صحيحٌ أن ثمة تكهنات تشير إلى احتمالية إبرام صفقة تجارية كبيرة بين الصين وإيران، تبلغ قيمتها 400 مليار دولار، إلا أن الباحث وانغ شيويه، المرشح للحصول على درجة الدكتوراة في التاريخ من جامعة برنستون الأمريكية، يرجح في تحليله المنشور على صفحات مجلة «فورين بوليسي» ألا تخوض بكين غمار المغامرة، وتخاطر بإمكانية تحسين علاقاتها مع واشنطن، بغية التقرُّب من طهران.

كيف ينظر المراقبون إلى الصفقة الصينية مع إيران؟

في يونيو (حزيران) 2020 سرَّب مصدر إيراني مسودة الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الصين وإيران إلى وسائل الإعلام. في هذه الصفقة المزعومة، التي تغطي ظاهريًا التعاون الثنائي في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية على مدى السنوات الـ25 المقبلة، تعهدت الصين باستثمار مبلغ يصل إلى 400 مليار دولار كحد أقصى لتحسين البنية التحتية للنفط والغاز والنقل في إيران.

سارع بعض المراقبين إلى الدفع بأن هذه الصفقة الرائدة لا تُظهر فقط مدى طموح الصين الذي لا يلين لإحراز النجاح على الصعيد العالمي، ولكنها تُظهر أيضًا فشل ما يُسمى بحملة الضغط الأقصى التي شنتها إدارة ترامب ضد إيران، والتي دفعت طهران، بدلًا عن ذلك، إلى فلك بكين.

وأشار مراقبون آخرون إلى أنه في حالة محاولة الرئيس المنتخب جو بايدن الانضمام إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA – الاتفاق النووي)»، فمن المحتمل أن يؤدي الاتفاق المحتمل بين الصين وإيران إلى تقوية موقف طهران التفاوضي أمام الولايات المتحدة.

ويتعامل هؤلاء المعلقون جميعًا مع الصفقة على أنها أمر واقع – كما لو كانت قد وُقِّعَت بالفعل – لكن كاتب التحليل يرى أنهم يبالغون في تقدير إرادة الصين وقدرتها على مساعدة إيران بما يمثل تحديًا للولايات المتحدة.

حقوق إنسان

منذ 4 أسابيع
مترجم: مصر والسعودية وتركيا وإيران أكثر الدول قمعًا للصحافيين في العالم 2020

إيران والسعودية والإمارات على خريطة التجارة الصينية

صحيح أن الصين كانت أكبر شريك تجاري لإيران منذ عام 2009، لكن إيران ظلت شريكًا ثانويًا للصين. حتى في الشرق الأوسط تتفوق المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على إيران في مجال التجارة مع الصين.

يستدل المقال على ذلك بتقديرات وزارة التجارة الصينية، والتي تفيد بأن التبادل التجاري بين الصين وإيران بلغ 51.85 مليار دولار، بما يعادل 1.2٪ من إجمالي التجارة الخارجية الصينية، وقد كان ذلك في ذروة التبادل التجاري بين البلدين في عام 2014، لكن هذه التقديرات انخفضت منذ ذلك الحين.

الإمارات وإيران - إيران الانتخابات الأمريكية


(Photo by Iranian Leader’s Press Office – Handout/Anadolu Agency/Getty Images)

في ذلك العام ذاته بلغت قيمة التبادل التجاري بين الصين والسعودية 69.15 مليار دولار، فيما بلغت قيمة التجارة بين الصين والإمارات 54.8 مليار دولار. في المقابل، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة في ذلك العام 555 مليار دولار، أو 12.9٪ من إجمالي التجارة الخارجية الصينية.

الحقائق الاقتصادية والجيوسياسية

من المنظور الجيوسياسي يرى التحليل أن مشاريع البنية التحتية المنصوص عليها في الصفقة المحتملة، مثل مينائَيْ جاسك وتشابهار، وكذلك مشروعات السكك الحديدية التي تربط آسيا الوسطى، إذا تحققت، فإنها ستوفر مزايا فريدة لإيران أكثر من فائدتها للصين.

استنادًا إلى هذه «الحقائق الاقتصادية والجيوسياسية»؛ يخلص الباحث إلى أن إيران لا تحتل مكانة لا يمكن الاستغناء عنها في الحسابات الإستراتيجية الصينية، ولكنها مجرد دولة إقليمية تحتاج بكين إلى إدارتها علاقتها معها داخل المنطقة.

وبينما يتعين أن تكون الصين عاملًا في الإستراتيجية الأمريكية الفعالة تجاه إيران، ينصح الباحث بأن الحكمة تقتضي عدم افتراض أن العلاقات بين بكين وطهران لها أهمية غير متناسبة.

في البدء كان اقتراحًا قدمه الرئيس الصيني في 2016

ولدت فكرة الصفقة الشاملة بين الصين وإيران في أوائل عام 2016 من رحم اقتراح قدمه الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارته الرسمية لإيران بعد تنفيذ «خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)».

وإدراكًا منه لدور الصين الفريد في التعامل مع إيران خلال الفترة الصعبة المثقلة بالعقوبات قبل الاتفاق النووي، كان شي يأمل في توسيع التعاون الصيني – الإيراني، وتوقع على ما يبدو أن تُمنَح المصالح التجارية الصينية نوعًا من المعاملة التفضيلية في إيران تحت رعاية خطة العمل الشاملة المشتركة.

وبالفعل بعد زيارة شي حطَّ العديد من الشركات الصينية الكبيرة الحجم رحالها في إيران، وكان يحدوها التفاؤل لاستكشاف فرص جديدة. في تلك الآونة، كان كاتب المقال يدرس اللغة الفارسية في طهران، ويجري بحثًا من أجل رسالته الجامعية حول التاريخ الإيراني الحديث. وبفضل ذلك تمكّن الباحث من الاختلاط والتفاعل مع العديد من رجال الأعمال الصينيين الذين يمثلون الشركات الكبرى المملوكة للدولة، مستعينًا بعلاقاته الاجتماعية، وهكذا أتيحت له الفرصة للاطلاع مباشرة على الديناميكيات التجارية بين البلدية.

أيهما يفضل الإيرانيون.. الغرب أم الصين؟

على الرغم من موجة التفاؤل الأوليّة، قوبلت المصالح التجارية الصينية بترحيب فاتر، ولو ترقَ المعاملة التفضيلية التي كانت الصين تأمل في الحصول عليها إلى مستوى التوقعات. وبعد فترة وجيزة من تنفيذ الاتفاق النووي، بدأت العديد من الشركات الأجنبية فجأة في استكشاف الأسواق الإيرانية.

الصين

الرئيس الصيني شي جين بينج

يلفت الكاتب إلى أن الإيرانيين لطالما كان لديهم تفضيل واضح لكل ما هو غربي. كما أنهم يميلون أيضًا إلى التحيز ضد المنتجات والخدمات الصينية، حتى عندما يكون بإمكانها المنافسة ضد نظيراتها الغربية من حيث ارتفاع الجودة وانخفاض السعر. لدرجة أن وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية اشتهرت بالتلميح إلى دونية السلع المصنوعة في الصين، والترويج لتحيزات ثقافية وسياسية أخرى تجاه الصين.

كما اشتكى رجال الأعمال الصينيون من أن شركاءهم الإيرانيين غالبًا ما يريدون المزيد من الاستثمارات الصينية، ولكنهم يريدون نسبة أقل من المنتجات والخدمات والتقنيات الصينية في المشاريع المشتركة، وهو ما يصيب رجال الأعمال الصينيين بالإحباط.

يرجِّح الباحث أن تفضيل إيران الشديد لعقد شراكات مع الشركات الغربية، كلما كان ذلك ممكنًا، يعود إلى دافعين أحدهما ثقافي والآخر إستراتيجي؛ فمن الآمن سياسيًا واقتصاديًا التعاون مع شركاء متعددين، بدلًا عن الاعتماد على شريك واحد حصريًا.

مستقبل التعاون الأمني والعسكري بين الصين وإيران

كما يشكك الباحث في الادعاء بأن الشراكة بين الصين وإيران ستشمل تعاونًا كبيرًا في المجال العسكري، وخاصة احتفاظ الصين بقاعدة عسكرية في جزيرة كيش الإيرانية. ففي مقابل الحذر الشعبي الإيراني من الوجود العسكري الأجنبي على أراضيها، حرصت الصين على عدم تقريب إيران أكثر من اللازم من مجالها الأمني.

وعلى الرغم من الدعم الروسي الذي تحظى به إيران مؤخرًا، لم تسمح بكين لطهران بنيل عضوية كاملة في «منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)»، ذلك التحالف الأمني والاقتصادي الأوراسي الذي تقوده الصين بفعالية، حتى بينما كانت إيران حريصة على الانضمام إليه منذ عام 2008.

ويرجح التحليل أن تستمر بكين في الحول دون حصول إيران على العضوية الكاملة في المنظمة خلال المستقبل المنظور؛ لأن مصلحة بكين تدور حول الحفاظ على توازن قوى بين الجهات الفاعلة الإقليمية داخل منطقة الشرق الأوسط، من خلال عدم الانحياز إلى أي طرف بوضوح.

كما أن الصين لا ترغب بوضوح في تحدي النظام الإقليمي الذي تتمتع فيه الولايات المتحدة بالكلمة الفصل من خلال دعم إيران في إطار تحالف أمني. لذلك كله، وبالنظر إلى موقع الصين المنعزل، يستبعد الباحث إقامة أي تعاون عسكري دائم ووثيق بين بكين وطهران.

حسن روحاني - التيار الإصلاحي في إيران - الحركة الإصلاحية

تسريب أنباء الصفقة.. مكاسب إيران وخسائر الصين

استنادًا إلى ما سبق تفصيله، يخلُص التحليل إلى أن الصفقة التجارية المحتملة هي في الغالب مناورة إيرانية على حساب الصين، ترقى إلى أن تكون حيلة علاقات عامة إيرانية. إذ تسعى طهران إلى تهدئة الاستياء المحلي من الوضع الاقتصادي القاتم الناجم عن سياسة «المقاومة القصوى» التي يتبناها النظام، من خلال التفاخر بأن الصين تدعم إيران. كما يسمح ذلك لإيران بالتباهي بما يسمى البديل الصيني، بالإضافة إلى تغذية اللغط الحاد الدائر في الولايات المتحدة حول فعالية حملة الضغط الأقصى التي تبنتها إدارة ترامب.

أما من وجهة نظر الصين، فيرى الباحث أن تسريب خبر الصفقة جاء في توقيت غير مناسب؛ بينما كانت بكين تحاول التخفيف من المخاوف الأمريكية تجاه صعود الصين وطموحاتها العالمية. وما يدل على ذلك أن الصين ظلت حتى الآن متحفظة بشأن الإفصاح عن الصفقة؛ إذ تدرك بكين أن الحفاظ على نموها الاقتصادي يتطلب التهدية مع الولايات المتحدة، وتجنُّب أي تصعيد مستقبلي للتوترات بين واشنطن وطهران.

لأجل ذلك كله، يرجّح التحليل ألا تقف الصين إلى جانب إيران في وجه الولايات المتحدة، لكن شريطة أن تختار واشنطن بعناية الأوراق التي ستلعب بها. ولا ينكر الباحث أن الصين ستظل تحديًا هائلًا في النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، لكنه ينصح بعدم المبالغة في تقدير مدى تصميم الصين وقدرتها على توفير «بديل اقتصادي» لإيران في مواجهة العقوبات الأمريكية.

دولي

منذ شهر
مترجم: كيف توقع الصين الدول في دبلوماسية «فخ الديون»؟

محددات السياسة الخارجية الصينية خلال السنوات المقبلة

هذا لا يعني ألا يكون هناك تعاون محدود بين إيران والصين، على غرار علاقات إيران مع القوى الآسيوية الأخرى مثل الهند. بيدَ أن الهدف الأسمى للسياسة الخارجية للصين خلال السنوات القادمة سيكون هو: إصلاح علاقاتها مع الولايات المتحدة. وأي اتفاق محتمل مع إيران سيكون خاضعًا لهذه الضرورة الأكبر.

والمناخ الأفضل بالنسبة لمصالح الصين من وجهة نظر الباحث يتمثل في: وجود حالة من التوتر الذي يمكن السيطرة عليه بين إيران والولايات المتحدة؛ وهذا يعني فرض عقوبات تكفي لإبعاد المنافسين الدوليين الرئيسيين، حتى تتمكن الشركات الصينية من الهيمنة على الأسواق الإيرانية، لكن دون وجود مستوى مبالغ فيه من العداء أو العقوبات القوية بما يكفي لوقف تدفق رأس المال.

ومع ذلك فحين يستشرف الباحث المستقبل انطلاقًا من معطيات الوضع الحالي، يرى أن الولايات المتحدة إذا قررت إشراك الصين في صياغة إستراتيجية أمريكية جديدة تجاه إيران، فقد تتخلى الصين عن إيران من خلال تأخير الصفقة الثنائية وإبقائها في إطار الاحتمالية بموازاة العمل على تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة.

ويختم الباحث تحليله بالتأكيد على أن الصين والولايات المتحدة هما القوتان العظميان على رقعة الشطرنج الجيوسياسية، وحتى إذا كانت إيران أكثر من مجرد بيدق، فإنها – من وجهة نظر بكين – يمكن الاستغناء عنها في النهاية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد