نشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» تحليلًا للكاتبة لاهاف هاركوف، المُحررة في الصحيفة الإسرائيلية، قدَّمت فيه قراءة لتداعيات رحيل نتنياهو وتولِّي حكومة أخرى مقاليد الحكم في تل أبيب، على العلاقات بين إسرائيل والإمارات وغيرها من البلدان المُشترِكة في اتفاقات التطبيع التي عرفت باسم «اتفاقات أبراهام»، ورجَّحت الكاتبة استمرار تلك العلاقات بغض النظر عن الأشخاص الذين يشغلون المناصب الحكومية.

وضع سياسي مثير للقلق

تستهل الكاتبة تحليلها بالقول: ظهرت أسئلة تتعلق بالوضع السياسي المثير للقلق في إسرائيل أثناء إجراء كثير من المناقشات مع دبلوماسيين وناشطين ورجال أعمال من جميع أنحاء المنطقة خلال منتدى الاستثمار العالمي، الذي نظَّمته صحيفتَي «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، و«خليج تايمز» الإماراتية.

وكان أحد هذه المخاوف يتعلق بمصير العلاقات بين إسرائيل والإمارات وغيرها من البلدان المُشارِكة في اتفاقات التطبيع إذا لم يَعُد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي شارك مشاركة شخصية ومُكثَّفة في إبرام هذه الاتفاقات، في سُدَّة الحكم.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 3 أسابيع
«هآرتس»: كيف خسر نتنياهو سياسيًّا وعسكريًّا في جولة القتال الأخيرة ضد حماس؟

وأبرزت الكاتبة تصريح إيتان نائيه، السفير الإسرائيلي لدى الإمارات، الذي قال: «لا يهم من يشغَل منصب رئيس الوزراء أو وزير الخارجية الإسرائيلي». وأضاف: «أعتقد أنها (العلاقات بين البلدين) تأتي بالأساس بناءً على مصالح كلا البلدين. وتتمتَّع الاتفاقات بدعم استنادًا إلى الرؤية المحلية والوسائل الإستراتيجية».

وأشار السفير الإسرائيلي إلى أن الإسرائيليين «يُعرِبون عن موقفهم» لصالح إقامة علاقات مع الإمارات، مشيرًا إلى أن 85 ألف إسرائيلي زاروا دبي في ديسمبر (كانون الأول) وحده.

تقييم صحيح

وبصورة عامَّة، وفقًا للتحليل، يُعد تقييم نائيه صحيحًا: والدليل على ذلك أنه يُنظر إلى العلاقات بين إسرائيل والإمارات بوصفها تعود بالنفع على كلا الطرفين. وتُظهِر استطلاعات الرأي العام المُتكرِّرَة، التي أُجريت على مدار آخر تسعة أشهر منذ إعلان التطبيع، أن الإسرائيليين متحمِّسون حيال هذا التحوُّل التاريخي. ومن المؤكَّد أن العلاقات التجارية التي تأتي في صميم العلاقات الناشئة بين إسرائيل والإمارات وغيرها من البلدان المشاركة في اتفاقات التطبيع، ستستمر على الأرجح.

وبالإضافة إلى ذلك، أعربت الأطراف الفاعلة في الحكومة التي من المُرجَّح تشكيلها عن دعمها لاتفاقات التطبيع. ووصف يائير لابيد، زعيم حزب «يش عتيد» (هناك مستقبل)، الذي من المُقرَّر أن يتولى منصب وزير الخارجية خلال العامين المقبلين، هذه العلاقة بأنها تُمثِّل «خطوة مهمة»، وأنها «دليل على أن المفاوضات والاتفاقات هي السبيل الذي يجب أن يُتبع للمضي قُدُمًا».

وأشاد نفتالي بينيت، رئيس الوزراء المُحتمَل، بالاتفاق الذي أُبرِم مع الإمارات وبقيادة زعيمها الشيخ محمد بن زايد، قائلًا: «من الجيد أن العلاقات التي أُقيمَت بين البلدين لم تَعُد أسيرة تَعنُّت الفلسطينيين». كما أعرب بينيت عن أسفه لأن نتنياهو فوَّت فرصة لبسط السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية، ولكن ذلك الأمر لم يعد ذا جدوى، في ظل تولِّي الرئيس الأمريكي جو بايدن مقاليد الحكم في الولايات المتحدة.

Embed from Getty Images

ما دور نتنياهو في العلاقات بين إسرائيل والإمارات؟

وتستدرك كاتبة التحليل: لكن نتنياهو شخصيًّا قد أدَّى دورًا رئيسًا في إقامة العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين، على وجه التحديد، فضلًا عن إقامة العلاقات غير الرسمية مع السعودية. وترى الكاتبة أن زعماء تلك البلدان يعرفون نتنياهو، ويثقون به بما يكفي ليتبادلوا أطراف الحديث معه على الأقل بشأن القضايا الأمنية الرئيسة. كما أنهم يعرفون يوسي كوهين، رئيس جهاز الموساد، ومستشار نتنياهو السري للشؤون العربية المعروف باسم ماعوز، وكلاهما ترك منصبه بالفعل. والآن، إذا بدأت «حكومة التغيير» تؤتي ثمارها، فسَيضطر زعماء هذه البلدان إلى أن يتعاملوا مع عدد كبير من الشخصيات غير المعروفة في إسرائيل.

ولا يقتصر ذلك بالضرورة على البلدان المشتركة في اتفاقات التطبيع: ذلك أن نتنياهو شغل منصبه لوقتٍ طويلٍ وسَمَحَ له ذلك بإقامة علاقات مع كثير من قادة البلدان في جميع أنحاء العالم، مثل جو بايدن، أو المستشار النمساوي سيباستيان كورتس، فضلًا عن إقامة علاقات مع غيرهم. ولكنَّ هذه العلاقات جديدة وحسَّاسَة وتحتاج إلى مزيد من العناية والاهتمام.

هل تُولِي الحكومة القادمة عناية فائقة للعلاقات بين تل أبيب والدول الأخرى؟

وينوِّه التحليل إلى أنه ربما لا نرى تلك العناية الفائقة من الحكومة القادمة. وكانت إدارة ترامب قد بذلت جهدًا كبيرًا في تجميع صفوف هذه البلدان، كما قدمت امتيازات لأولئك الذين يحتاجون إلى مزيد من التشجيع. وذكرت إدارة بايدن مرارًا وتكرارًا أنها تؤيد التطبيع، ومع أنَّها لا تستخدم عبارة «اتفاقات أبراهام»، فإن لديها أولويات أخرى ولا يبدو أنها تبذل ما في وسعها في هذا الصدد. وربما تسير الحكومة على المنوال ذاته. ومن المؤكَّد أنه إن لم تحظَ تل أبيب بدعمٍ من واشنطن، فسوف تتعامل إسرائيل مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، كما تتعامل مع غيرها من بلدان كثيرة تجمعها علاقات مع إسرائيل.

وجادل بعض المُعلِّقين الإسرائيليين بأن الحكومة الجديدة ستعمل على تحسين علاقات إسرائيل في العالم العربي وخارجه، ويرجع ذلك، في جزء منه، إلى وَصْم نتنياهو وشيطنته بصفته مُتسبِّبًا في إشعال حرب مناهِضة للفلسطينيين. لكن تحليل الكاتبة الإسرائيلية يرجح أن ذلك الرأي يبدو ساذجًا، لأن نتنياهو في الواقع يفضل تجنب المخاطرة إلى حدٍ كبير، ويحاول تجنُّب خوض الحروب. هذا بالإضافة إلى أن بينيت لا يقِلُّ تشدُّدًا عن نتنياهو، إن لم يكن أكثر تشدُّدًا منه.

سياسة فوضوية.. ولكن

وبحسب التحليل، ربما يكون العامل الآخر، وربما الأهم، هو إيران. وترى الكاتبة أن السياسة الإسرائيلية تتَّسِم بالفوضى، وعادةً لا تتمتَّع الحكومات بمهارة إرسال رسالة مُوحَّدَة. ولكن فيما يتعلق بالتهديد النووي، أعرب نتنياهو والحكومات التي ترأسها عن موقفهم على نحوٍ واضح. وفي الحقيقة، أعرب حتى الرئيس المُنتخَب إسحاق هرتسوج، زعيم المعارضة في وقت توقيع الاتفاق الإيراني، عن الموقف نفسه.

Embed from Getty Images

والآن، مع إحراز المباحثات غير المباشرة، التي أُجريَت بين الولايات المتحدة وإيران بشأن العودة إلى اتفاق عام 2015، تقدُّمًا في فيينا، يستمر نتنياهو في الإعراب عن موقفه الرافض لها. ولكنَّ موقف الحكومة القادمة غير واضح.

ما أهمية معارضة نتنياهو لأسلحة إيران النووية؟

وتشير الكاتبة إلى أن هناك معارضة عامة لامتلاك إيران أسلحة نووية، ولكن يائير لابيد (رئيس حزب هناك مستقبل) أدلى بتصريحات داعمة للموقف الأمريكي الذي يفيد بأن تأجيل الاتفاق وعدم الاستبعاد التام لإمكانية امتلاك إيران أسلحة نووية يُعد أمرًا جيدًا في الوقت الحالي. ولم يُدلِ بينيت سوى بتصريحات سلبية فقط حول اتفاق إيران، ولكن، على غرار اتفاقات التطبيع، من غير الواضح هل سيضع هذه المسألة ضمن أولوياته أم لا.

وكانت معارضة نتنياهو القوية والقاطِعة للاتفاق الذي يمنح إيران شرعية دولية لامتلاك سلاح نووي في عام 2030 من بين الأشياء التي جذبت دول الخليج لإقامة علاقات مع إسرائيل.

وتختم الكاتبة تحليلها بالقول: لذلك، وكما قال نائيه، لا يهم مَنْ يشغَل منصب رئيس الوزراء أو وزير الخارجية؛ إذ من المُرجَّح أن تستمر العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، لأن كلا البلدين لهما مصلحة في هذه العلاقة، والشعب الإسرائيلي متحمِّس لإقامة مثل هذه العلاقات. ولكنَّ تنمية مستوى هذه العلاقة، وهل ستتوفَّر فُرص لجلب مزيد من البلدان إلى اتفاقات التطبيع مع الحكومة الجديدة، لم يتضح حتى الآن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد