يقترح هنري فاريل وأبراهام نيومان في مقالٍ مشتركٍ لهما في مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، أن فيروس كورونا الجديد يشكِّل اختبارًا حيويًّا لنظام العولمة، الذي تعتمده الاقتصادات الكبرى في العالم، فمع تفاقم الأزمة وازدياد الطلب على بعض المنتجات الطبية الحيوية، والحدّ من السفر بين البلدان، تنهار سلاسل الإمداد الحساسة، تاركةً وراءها قطاعاتٍ اقتصادية معرضة للخطر.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
لن ينجو أحد.. سنوات عِجاف تنتظر الاقتصاد العالمي بعد «كورونا»

نظام غير مستعدٍّ للأزمات

تتقدم أزمة فيروس كورونا المستجد وتداعياتها لتشكِّل اختبارًا هائلًا لطريقة عمل العولمة، تتجه سلاسل التوريد الأساسية للانهيار، وتعتمد الدول على تخزين إمداداتها الطبية، وتطبيق الحجر على السفر، وتتضافر التحدِّيات والتفاصيل المتعلقة إلى درجةٍ تفرض فيها الأزمة حالة إعادة تقييم حاسمة للاقتصاد الدولي المتداخل دوليًّا.

لم توفّر العولمة بيئةً خصبة لانتشار الأمراض المعدية فحسب، بل إنها أيضًا عززت الترابط العميق بين الشركات والدول؛ ما يجعلها بالنتيجة أقل مناعةً أمام الصدمات التي لم تكن تُوضع بالحسبان. تكتشف الآن الشركات والدول على حدٍّ سواء، مدى تأثرها وعرضتها للمخاطر.

لكن – يستخلص المقال – ليس الدرس من أزمة الفيروس التاجي الجديد هو فشل العولمة، بل هشاشتها برغمِ – أو حتى بسبب – فوائدها. على مدى عقود، جاهدت الشركات الفردية بلا كللٍ للتخلص من الفائض، وهو ما ولَّد ثرواتٍ مادية لم يسبق لها نظير، لكن الجهود نفسها تلك قلَّلت من حجم الموارد غير المستخدمة في الاقتصاد العالمي ككل – أو ما يسمّيه الاقتصاديون بالركود – تعد الشركات الركود في الأوقات العادية مقياسًا للقدرة الإنتاجية غير المستغلَّة أو حتى المُهدرة، لكن ضآلة الركود تُبقي النظام الأوسع هشًّا في أوقات الأزمات، وخاليًا من آليات الأمان والضمانات البديلة الضرورية.

يحذِّر المقال من أن الافتقار للضمانات البديلة في مجال التصنيع، يحتمل التسبب في انهيار سلاسل التوريد، كما حدث في بعض القطاعات الطبية والصحية نتيجة للفيروس التاجي المستجد. لقد وجد منتجو الإمدادات الطبية الحيوية أنفسهم أمام فيضٍ هائلٍ من ارتفاع الطلب العالمي، ما أدّى إلى تأليب الدول بعضها على بعض في تنافسهم على الموارد. تشكل النتيجة الآن تحولًا في ديناميكيات القوة بين اقتصادات العالم الرئيسية، في موقفٍ أصبحت فيه الدول المستعدة جيدًا لمكافحة الفيروس الجديد أمام خيار اكتناز الموارد لأنفسهم، أو مشاركتها مع الدول غير المستعدة، وبالتالي توسيع نفوذها على المسرح العالمي بالنتيجة.

Embed from Getty Images

كفاءةٌ هشة

يُعتقد في التصور التقليدي أن العولمة أوجدت سوقًا دوليًّا مزدهرًا، ما سمح للمصنعين ببناء سلاسل توريد مرنة عبر استبدال المزوِّدين أو المواد بغيرها عند الحاجة. تحول كتاب آدم سميث «ثروة الأمم» إلى «ثروة العالم»؛ باستغلال الشركات للتقسيم العالمي للعمل، وأنتج التخصص كفاءةً أكبر؛ ما أعطى بدورِه دفعة أكبر للنمو.

لكن العولمة أوجدت أيضًا نظامًا معقدًا من الاعتماد المتبادل ما بين مختلف الدول والشركات. احتضنت الشركات مثلًا سلاسل التوريد العالمية، ما ترتّب عليه ظهور شبكة متشابكة من شبكات الإنتاج، التي نسجت عرى الاقتصاد العالمي سوية. يمكن الآن تصنيع مكوناتِ منتجٍ معين في عشرات البلدان. توجَّه العالم نحو التخصص، وهو ما يجعل الاستبدل صعبًا أحيانًا، خاصةً للمهارات أو المنتجات غير المعتادة.

إذن، يستنتج المقال أن الإنتاج بات عالميًّا، لكن الدول غدت أكثر اعتمادًا بعضها على بعض، فلم يعد باستطاعةِ دولة وحدها أن تضبط جميع السلع والمكونات التي يحتاجها اقتصادها. في النهاية، دُمجت الاقتصادات الوطنية سويّة ضمن شبكةٍ عالمية واسعة من الموردين.

تكشف جائحة فيروس كورونا المستجد هشاشة هذا النظام المعولم: يمكن لبعض القطاعات الاقتصادية – خاصة القطاعات المتضمنة لفائضٍ كبير، والتي ينتشر الإنتاج فيها عبر بلدانٍ متعددة – التغلب على الأزمة تغلبًا جيدًا نسبيًّا، ولكن بعض القطاعات الأخرى قد تُدفع حتى حافة الانهيار في حال تأثّر أحد الموردِّين بالوباء، ولا سيما إذا كان هذا المورِّد مسؤول عن إنتاج مكوِّن أساسي وواسع الاستخدام.

ويذكر المقال مثالًا على ذلك: يخشى مصنِّعو السيارات في جميع أنحاء أوروبا الغربية من نقص الأدوات الإلكترونية الصغيرة؛ لأن هنالك مورِّدًا واحدًا – شركة تصنيع  MTA Advanced Automotive Solutions – اضطر إلى تعليق الإنتاج في أحد مصانعه في إيطاليا.

تكشف جائحة كورونا هشاشة النظام المعولم، ونجد قطاعاتٍ اقتصادية عُرضة للدفع حتى حافة الانهيار بتأثرِ واحدٍ من مورِّديها لعنصرٍ أساسي في إحدى البلدان.

ربما كانت الشركات لتُخبِّئ مخزونًا من الإمدادات للحظات العصيبة المماثلة في عصرٍ سابق، لكن في عصر العولمة هذا تتبع أغلب الشركات منهج الرئيس التنفيذي لشركة «آبل»، تيم كوك، والذي تشتهر عنه مقولة «التخزين شرٌّ بصورة جوهرية». تبتعد الشركات عن الدفع لمستودعاتِ التخزين للمكونات التي تحتاجها لتصنيع منتجٍ معين، وتستبدل ذلك بسلاسل التوريد «الآني» القائمة على فكرة توريد المواد أولًا بأول.

لكن في أوقات الأوبئة العالمية، يصبح الوقت «الآني» وقتًا متأخرًا ببساطة. الآن وبسبب مشكلات سلاسل التوريد جزئيًّا، انخفض الإنتاج العالمي للحواسيب المحمولة بنسبة تصل إلى 50% في شهر فبراير (شباط)، ويحتمل انخفاض إنتاج الهواتف الذكية بنسبة 12% في الربع القادم. يعتمد كلا المنتجين السابقين على مكوِّنات تنتجها وتوردها شركات آسيوية متخصصة.

Embed from Getty Images

أوجه قصورٍ حرجة

تعرقل مآزق الإنتاج المماثلة لما ورد عن تصنيع الإلكترونيات سابقًا مكافحة الفيروس التاجي الجديد. الإمدادات الطبية الأساسية، مثل الكواشف تنفد أو تشحّ في مخازن العديد من البلدان، وهي مكون رئيسي بالطبع لعدد الاختبارات المستخدمة في المخابر للكشف عن الحمض النووي الريبي الفيروسي (RNA).

يفسِّر المقال ذلك بوجود شركتين مهيمنتين على إنتاج الكواشف الضرورية: شركة كياجن الهولندية المُشتراة مؤخرًا من قبل شركة ثيرمو فيشر ساينتيفيك الأمريكية العملاقة، ومختبرات روش ومقرها سويسرا. لم تستطع كلتا الشركتين مواكبة زيادة الطلب غير العادية على منتجاتهما. هذا النقص أخَّر إنتاج أدوات الاختبار في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تجد نفسها مضطرة للوقوف في طابورٍ وراء دولٍ أخرى لشراء ما تحتاج من مواد كيمائية.

تتجه بعض الحكومات للاستسلام لأسوأ غرائزها مع تفشّي الفيروس الجديد، وحتى قبل ذلك استلم المصنّعون الصينيون على عاتقهم إنتاج نصف الأقنعة الطبية في العالم. كثَّف هؤلاء المصنعون الإنتاج مع بدء الأزمة، لكن الحكومة الصينية كانت قد اشترت بالفعل كامل ما في حوزة البلاد من أقنعة، مع استيرادها بالوقت نفسه كميات كبيرة من الكمامات وأقنعة التنفس من الخارج. كانت الصين بحاجة إليهم لا ريب، لكن فورة الشراء هذه تسببت بأزمةٍ في الإمدادات أعاقت استجابة الدول الأخرى للمرض.

تتجه بعض الحكومات للاستسلام لأسوأ غرائزها مع تفشّي الفيروس الجديد، وهو ما يهدّد بتفاقم الأزمة، وخنق سلاسل التوريد العالمية المتخصصة بالإمدادات الطبية العاجلة.

لم تتصرف الدول الأوروبية بشكلٍ أفضل. حظرت روسيا وتركيا مثلًا تصدير الكمامات وأقنعة التنفس. فعلت ألمانيا الشيء نفسه، بالرغم من عضويتها في الاتحاد الأوروبي، والذي يفترض وجود «سوقٍ واحدة» بتجارةٍ حرة غير مقيدة بين الدول الأعضاء فيه. اتخذت الحكومة الفرنسية الخطوة الأبسط المتمثلة في مصادرة جميع المتاح من الأقنعة. اشتكى مسؤولو الاتحاد الأوروبي من تقويض مثل هذه الإجراءات للتضامن اللازم، ومنعها الاتحاد الأوروبي من اعتمادِ نهجٍ مشترك لمكافحة أزمة الفيروس الجديد، ولكنهم قوبلوا بالتجاهل ببساطة.

تهدد هذه الديناميكيات والإجراءات بالتسبب في تفاقم الأزمة مع الزمن، وخنقِ سلاسل التوريد العالمية المتخصصة بالإمدادات الطبية العاجلة. يزداد الأمر سوءًا في حالة الولايات المتحدة؛ لتأخرها في تبني استجابةٍ متماسكة للجائحة وافتقارها أساسًا للعديد من الإمدادات المتوقع احتياجها. تمتلك الولايات المتحدة مخزونًا وطنيًّا من الأقنعة، لكنه لم يُجدّد من عام 2009، ولا يشكل إلا جزءًا صغيرًا من العدد المنتظَر طلبه.

استخدم المستشار التجاري للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بيتر نافارو هذا النقص وغيره، ذريعة غير مفاجئة لتهديد الحلفاء، وتبرير الانسحاب الإضافي من التجارة العالمية، قائلًا إن الولايات المتحدة ستكون بحاجةٍ إلى «إعادة قدراتها التصنيعية وسلاسل التوريد للأدوية الأساسية». ونتيجة لذلك، يُقال إن ألمانيا تشعر بالقلق من احتمالية اتخاذ إدارة ترامب خطوة هجومية لشراءٍ كاملٍ للقاح جديد قيد التطوير من قبل شركةٍ ألمانية؛ بغية استخدامه في الولايات المتحدة. تدرس برلين الآن ما إذا كانت ستقدِّم عرض شراءٍ للقاح يواجه العرض الأمريكي، أو حظر الصفقة الأمريكية من الأساس.

التأثير الفيروسي

لئن كانت إدارة ترامب لجأت للتذرّع بالوباء للانسحاب من التكامل العالمي، تستخدم الصين الأزمة لإظهار استعداديتها للقيادة. كانت الصين الدولة الأولى المُبتلاة بالفيروس التاجي الجديد؛ ولذا خاضت معاناة كبيرة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، لكنها بدأت بالتعافي الآن، تمامًا مع انجراف باقي العالم نحو المرض.

يطرح ذلك مشكلةً على المصنِّعين الصينيين، ممن عادوا للعمل مجددًا، ولكنهم يتلقون طلبًا ضعيفًا من البلدان المتأزمة، ومع ذلك يمنح هذا الصين نافذة زمنية قصيرة، لكن هائلة للتأثير في سلوك الدول الأخرى. لا ريب أن بكين أخذت حصَّتها من الأخطاء المبكرة التي قد تكلف حياة الآلاف من الناس، ولكنها تعلمت محاربة الفيروس الجديد، وبات لديها مخزونها من المعدَّات اللازمة، وهي كما يصفها المقال «أصول قيِّمة عرفت بكين كيف توزّعها بمهارة».

في أوائل شهر مارس (آذار)، دعت إيطاليا دول الاتحاد الأوروبي الأخرى إلى توفير معدات طبية طارئة؛ إذ أجبر النقص الحاد طواقمها الطبية على اتخاذ قرارات مفجعة فيما يخص حياة المرضى، ومن يمكن إنقاذه منهم أو تركه ليموت. لم تستجب أيٌّ من الدول الأوربية لنداء إيطاليا، ولكن الصين فعلت بعرضها بيع أجهزة التنفس الصناعي والكمامات، والبدلات الواقية، والمسحات. ويستشهد المقال برأي الخبيرين الصينيين راش دوشي، وجوليان جيويرتز بأن بكين تسعى لتصوير نفسها رائدةً للكفاح العالمي ضد الفيروس التاجي الجديد؛ للترويج عن النوايا الحسنة وتعزيز نفوذها.

يرى المقال أن هذا أمر محرج لإدارة ترامب، التي اتسمت استجابتها لأزمة الفيروس الجديد بالبطء (تعتقد الإدارة أن حظر السفر من أوروبا أفضل دفاع ضد مرضٍ ينتشر بسرعةٍ كبيرة على أراضي الولايات المتحدة بالفعل). تعمل الولايات المتحدة مزودًا عالميًّا للسلع العامة، لكن ما عدا ذلك تملك موارد قليلة للغاية مما يمكن تقديمه للدول الأخرى. وما يزيد الطين بلة، قد تجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها قريبًا تتلقى إغاثة خيرية من الصين؛ إذ عرض الملياردير والشريك المؤسس لمجموعة علي بابا جاك ما التبرع بنصف مليون أداة اختبار، ومليون كِمامة طبية.

Embed from Getty Images

الجغرافيا السياسية الجديدة للعولمة

في الوقت الذي يكافح فيه صانعو السياسات حول العالم للتعامل مع أزمة الفيروس التاجي الجديد وعواقبها، سيتعيَّن عليهم مواجهة إدراكِ اختلاف طريقة عمل الاقتصاد العالمي عما كانوا يظنونه. تتطلب العولمة تخصيصًا متزايدًا للعمالة عبر البلدان، وهو نموذج يخلق كفاءات استثنائية، لكنه يخلق نقاط ضعفٍ غير عادية أيضًا، وفقًا للمقال.

تكشف الصدمات العالمية – مثل جائحة كورونا – عن نقاط الضعف المماثلة. تأتي الهشاشة التي لم تُوضع في الحسبان من قبل، من الاعتماد على مصدرٍ واحد في التزود بالخدمات أو مناطق متخصصة بمنتجٍ ما، وهو ما يظهر جليًّا في لحظات الأزمات مؤديًا لانهيار سلاسل التوريد. ويقول المقال إن الأشهر المقبلة ستكشف عن المزيد من نقاط الضعف المشابهة.

قد تكون النتيجة تحولًا في السياسة العالمية. قد تقرّر بعض البلدان حظر الصادرات أو الاستيلاء على الإمدادات الحيوية حين ترى صحة وسلامة مواطنيها على المحكّ، وإن كان ذلك على حساب الإضرار بحلفائها وجيرانها. ويشير المقال إلى أن هذا التراجع عن العولمة سيجعل السخاء أداة نفوذ أشد قوة، لمن يستطيع استخدامها من الدول. حتى الآن، لم تقدم الولايات المتحدة لريادة الاستجابة العالمية للفيروس التاجي الجديد، وقد تنازلت عن بعضٍ من هذا الدور للصين على أقل تقدير. يعيد هذا الفيروس تشكيل الجغرافيا السياسية للعولمة، لكن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتكيف حتى الآن مع الواقع الجديد.

صحة

منذ أسبوع
مترجم: 7 أخطاء وقعت فيها أمريكا في استراتيجيتها لمواجهة كورونا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد