نشرت مجلة «فورين أفيرز» مقالًا للباحث الأمريكي إيلان جولدنبرج، يستعرض فيه خيارات إيران لمواجهة الولايات المتحدة، بعد اغتيال قاسم سليماني، الذي «لم يكن مجرد قائد مخابراتي وحسب، بل أحد أكثر الشخصيات نفوذًا وشعبية في الجمهورية الإسلامية وأحد ألد أعداء الولايات المتحدة الأمريكية»، بحسب جولدنبرج.

يشير الكاتب في بداية المقال إلى أهمية دور سليماني في قيادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي الإيراني.

بحكم منصبه، أدار سليماني ملف تسليح الميليشات الشيعية في العراق وتدريبها، وكان مسؤولًا عن مقتل حوالي 600 جندي أمريكي في الفترة من 2003 إلى 2011، مما منحه دور الممول الرئيسي للنفوذ السياسي الإيراني في الداخل العراقي بعد ذلك، ودورًا أكبر في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، إلى جانب توليه الملف السوري ودعم الرئيس السوري «بشار الأسد»، عن طريق نشر ما يقدر بنحو 50 ألف جندي من مقاتلي الميليشات الشيعية في سوريا.

لقد كان الرجل المهم في علاقة إيران بحزب الله في لبنان، فساعد في تزويد الحزب بالصواريخ لتهديد إسرائيل، وفي الملف اليمني قاد استراتيجية إيران لتسليح الحوثيين في اليمن.

ولكل هذه الأسباب وأكثر، كان سليماني «بطلًا يستحق الإشادة في إيران وفي جميع أنحاء المنطقة. باختصار، اتخذت الولايات المتحدة الخطوة التصعيدية الأخطر للغاية باغتيال أحد أهم الرجال في الشرق الأوسط وأقواهم»، بحسب جولدنبرج.

تكنولوجيا

منذ 6 شهور
 «واشنطن بوست»: على أمريكا أن تخشى هجمات إيران الإلكترونية بعد اغتيال سليماني

نتيجة أفعال إدارة ترامب

تقول إدارة الرئيس الأمريكي ترامب إن سليماني كان إرهابيًّا، وإن اغتياله كان عملًا وقائيًّا دفاعيًّا لوقف هجوم وشيك. ويرى الكاتب أنه سواء صدقت الإدارة أم كذبت، لم تكن واشنطن ستضطر للتعامل مع قتل سليماني إلا نتيجة للسياسات الطائشة التى اتبعتها إدارة ترامب منذ توليه الحكم.

Embed from Getty Images

ففي مايو 2018، ترك ترامب الاتفاق النووي الإيراني واعتمد سياسة «الضغط الأقصى» للعقوبات الاقتصادية على إيران ولمدة عام، وكانت السياسة المقابلة من إيران هي ضبط النفس، في محاولة لعزل الولايات المتحدة دبلوماسيًّا وكسب التنازلات الاقتصادية من الأطراف الأخرى في الاتفاق النووي.

إلا أن نهج ضبط النفس هذا فشل في جلب الفوائد المادية، فبحلول مايو (أيار) 2019 اختارت طهران بدلًا من ذلك خرق الاتفاقية وتصعيد التوترات في جميع أنحاء المنطقة، فهاجمت الميليشيات الإيرانية الشحن الدولي في مايو ويونيو (حزيران)، وأسقطت طائرة بدون طيار للولايات المتحدة، مما أدى إلى نشوء صراع مفتوح مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي سبتمبر (أيلول) أصابت الصواريخ الإيرانية منشأة بقيق في المملكة العربية السعودية – التي يمكن القول إنها أهم جزء من البنية التحتية النفطية في العالم، وتبعها إطلاق الميليشيات الشيعية الصواريخ على الولايات المتحدة والقواعد الأمريكية بالعراق، انتهاء بوفاة المقاول الأمريكي منذ أسبوع مضى، أفضى إلى انتقام الولايات المتحدة في نهاية المطاف باغتيال سيلماني.

سيناريوهات الرد الإيراني

«السؤال الأهم هو: كيف سترد إيران؟»، بحسب الكاتب، فسلوك الجمهورية الإسلامية خلال الأشهر القليلة الماضية، وعلى مدار تاريخها، يشير إلى أنها قد لا تتسرع في الانتقام، وبدلًا من ذلك ستختار مقاربة فعالة بعناية وصبر، محاولة تجنب الدخول في حرب شاملة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ومع ذلك، فإن أحداث الأيام الأخيرة تثبت أن خطر سوء التقدير مرتفع بشكل لا يصدق، فلم يكن سليماني ذات نفسه يعتقد أن تظل القوات العراقية من جانبه على مرمى حجر من الولايات المتحدة، أو أن ترامب مهتم بعدم بدء حرب جديدة في الشرق الأوسط، وبالرغم من ذلك فإن الأحداث أودت إلى حافة الهاوية.

الرد من حيث قتل سليماني

يرى الكاتب أنه يجب على الولايات المتحدة أن تتوقع – على أقل تقدير – دخولها  في صراع مع الميليشيات الشيعية في العراق، والتي تستهدفها بشكل رئيسي من قوات ودبلوماسيين ومدنيين، وباعتبار أن العراق مسرح للاضطرابات فهو أكثر مكان عقلاني للرد الفوري، بجانب تصعيد مجموعات الميلشيات أنشطتها بالفعل خلال الأشهر الستة الماضية، والذين من بينهم وكلاء إيران الأكثر استجابة مما كان لديهم دافع كبير، خاصة مع اغتيال «أبي مهدي المهندس» أحد كبار قادتهم في الغارة مع سليماني.

الوضع الأمني – الذي أصبح معقدًا بالتأكيد – ليس المشكلة الوحيدة.

ويبقى الوجود الأمريكي في العراق مسألة مفتوحة، لكن الوضع الأمني – الذي أصبح معقدًا بالتأكيد – ليس المشكلة الوحيدة؛ فقد شكل الاغتيال انتهاكًا شديدًا للسيادة العراقية، بإجرائه من جانب واحد دون موافقة الحكومة العراقية، مما يضع المسؤولين العراقيين تحت ضغط سياسي هائل لإخراج الولايات المتحدة وإيران.

يقول جولدنبرج: «العديد من العراقيين لا يحبون إيران أو أمريكا. يريد العراقيون فقط إعادة بلادهم لأنفسهم، ويخشون أن يوضعوا في وسط المواجهة الأمريكية الإيرانية، وقد يتحول الوضع الحالي إلى أسوأ السيناريوهات المحتملة لهؤلاء المواطنين».

لكن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من العراق بشكل فوضوي قد يشكل مخاطر حقيقية، كما يوضح جولدنبرج. تبقى مواجهة «داعش» مصدر قلق دائم، وإذا أُجبرت أمريكا على مغادرة العراق فإن هذا الجهد قد يتعرض لانتكاسة خطيرة، إذ تظل «داعش» موجودة تحت الأرض، وقد تستغل فوضى الانسحاب الأمريكي أو الصراع الإيراني الأمريكي لتحسين موقعها في العراق.

تداعيات الاغتيال وحتمية الرد

يوضح الكاتب أن تداعيات الاغتيال لن تقتصر بالضرورة على العراق؛ فهناك حزب الله اللبناني الذي يتمتع بعلاقة وثيقة مع إيران، ومن المرجح أن يستجيب للمطالب الإيرانية ومهاجمة الأهداف الأمريكية في لبنان.

حتى إذا قررت إيران تجنب تصعيد كبير في لبنان، فإن عملاء حزب الله منتشرون في أنحاء الشرق الأوسط، ويمكنهم مهاجمة الولايات المتحدة الأمريكية في أماكن أخرى في المنطقة.

جنازة قاسم سليماني

بدلًا من ذلك، يضيف جولدنبرج، قد يختار حزب الله شن هجمات صاروخية على الأراضي الإسرائيلية، على الرغم من أنه الرد الأقل احتمالية، فحزب الله يتجنب الحرب الشاملة مع إسرائيل، والتي من شأنها أن تعصف بالداخل اللبناني وتدمره.

وقد أدركت إدارة ترامب أن تبنيها اغتيال سليماني علانية سيؤدي إلى توجيه ضربة انتقامية للولايات المتحدة مباشرة.

وينتقل جولدنبرج لسيناريو آخر، إذ يمكن لإيران أن تشن ضربات صاروخية ضد أمريكا في قواعدها بالسعودية والإمارات، أو ضد منشآتها النفطية في الخليج، مثلما حدث في الضربات الصاروخية الإيرانية على منشأة بقيق النفطية في سبتمبر الماضي، والتي فاجأت الولايات المتحدة وبقية العالم.

وعلى الرغم من محاولات إيران الإبقاء على الهجوم محدودًا ورمزيًّا في المناخ الحالي، فإنها يمكن أن تختار أن تصبح أكثر عدوانية، لأنها كانت ناجحة للغاية في إنزال الضربات مع تجنب الانتقام خلال الأشهر الستة الماضية من خلال الضربات الصاروخية.

تسريع البرنامج النووي الإيراني

يرى الكاتب أنه يجب أيضًا توقع تسريع طهران لبرنامجها النووي بشكل كبير، فمنذ أن غادرت إدارة ترامب الاتفاق النووي الإيراني في مايو 2018، كانت إيران مقيدة تمامًا في ردها النووي.

هددت إيران مؤخرًا بالذهاب إلى أبعد من ذلك عن طريق الابتعاد عن معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية أو طرد المفتشين.

بعد عام من بقائها في الصفقة، في مايو 2019، بدأت إيران في انتهاك الاتفاقية تدريجيًّا من خلال اتخاذ خطوات صغيرة كل 60 يومًا، وبالتالي من الصعب تخيل ضبط النفس في أعقاب وفاة سليماني؛ فعلى أقل تقدير ستستأنف إيران تخصيب اليورانيوم إلى 19.75%، وهي خطوة مهمة نحو اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة.

ولقد هددت إيران مؤخرًا بالذهاب إلى أبعد من ذلك عن طريق الابتعاد عن معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية أو طرد المفتشين، وهي خطوات خطيرة للغاية، وحتى هذا الأسبوع كان أغلب المحللين يعتقدون أنه من غير المرجح أن تفعل طهران هذا، إلا إنه قد يكون مطروحًا على الطاولة.

الهجوم داخل الولايات المتحدة

يقول جولدنبرج: «إن أكثر خطوة استفزازية قد تقوم بها طهران هي شن هجوم إرهابي على الولايات المتحدة الأمريكية، أو محاولة لقتل مسؤول في الإدارة العليا بمكانة سليماني، وهو أمر أكثر صعوبة بالنسبة لإيران مقارنة بالهجوم على مصالح ومنشآت الولايات المتحدة في الخارج، لكنه قد يبدو للإيرانيين على نفس قدر اغتيال سليماني.

كانت آخر محاولة إيرانية للهجوم في الولايات المتحدة عام 2011، عندما أحبطت أجهزة إنفاذ القانون والمخابرات الأمريكية مؤامرة لاغتيال السفير السعودي في واشنطن بتفجير مطعم، وتبعها إحباط محاولات في الدنمارك وفرنسا في 2019.

وبالتالي ففي حال حاولت إيران شن هجوم داخل الولايات المتحدة فإنها ستحتاج إلى الحظ حتى تنجح، بحسب جولدنبرج.

هل تكون الإدارة الأمريكية ذكية؟

يقول الكاتب إنه إذا كانت إدارة ترامب ذكية بما يكفي، فسوف تفعل كل ما في وسعها لحماية المنشآت والمواطنين الأمريكيين، وذلك أثناء استيعابها لضربات لا مفر منها في المستقبل.

يمكن أيضًا، بحسب الكاتب، أن تتواصل مع إيران من خلال شركاء الولايات المتحدة الذين تربطهم علاقة جيدة بطهران، مثل سلطنة عمان، لمحاولة تخفيض التصعيد، وكذلك لوضع خطوط حمراء واضحة في المحادثات الخاصة لتجنب سوء التقدير الإيراني.

وأخيرًا، يرى جولدنبرج أنه ينبغي لترامب أن يرضى بإعلان النصر والتباهي بأنه صار صاحب اليد العليا باغتيال سليماني، لا أن ينفذ المزيد من الأعمال العسكرية، لكن يبدو أن هذا النوع من ضبط النفس يتعارض مع طبيعة ترامب ذاتها، وحتى ولو أظهر عكس ذلك في الأسابيع المقبلة، فإن رغبة إيران من الانتقام والزخم السياسي الذي بدأت هذه الرغبة في توليده بالفعل، قد يدفع الولايات المتحدة وإيران حتمًا إلى صراع كبير.

منطقة الشرق

منذ 6 شهور
«نيويورك تايمز»: لهذه الأسباب لن تتأثر إيران باغتيال سليماني

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد