خلف إسقاط تركيا للطائرة الروسية في نوفمبر الماضي تبعات سلبية على العلاقات الاقتصادية المتنامية بشكل هائل بين البلدين.

في أعقاب الحادث، أعلنت روسيا عقوبات اقتصادية تحظر الواردات التركية من الفواكه الطازجة والخضروات والدواجن والملح والقرنفل بداية من شهر يناير المقبل.

ولم تقتصر ردود الفعل الروسية على فرض عقوبات اقتصادية، حيث تم احتجاز عدد من رجال الأعمال الأتراك الذين كانوا في زيارة لروسيا، وفرضت قيود على العمالة التركية، وحظر سفر الأتراك بدون تأشيرة لروسيا.

وطالبت روسيا رسميًّا مواطنيها بعدم التوجه إلى تركيا، وإلغاء رحلات الطيران الشارتر، واستبعاد الشركات التركية من المناقصات، وإنهاء التعاون العسكري بين البلدين.

وعلى ما يبدو لم تكن هذه التدابير الخطيرة كافية لتهدئة غضب الإدارة الروسية.

فيكتور بوندارف، قائد سلاح الجو الروسي، قال في جنازة الطيار الروسي الذي قتل في حادث إسقاط الطائرة: “أولئك الذين ارتكبوا هذه الخيانة سوف يحصلون على العقاب الذي يستحقونه”.

“لن ننسى إسقاط طائرتنا”

وبعد بضعة أيام قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: “نحن لن ننسى إسقاط طائرتنا. تركيا سوف تندم على ما فعلته”.

ورغم أن الكثيرين شعروا أن التهديد العسكري مترصد وراء كلماته، إلا أن بوتين أكد أن روسيا لا تفكر في خيارات عسكرية ضد تركيا.

بالإضافة إلى الخيارات العسكرية، فإن كارت روسيا الأقوى ضد تركيا هو الغاز الطبيعي. وكانت روسيا قد بدأت مشروع خط أنابيب ستريم التركي لتوصيل الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر أوكرانيا.

وقد تم تصميم المشروع لنقل أكثر من 60 مليار متر مكعب من الغاز سنويًّا عبر أربعة أنابيب لتلبية مطالب الغاز من أوروبا وتركيا. كان المشروع سيجعل تركيا لاعبًا رئيسيًّا في سوق الطاقة.

مخاوف من وقف تصدير الغاز

وقد توقفت المفاوضات حول المشروع، على الرغم من أنه لم يكن هناك أي إعلان رسمي بإنهائها. ومع ذلك، فإن تركيا التي تستهلك 50 مليار متر مكعب من الغاز سنويًّا، تستعد للتعامل مع انتهاء المشروع. وتدرك أيضًا إمكانية أن روسيا يمكن أن تقطع التسليم السنوي لـ26 مليار متر مكعب من الغاز إلى تركيا مع أعذار الصيانة والأعطال.

يأتي ذلك في وقت تمثل فيه سعة تخزين الغاز الطبيعي في تركيا الحد الأدنى في أوروبا، وتحتاج إلى إمداد منتظم من الغاز.

ومن الأهمية الحيوية لتركيا إيجاد مصادر بديلة لتلبية الاحتياجات من الغاز الطبيعي.

البحث عن بديل

في 2 ديسمبر الجاري، زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قطر ووقع اتفاقية شراء بعيدة المدى لشراء الغاز الطبيعي المسال (LNG). في خطوة مماثلة، أعلنت شركة البترول الحكومية التركية بوتاس أنها ستطلب قريبًا تقديم عطاءات لبناء خط أنابيب جديد للغاز الطبيعي من شمال العراق.

وفي 3 ديسمبر، ذهب رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو إلى أذربيجان لمناقشة تسريع بناء أنبوب الغاز الطبيعي عبر الأناضول، والذي يهدف لتوريد 16 مليار متر مكعب من الغاز إلى تركيا وأوروبا سنويًّا ابتداءً من عام 2018.

وقال داوود أوغلو عن تقييم إمكانية خفض واردات الغاز الطبيعي: “لا أعتقد أن روسيا سوف تتخذ مثل هذا الإجراء. لدينا حقوق والتزامات قائمة على الشرعية الدولية المتبادلة. لا يتعلق الأمر بشراء الملابس الشخصية”.

وأضاف أوغلو: “لكن علينا أن نكون مستعدين لأسوأ الاحتمالات. وهذا هو السبب في أنني أعطيت تعليمات لوزارة الطاقة للعمل على إيجاد بدائل”، مضيفًا أن الوزارة ستدرس إمكانية زيادة كمية الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال من إيران وأذربيجان، من بين خيارات أخرى.

وقال أوغلو ردًّا على سؤال حول الحظر الروسي على الفواكه والخضروات التركية: “تركيا ليست لديها أي مشكلة في إيجاد الأسواق في العالم. يمكننا بيعها في مكان آخر”.

الغاز المصري والإسرائيلي

ولكن هل يمكن لتركيا الاستفادة من احتياطيات الغاز الطبيعي التي اكتشفتها مصر وإسرائيل؟

يقول الرئيس التنفيذي السابق لشركة بوتاس، جوخان يارديم لصحيفة المونيتور: “ليس لدينا علاقات جيدة مع مصر. نقل الغاز عبر تركيا هي الطريقة الأكثر اقتصادية لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا. وكانت إسرائيل تناقش ذلك مع أربعة أو خمسة من شركات القطاع الخاص لدينا، لكنها توقفت. وقد تغلبت إسرائيل الآن على المشاكل القانونية مع القانون الذي وقعه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وأعتقد أن العملية يمكن أن تتحرك إلى الأمام”.

وأضاف يارديم: “إن تحسين العلاقات بين البلدين مهم أيضًا لإحراز تقدم في هذا المشروع. على الرغم من أنه يبدو أن القيادة الروسية فقدت رشدها، فإنني لا أعتقد أنها سوف تذهب لإلغاء اتفاقات الغاز الطبيعي. وإذا حدث ذلك، فإن وجهات النظر السلبية عن الغاز الروسي في أوروبا ستزداد سوءًا”.

وقال يارديم إن الخيار الذي يمكن تنفيذه بسرعة أكثر هو الغاز الطبيعي في شمال العراق. “لقد قيل لنا إن تدفق الغاز يمكن أن يبدأ في عام 2016 أو 2017 على أبعد تقدير. وفي عام 2020، سيحمل هذا الخط 20 مليار متر مكعب من الغاز، نصفها سيتم إرسالها إلى أوروبا”.

أنطاليا أكبر الخاسرين

أنطاليا هي المقاطعة التركية التي تصدر معظم الفواكه والخضروات إلى روسيا. كما تجذب أيضًا معظم السياح الروس وتجار العقارات وتستضيف معظم الزيجات الروسية التركية.

جيتين عثمان بوداك، نائب معارض من حزب الشعب الجمهوري من أنطاليا، بحث التكاليف التي قد تتكبدها تركيا جراء إسقاط الطائرة الروسية. وأوضح ما يمكن أن يحدث إذا قطعت العلاقات بين البلدين بصورة كلية:

يقول بوداك: “تبلغ مجموع صادراتنا إلى روسيا 6 مليارات دولار. وتبلغ قيمة عائدات السياحة الروسية إلى تركيا حوالي 6 مليارات دولار من 4.5 مليون سائح روسي. في عام 2014، أنفق السياح الروس حوالي 8.5 مليار دولار لشراء الملابس الشخصية، والتي تم بيعها في روسيا. المتعاقدون الأتراك لدى روسيا يحققون ما قيمته 2.3 مليار دولار من العمل في روسيا. عند إضافة كل هذه المبالغ، فإن قيمة ما سنفقده أعلى بكثير من 20 مليار دولار. أنطاليا كانت تصدر معظم صادرات الفواكه والخضروات الطازجة لروسيا، وتوقفت الصادرات. وخفضت الفنادق أسعارها إلى النصف. سوف يكون هناك بطالة في السياحة والزراعة والمنسوجات. هذا الوضع كارثي”.

لكن نائب رئيس الوزراء المسؤول عن الاقتصاد، محمد شيمشك، ليس متشائمًا جدًّا. وقال شيمشك حتى في أسوأ سيناريو، فإن خسارة تركيا لن تتجاوز في ذروتها 9 مليار دولار.

خسائر متبادلة

وبالنظر إلى حجم التجارة بين البلدين، فإن تركيا صدرت 6 مليارات دولار من السلع إلى روسيا العام الماضي، بينما باعت روسيا إلى تركيا ما مجموعه 25 مليار دولار من السلع، منها ما قيمته 16 مليار دولار من الغاز الطبيعي.

تركيا تراقب الآن التحركات الروسية. إذا لم تتحسن العلاقات من خلال الدبلوماسية، يمكن لتركيا اتخاذ خطوات مضادة. تأكيد أردوغان أن تركيا هي من قامت بتعليق مشروع خط أنابيب ستريم التركي يمكن أن ينبئ بتحركات مماثلة.  

صحيح أن روسيا تشتري بما قيمته 6 مليار دولار من البضائع من تركيا، ولكنها أيضًا تبيع لتركيا ما قيمته 9 مليار دولار من البضائع، وبصرف النظر عن الغاز الطبيعي.

خطأ إستراتيجي

إذا كانت تركيا ستواصل بحثها عن مصادر بديلة للسلع التي تقوم بشرائها من روسيا، فإن الاقتصاد الروسي المضطرب بالفعل يمكن أن يعاني بقدر ما سيعانيه الاقتصاد في تركيا.


لكن الأزمة أظهرت في باطنها حقيقة هامة: أظهرت خطأ تركيا الإستراتيجي كونها تعتمد اعتمادًا كبيرًا على روسيا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد