع إسرائيل وتركيا.

ويتفهم بايدن مخاطر إشعار تركيا بأنها دولة غير مُرحَّب بها، ويتفهم بالقدر نفسه أيضًا مدى صعوبة تطوير نهج توافقي داخل منتدى الغاز تجاه أنقرة. وفي ضوء ذلك، سيحظى البيت الأبيض في إدارة بايدن بالقليل من الخيارات الجيدة، حتى لو أراد تمييز نهج سياسته عن نهج ترامب، بحسب الكاتب. وسيكون من المفاجئ بالتأكيد أن تعطي الإدارة الجديدة الأولوية لمواجهة دور تركيا «التخريبي»، بحسب الكاتب، في شرق البحر المتوسط ​​إذا كان ذلك يعني المخاطرة بالتعاون التركي (وإن كان ذلك أمرًا غير مرضٍ) في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، يمكن الشعور بتأثير رئاسة بايدن بطرق أخرى. فقد قدَّم بايدن نفسه باعتباره مرشحًا سيعيد التوازن لتحالفات أمريكا. وهذا يعني تمكين الدول الأوروبية الرائدة من حل خلافاتها وتطوير أهداف مشتركة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​لإعادة تأكيد المصالح عبر الأطلسية، وتقليل تأثير الجهات الفاعلة الخارجية – والتي لن تكون روسيا والصين آخرها. وربما يكون وجود صوت موحد عبر الأطلسي، تحت القيادة الأمريكية، قادرًا على وضع معايير جديدة في ليبيا التي مزقتها الحرب وحَسْم مشاكل الحدود البحرية بين تركيا واليونان وقبرص.

ويخلُص الكاتب إلى أنه من المؤكد أن إدارة بايدن ستكون نشطة في شرق البحر الأبيض المتوسط: فهذه المنطقة مهمة من الناحية الاستراتيجية للولايات المتحدة، لكن شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ضروري لأمن أوروبا، ومع تقليص الولايات المتحدة لتواجدها، يجب على حلفائها في أوروبا والمنطقة تعزيز جهودهم.

سؤال يحتاج إلى إجابة

ويطرح الكاتب تساؤلًا: ما علاقة كل هذا بإسرائيل؟ ويجيب موضحًا أنه بغض النظر عمن سيفوز في الثالث من نوفمبر، يعلم صانعو القرار الإسرائيليون أن الولايات المتحدة ستساعد في بعض المجالات المحدودة، مثل استغلال موارد الطاقة وبناء التعاون الإقليمي، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بإسرائيل. لكن أمريكا ستواصل الانسحاب من المنطقة.

Embed from Getty Images

وإذا لم تتمكن حتى رئاسة بايدن من تقديم دعم كبير على المدى الطويل، فإنه يجب على إسرائيل حماية مصالحها الخاصة وتعظيم أي مشاركة أمريكية تُعرض. ويجب أن تعزز علاقاتها مع الدول الأوروبية التي تستثمر في مستقبل شرق البحر الأبيض المتوسط، مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا.

ويجب أن تشجع على أن تتمتع الولايات المتحدة بوضع المراقب في منتدى غاز شرق المتوسط، وتوسِّع مشاريع البحث والتطوير الأمريكية الإسرائيلية لتشمل دول شرق البحر المتوسط ​​الأخرى، لتنويع المساعي التعاونية في المنطقة وتعظيم قدرة القوة الناعمة الأمريكية. وفي حالة عدم قيام الولايات المتحدة بدور محوري في نزع فتيل العداء بين تركيا والجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى، يجب على إسرائيل الحفاظ على خط اتصال مع أنقرة لضمان أن أي تصعيد في ساحتها الخلفية لن يصل إلى نقطة اللاعودة.

ويختتم الكاتب مقاله قائلًا إن الضغط من أجل دور أكبر لدول أوروبا وشرق البحر المتوسط ​​يمكن أن يخفف من انتقال إسرائيل من حقبة الهيمنة الأمريكية في المنطقة إلى حقبة جديدة من التعاون والحوار المحتمل الذي يمكن أن يخدم مصالحها الوطنية أيضًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد