تساءل تقرير نشره موقع «أمريكان إنترست» عما إذا كان الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع القوى الغربية سيدفع طهران نحو تبني سياسات مغايرة عما انتهجته في المنطقة التي تعج بمنافسين إقليميين لحكومة الثورة الإسلامية.

وقال التقرير الذي كتبه فيليب جوردن: «في مقالٍ حظي بانتشار واسع في صحيفة وول ستريت جورنال الشهر الماضي، أعرب سفير الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة يوسف العتيبة عن أسف بلاده من أنه وبعد عام من التوصل إلى الاتفاق النووي، فإن إيران لم يتغير سلوكها».

واستشهد التقرير بعنوان فرعي لمقال العتيبة قال فيه: «لا تنخدعوا»، وأضاف: «إن إيران التي عرفناها فترة طويلة معادية، توسعية، عنيفة؛ هي على قيد الحياة».

 

تطوير الصواريخ البالستية

وأشار التقرير إلى أنه وبالنظر إلى النشاط الإيراني في المنطقة منذ توقيع الاتفاق في شهر يوليو (تموز) الماضي، فمن الصعب ألا نأخذ في الاعتبار ما خلص إليه العتيبة.

فإيران ومع قيامها بتنفيذ الاشتراطات النووية المطلوبة منها بموجب الاتفاق، قامت بتطوير برنامج طويل المدى للصواريخ البالستية، وواصلت دعم الديكتاتور السوري بشار الأسد (سواء بصورة مباشرة أو من خلال تنظيم حزب الله الإرهابي)، وواصلت تمويل حلفائها الحوثيين وتسليحهم في اليمن، والحفاظ على لهجتها العدائية تجاه منافسيها الخليج في المنطقة وتجاه الغرب والولايات المتحدة.

وينفي وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف – بحسب التقرير – أية مسؤولية لبلاده عن الاضطرابات الإقليمية، ويتهم منتقدي بلاده بتبني «مغامرة مدمرة»، في حين يواصل النظام ممارساته باعتقال المواطنين الأمريكان دون محاكمة عادلة.

مع الوصول إلى أكثر من 50 مليار  دولار من الأموال المجمدة سابقًا وقدرتها على بيع النفط في الأسواق الدولية، فإن إيران الآن في وضع أفضل لبسط نفوذها في جميع أنحاء المنطقة.

 

تغييرات فورية

أوضح التقرير أنه لم يكن واقعيًا أن نتصور أن التوصل إلى الاتفاق النووي من شأنه أن يؤدي إلى تغييرات فورية. بدلًا من ذلك، فإن اتفاق إيران النووي هو مجرد اتفاق ضيق يركز على تقييد برنامج الأسلحة النووية الإيرانية المحتملة بالوسائل الدبلوماسية في حالة عدم وجود بدائل أفضل.

وفي حال أدى الاتفاق إلى إجراء تغييرات مأمولة في سلوك إيران – ما دعاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما «مسارًا مختلفًا.. التسامح والحل السلمي للصراع»، فإن هذه التغييرات تتم فقط تدريجيًا وعلى المدى الطويل. ومع اشتراطات البنية التحتية النووية الرئيسية التي شملها الاتفاق النووي والمصممة للبقاء لمدة 10، 15، أو 20 عامًا، ندرك إمكانية أنه بحلول الوقت الذي يتم فيه رفع تلك القيود والاشتراطات، فإننا سوف نتعامل مع إيران مختلفة، وفق ما ذكره التقرير.

هل يمكن أن يحدث ذلك؟

ذكر التقرير أننا لن نراهن اليوم أنه بعد 15 عامًا من الآن، فسوف تكون إيران لاعبًا دوليًا مسؤولًا يتعامل مع مواطنيه في الداخل بشكل جيد. نظام الملالي الذي يحكم البلاد حاليًا سوف يفعل كل ما بوسعه للحفاظ على السلطة، بما في ذلك اللجوء إلى القمع الداخلي العنيف، ومثل هذه الأنظمة -حسب تعبير التقرير – في أماكن أخرى، أظهرت القدرة على تولي السلطة فترة طويلة من الزمن.

غير أن التقرير رأى أن التغيير الإيجابي في إيران أمر ممكن. ونظرًا للبدائل الواقعية للصفقة – ونقصد بالبدائل هنا توجيه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الإيراني أو الاستمرار في عزل إيران – فإنه يجدر استكشاف احتمالات التغيير.

بدلًا من «تمزيق الاتفاق النووي»، كما هو مقترح من قبل العديد من النقاد، فإن النهج الأكثر منطقية هو سياسة ثابتة ولكن صبورة لتنفيذ الاتفاق النووي بصرامة، بالتزامن مع احتواء طموحات الهيمنة الإقليمية لدى إيران واستكشاف إمكانية تحسين العلاقات مع حكومة مختلفة في طهران.

كيف يمكن تغيير إيران

أشار التقرير إلى أن ثمة نقطة إيجابية يجب أن نضعها في اعتبارنا ونحن نفكر في إمكانية التغيير في إيران. ففي كل مرة يتم إعطاء الشعب الإيراني الفرصة للتعبير عن نفسه، ولا سيما من خلال الانتخابات، مهما كانت محدودة ومعيبة، فهي تبرز اتجاهات إيجابية حيال المزيد من الحريات في الداخل ومزيد من التكامل مع العالم.

 

ففي عام 1997، رفض الإيرانيون مرشحي النظام المفضلين للرئيس وصوتوا لمحمد خاتمي للتقارب النسبي مع الغرب. وبعد اثني عشر عامًا؛ في عام 2009، صوت الإيرانيون بشكل جماعي لحسين موسوي و«الحركة الخضراء» في رفض واضح للسياسات المدمرة الشعوبية الاقتصادية والمناهضة للغرب، والتي تبناها الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد.

ومرة أخرى في عام 2013، قلص النظام عدد المرشحين المحتملين للرئاسة، ومرة أخرى أشار الجمهور إلى رغبته في التغيير من خلال دعم المرشح الأكثر ارتباطًا مع النهج الجديد، حسن روحاني.

وفي هذا الإطار، ذكر التقرير أن الاستنتاج الأكثر وضوحًا هو أن الشعب الإيراني كان في أمس الحاجة إلى التغيير والتقدم الاقتصادي، وهو ما يمكن أن يخلفه اتفاق إيران النووي الذي من شأنه رفع العقوبات الدولية. واعتبر روحاني المرشح الوحيد القادر على تحقيق ذلك.

وفي الآونة الأخيرة، في انتخابات عام 2016 لاختيار البرلمان الإيراني ومجلس الخبراء (المجموعة التي سوف تختار المرشد الأعلى القادم)، يبدو أن الإيرانيين قد صوتوا بأعداد أكبر بكثير للمعتدلين من المتشددين، مع أنه تم منع الكثير من المعتدلين والإصلاحيين من الترشح في هذه الانتخابات.

وفي حين أنه من الصعب قياس اتجاهات الإيرانيين بوضوح نظرًا لطبيعة الرقابة على الانتخابات وفرض قيود على الاقتراع والصحافة، فإن الأدلة القولية وعملية الاقتراع تشيران، وفقًا للتقرير، إلى أن الرأي العام الإيراني وعلى وجه الخصوص الجيل المقبل، يفضلون بقوة الحصول على مزيد من الحرية في الداخل ومزيد من الانخراط في الخارج.

الانفتاح الاقتصادي

اعتبر التقرير أيضًا أن فتح الاقتصاد الإيراني نتيجة لرفع العقوبات بعد الاتفاق النووي، يمكن أن يسهم في التغيير السياسي على المدى الطويل. كما أشار العديد من المختصين، فإن التنمية الاقتصادية والتصنيع والتحديث كلها عوامل تساعد في تعزيز الديمقراطية والانفتاح والشفافية. هم يميلون إلى خلق ما يدعوه منظرا التحديث رونالد إنجلهارت وكريستيان ويلز «عملية التعزيز الذاتي التي تحول الحياة الاجتماعية والمؤسسات السياسية، وبذلك ترتفع المشاركة الجماعية في السياسة وعلى المدى الطويل يجعل من الأرجح إنشاء مؤسسات سياسية ديمقراطية على نحو متزايد».

كما رأينا في بلدان متنوعة مثل كوريا الجنوبية وشيلي وتايوان، فإن التصنيع والنمو الاقتصادي يؤديان إلى توسيع الطبقة الوسطى وارتفاع المستويات التعليمية، ومزيد من الحرية الفردية، وسيادة القانون، وزيادة المشاركة الدولية. العلماء يعترفون، بالطبع، أنه لا يوجد شيء تلقائي حول هذه العملية، وخصوصًا عندما تحكم البلاد من قبل نظام أيديولوجي غير آمن يخشى، لسبب وجيه، أن الديمقراطية يمكن أن تهدد وجوده. ولكن من الصحيح أيضًا أن احتمالات التغيير الإيجابي تتقلص بشكل كبير إذا كان الاستبداد معزولًا سياسيًا واقتصاديًا. السوابق من كوريا الشمالية وكوبا بالكاد تشير إلى أن العقوبات والعزلة هي أفضل السبل لتشجيع الديمقراطية والتعاون الإقليمي. في حالة كوريا الشمالية فشلت العقوبات أيضًا في منع الانتشار النووي والصاروخي.

وتابع التقرير بقوله: «المزيد من الاندماج الاقتصادي مع إيران يأتي بتكلفة ولا يضمن سلوكًا أفضل على المدى الطويل. ولكن هذه السياسات ليست مكلفة للغاية وليست مقيدة بالموارد الإيرانية المحدودة. المحافظة على أو زيادة عزلة إيران ربما يضمن أن تستمر تلك السياسات».

وأضاف التقرير أن هناك سببًا آخر للاعتقاد بأن الصفقة النووية قد تشجع على إحداث تغيير طويل الأمد في إيران وهو أن المزيد من الانفتاح والحوار يمكن أن يساعد في التقليل من انعدام الأمن والاستياء العميق الذي لا يشعر به فقط مسؤولو النظام ولكن أيضًا كثير من السكان.

بينما يركز الأمريكيون والعديد في المنطقة لسبب وجيه على تهديد إيران لجيرانها، فإن الإيرانيين أنفسهم لديهم قائمة طويلة من المخاوف والمظالم.

ففي عام 1953، أطاحت الحكومة الأمريكية برئيس الوزراء الإيراني المنتخب ديمقراطيًا محمد مصدق، واستبدلت به الشاه محمد رضا بهلوي. وبعد الثورة الإيرانية في عام 1979 والاستيلاء على مجمع السفارة الأمريكية، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على إيران أدت في نهاية المطاف إلى المقاطعة الاقتصادية الكاملة. أيضًا في الثمانينيات، مالت الولايات المتحدة تجاه العراق في عهد صدام حسين في الحرب العراقية الإيرانية، وهي الحرب التي أدت إلى مئات الآلاف من الضحايا الإيرانية.

مشاعر انعدام الأمن

وأشار التقرير إلى أنه ومن دون أن نعفي إيران من المسؤولية التي تتحملها لصراعاتها مع الولايات المتحدة والكثير من الدول المجاورة لها، فإنه ليس من الصعب أن نفهم كيف أدت مشاعر انعدام الأمن بالعديد من الإيرانيين إلى الاعتقاد بأن بلادهم بحاجة إلى جيش قوي، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ البالستية، لردع التدخل الأجنبي.

يلاحظ الإيرانيون أيضًا أن العديد من الدول المجاورة، بما في ذلك باكستان والهند وإسرائيل، تمتلك ترسانات من الأسلحة النووية التي يمكن أن تصل إلى الأراضي الإيرانية. وهذه المخاوف والحقائق الجيوسياسية لن تختفي بين عشية وضحاها. ولكن مع مرور الوقت، فإن ظهور جيل جديد من القادة الإيرانيين، وزيادة التواصل بين إيران وخصومها الحالية يمكن أن يسهم في نهاية المطاف في إحداث نوع من التغيير الإيجابي المحلي وإلى تسوية مؤقتة إقليمية.

وتابع التقرير بقوله إننا لا نعرف كيف ستبدو إيران في نوفمبر (تشرين الأول) من عام 2030، بعد 15 عامًا من التطبيق الرسمي للاتفاق النووي. لكن يمكننا أن نكون متأكدين تقريبًا أن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية (الذي يبلغ من العمر 75 عامًا الآن) لن يكون في السلطة، وأن جيلًا جديدًا من الإيرانيين – ربما أقل تأثرًا بصراعات الماضي – سيكون في السلطة. يبدو أن هناك احتمالًا على الأقل أن هذه القيادة الجديدة ستختار « المسار الجديد» الذي أشار إليه الرئيس أوباما.

البدائل المحتملة

في هذه الأثناء، بالطبع، ستحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى أن يحتاطوا للاحتمال الآخر الممكن، أو ربما المرجح، بأن إيران لن تتطور بهذا الاتجاه. هذا يعني أنه سيتوجب علينا أن نكون حذرين للغاية، أن نفرض الاتفاق النووي، أن نقف بجانب حلفائنا في المنطقة وأن نواجه نشاطات إيران التي تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة.

وأوضح التقرير أنه وفي حال فشل الاتفاق النووي خلال العام أو العامين القادمين، وهو احتمال وارد بالطبع، فإنه يمكن اللجوء إلى العقوبات والضربات الجوية المحتملة. وإن حافظت إيران على الاتفاق النووي بعد خمسة عشر عامًا، لكنها بقيت تدعم الإرهاب، تتدخل في شؤون جيرانها، تقمع شعبها، تبحث عن الهيمنة الإقليمية وفشلت في إقناع العالم بنواياها النووية السلمية، فسيتوجب على الرئيس الأمريكي الذي سيكون في سدة الحكم حينها أن يفكر في كل الخيارات، بما فيها استخدام القوة.

واختتم التقرير بقوله إن النتائج لن تكون مريحة، لكن الاتفاق النووي الذي يمنع إيران من امتلاك الأسلحة النووية خلال الأعوام الخمسة عشر القادمة على الأقل يبقي على كل هذه الخيارات، ويوفر الفرصة لتجنب تطبيقها.

في هذه الأثناء، يمكن الاستفادة من العقد القادم لاستكشاف آفاق إيران المختلفة، وعلاقة ثنائية أفضل تسمح بالتخلص مما يبدو الآن مواجهة دائمة، مكلفة وضارة باستقرار المنطقة. سيكون لإيران المختلفة منافع إستراتيجية، سياسية واقتصادية هائلة، ليس فقط للولايات المتحدة، ولكن لكل بلدان الشرق الأوسط.

التاريخ، النظرية، وبعض الدلائل من إيران الحالية؛ تشير أن مثل هذا التطور ممكنٌ على الأقل. لكن وبينما نحتاط لعدم تحقق هذا الاحتمال، يبدو منطقيًّا أن نختبره أولًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد