نشر موقع «نيويورك تايمز» الأمريكي مقالًا لعالم الاقتصاد نيكولاس جريجوري مانكيو، الذي يشغل كرسي أستاذية روبيرت إم بيرين بجامعة هارفارد، تحدث فيه عن أثر الاقتصاد في الناخبين الأمريكيين الذين يصوتون عادة وفقًا لحالتهم الاقتصادية، ويميلون لمنح الرئيس الفضل أو يلومونه على أشياء يؤكد الاقتصاديون أنها خارج نطاق سيطرته.

العالم والاقتصاد

منذ 3 شهور
«بروكنجز»: كيف أصبح الاقتصاد الأمريكي ممزقًا بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي؟

استهل مانكيو مقاله بالقول: «في العام الماضي، كنت أتناول الطعام مع زميل خبير في الاقتصاد، حين أسرَّ لي برغبته قائلًا: آمل أن يبدأ الكساد القادم قريبًا! وعندما سألته عن السبب، أجاب: لأنه إذا لم يحدث ذلك، سيبقى ترامب في البيت الأبيض لمدة أربع سنوات أخرى».

يعلّق الكاتب: كانت وجهة نظر معقولة. فكثير من الناس يشيدون بالرئيس أو يلومونه تبعًا لحالة الاقتصاد في البلاد. على سبيل المثال، عندما سألت واحدة من أفراد عائلتي: لماذا ما زالت تؤيد ترامب؟ وما الذي يعجبها فيما فعله؟ أجابت: لأن الأداء الاقتصادي ممتاز. قلت: نعم، ولكن ما الذي يعجبك فيما يفعله ترامب؟ نظرت إليّ نظرة ساخرة وقالت: منحنا اقتصادًا قويًّا!

يقول مانكيو: «تركت المسألة حينها، فالتجمعات العائلية ليست مكانًا مناسبًا لممارسة دور الأستاذ المحاضر، لكن هناك ثلاثة دروس يجب على السياسيين والناخبين أخذها في الاعتبار خلال موسم الانتخابات الحالي:

الدرس الأول: الاقتصاد حقًّا بحالة جيدة  

يتابع عالم الاقتصاد: كانت قريبتي على حق. فعلى الرغم من تراجع سوق الأسهم في الأسبوعين الأخيرين، فإن الاقتصاد الأمريكي يبلي بلاءً حسنًا. والتوسع الحالي مستمر منذ 28 شهرًا، وهو الأطول على الإطلاق. ومعدلات التوظيف قوية: 80.6% من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 25– 54 عامًا يعملون، وهو أعلى معدل منذ يونيو (حزيران) 2001.

Embed from Getty Images

الرواتب جيدة أيضًا. وأحد المقاييس الجيدة لحساب معدل الرواتب الحقيقية هو حساب متوسط أجر الساعة لعمال الإنتاج، والموظفين الذين لا يعملون في مهام إشرافية (أي: غير أرباب العمل)، مع تعديلها وفقًا للتضخم باستخدام مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي.

وفقًا لهذا المقياس، ارتفعت نسبة الأجور الحقيقية بـ4% خلال الثلاث سنوات الأخيرة؛ الأمر الذي يجعلها الأعلى على الإطلاق.

من المؤكد أن التفاوت في الدخل ما يزال مرتفعًا، وهي ظاهرة بدأت تتكشف منذ عدة عقود. تحرِّك هذه الحقيقة منافسي ترامب، وأبرزهم السيناتور بيرني ساندرز، الذي كثيرًا ما يهاجم المليونيرات والمليارديرات.

يشير الكاتب إلى أن الكثير من الناس يتأثرون بوضعهم الاقتصادي الخاص أكثر من مقارنة أنفسهم بالأغنياء. ويضرب مثلًا بالكساد الكبير؛ حين انخفضت حصة الدخل لنسبة الـ«1% الأكثر ثراءً» – بما فيها مكاسب رأس المال – من 24% عام 1928 إلى 16% عام 1932. ربما تكون هذه الخطوة نحو تحقيق قدر أكبر من المساواة قد جعلت البعض يشعر بتحسن، لكن ذلك لم يفعل الكثير للتخفيف من الصعوبات التي نجمت من ارتفاع معدلات البطالة.

وعلى العكس من ذلك، في حين كانت المكاسب التي تحققت في سوق الأسهم خلال السنوات القليلة الماضية، قد تراكمت أساسًا لدى الأثرياء، فإنها لا تقوِّض التحسن الأخير الذي طرأ على مشهد وظائف وأجور الطبقة العاملة من الأمريكيين.

الدرس الثاني: للاقتصاد تأثير قوي في النتائج الانتخابية

يكمل الكاتب: وصديقي خبير الاقتصاد كان محقًّا أيضًا؛ إذ تؤثر حالة الاقتصاد تأثيرًا عميقًا في الناخبين. وحين درس خبير الاقتصاد بجامعة يال، راي فير، هذه الحالة، وجد أن عددًا صغيرًا من المتغيرات الاقتصادية، مثل: النمو والتضخم، وعدد صغير من المتغيرات السياسية، مثل: مدة الولاية؛ هي مؤشرات جيدة للتنبؤ بنتيجة الانتخابات.

ووفقًا لآخر توقعات السيد فير، والتي تعود إلى نهاية شهر يناير (كانون الثاني)، سيحصل ترامب على 54.4% في الانتخابات الحزبية في نوفمبر (تشرين الثاني)، ما يرجح بشكل كافٍ فوزه في المعركة الانتخابية المقبلة.

وتماشيًا مع هذه التوقعات، وبناءً على استطلاعات الرأي الأخيرة، أيّد 55.7% من الناخبين تعامل ترامب في الملف الاقتصادي.  لكن فوز ترامب ليس حتميًّا – كما يقول الكاتب – لسبب واحد، هو: أن الاقتصاد ما يزال يواجه خطر التراجع، مغيرًا التوقعات التي بنيت عليها معادلة السيد فير. هذه النتيجة ممكنة لكنها مستبعدة. أو قد تفوت معادلة السيد فير هذه الحالة، فهي لا تتنبأ تنبؤًا مثاليًّا بالتأكيد؛ فقد لا تنطبق على ترامب نماذج التنبؤ بالانتخابات، مثلما هو حاله في أشياء أخرى كثيرة.

Embed from Getty Images

الدرس الثالث: صعوبة التحديد الدقيق للمسؤولية عن الظروف الاقتصادية

يضيف الكاتب: ربما يكون الخلاف الرئيسي بين قريبتي وزميلي هو: سبب ازدهار الاقتصاد. ويبدو أن معادلة السيد فير تشير إلى أن معظم الناخبين يعزون تقلبات الاقتصاد صعودًا وهبوطًا إلى الشخص الذي يشغل منصب الرئاسة في الوقت الحالي.

ولكن معظم الاقتصاديين يشككون في إمكانية الحكم على الرئيس بهذه البساطة. فهل نحن نشهد طفرة أحدثها ترامب أم استمرارًا للانتعاش الذي بدأ في عهد الرئيس أوباما؟ الإجابة الصحيحة هي جزء من كليهما، وجزء لا علاقة له بأيهما. فالعديد من التطورات الاقتصادية خارجة عن سيطرة أي سياسي.

يشدد بعض الاقتصاديين على التغيير التكنولوجي كقوة دافعة لدورة العمل. وينظر آخرون إلى الموجات غير العقلانية من الارتفاع والانخفاض في الاقتصاد. فتأثير فيروس كورونا في الاقتصاد في جميع أنحاء العالم، إنما هو تذكير حي على أن الصدمات قد يصعب على السياسيين توقعها وحلها.

يتابع الكاتب: معظم الاقتصاديين الذين أعرفهم يحكمون على الرؤساء بناءً على تصرفاتهم، وليس على النتائج التي تحدث تحت حكمهم. ومن هذا المنظور، فإن سجل ترامب مختلط في أحسن الأحوال. فأنا أنسب إليه الفضل في خفض معدل الضريبة على الشركات من 35% إلى 21%؛ ما جعل هذا المعدل متماشيًا مع المتوسط في أوروبا. ولكن نزاعه المعتاد مع الاحتياطي الفيدرالي وشركاء أمريكا التجاريين، وكذلك قلة اهتمامه بالتغير المناخي والديون الحكومية المتفجرة؛ أمر يصعب تبريره.

يختم الكاتب مقاله بالقول: «إذا أمكن إقناع الناخبين بالتركيز على الآثار طويلة المدى لأفعال ترامب؛ فسيكون لدى المرشح الديمقراطي النهائي فرصة للفوز في الانتخابات. بخلاف ذلك، وما لم يتعثر الاقتصاد حقًا؛ فسيكون الفوز في السباق من نصيب ترامب على الأرجح».

العالم والاقتصاد

منذ شهر
«نيويورك تايمز»: كيف يؤثر فيروس كورونا على صناعة النفط الأمريكية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد