تساءلت الصحافية بارتشن يانانتش، المحررة بصحيفة حريت دايلي نيوز التركية الناطقة بالإنجليزية، عما إذا كانت تركيا ستغير سياستها تجاه الأسلحة النووية من النقيض إلى النقيض، وذلك إثر تصريح أدلى به الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في الرابع من سبتمبر/ أيلول بشأن الأسلحة النووية، معتبرة أنه «أحد أكثر التصريحات تطرفًا على الإطلاق» التي أدلى بها رئيس لدولة تركيا خلال العقود القليلة الماضية.

تعزو الكاتبة سبب وصفها تصريح أردوغان بـ«المتطرف» إلى تغييره سياسة تركيا، التي استمرت على مدار سنوات طويلة، من النقيض إلى النقيض، وتراجعه بشأن موقفها من الحد من التسلح ونزع السلاح، معتبرة أن هذا التصريح مثَّل – شفهيًّا على الأقل- تحولًا جوهريًّا في سياسة تركيا التي تبنت، على مدار نصف قرن على الأقل، الدفاع بحماس عن الحد من التسلح ونزع السلاح.

فوضى عالمية

وأضاف المقال: ربما لا يتعين علينا الشعور بالمفاجأة لهذه الدرجة، في ظل هذه الفوضى العالمية الحديثة؛ فمنذ تولي دونالد ترامب مهام منصبه الرئاسي، أخذ يسحب الولايات المتحدة من العديد من الاتفاقيات الدولية، بدءًا من «اتفاق باريس للمناخ»، ومرورًا بـ«صفقة الأسلحة النووية مع إيران»، و«اتفاقية التجارة الحرة عبر المحيط الهادئ»، وحتى «معاهدة القوى النووية مع روسيا» التي تعود لزمن الحرب الباردة، فضلًا عن أننا شهدنا قبل كل ذلك التصويت البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وبينما لم يُسدل الستار بعد على أزمة البريكست حتى الآن، نرى أن ترامب قد نفذ الانسحاب من كل تلك الاتفاقيات دون أي تردد.

Embed from Getty Images

يستشهد المقال بتصريح أردوغان الذي قال فيه: «تمتلك بعض الدول صواريخ ذات رؤوس حربية نووية، وليست مجرد دولة واحدة أو اثنتين فحسب، إلا (أنهم يقولون لنا) إننا لا يمكننا امتلاكها، وهذا الأمر لا يمكنني أن أقبله»، وعند الانتقال إلى موقع وزارة الخارجية التركية على الإنترنت والنقر فوق «السياسة الخارجية»، يمكننا أن نجد قائمة بالقضايا التي تتبنى تركيا موقفًا رسميًّا تجاهها، وعند النقر فوق Arms control and Disarmament (الحد من التسلح ونزع السلاح)، سنجد استعراضًا مطولًا لوجهة نظر تركيا بخصوص هذا الموضوع.

رأي شخصي؟

وتنقل الكاتبة أول جملة وردت في الموضوع: «تولي تركيا اهتمامًا خاصًّا بمسألة الحد من التسلح ونزع السلاح، فضلًا عن أن المشاركة الفعالة في الجهود الدولية بخصوص تلك المسألة وتأييد الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، بالإضافة إلى الحفاظ على التنسيق بين المنظمات المعنية، من العناصر المهمة بالنسبة لسياسة الأمن القومي لتركيا». وتشير الكاتبة إلى أن هذه الجملة لا تتفق مع موقف الرئيس أردوغان، كما أنه استخدم كلمة «أنا» بدلًا من «نحن»، متسائلة: هل يمكن تفسير ذلك على أنه مجرد تعبير عن رأي شخصي؟ ولكن كيف ينبغي أن نفهم جملته الأخيرة التي قال فيها: «(نحن) نواصل عملنا على هذا الأمر؟».

ويتابع المقال: بعد قضاء عقدين تقريبًا في الحكومة، أصبح لدينا ما يكفي من المعطيات التي تنم عن تفضيل أردوغان امتلاك تركيا أسلحة نووية، ولا يمكن إحالة هذا الأمر كثيرًا إلى رغبته في صد أي تهديدات قد تستهدف تركيا، إلا أن هذا الأمر يتفق اتفاقًا أكبر مع طموحاته لجعل تركيا عنصرًا دوليًّا فعالًا، ولذا فقد أوضح أردوغان في التصريح ذاته أنه حاليًا لا يوجد تقريبًا أي «دولة متقدمة بدون صواريخ ذات رؤوس حربية نووية؛ فكل الدول المتقدمة تمتلكها»، وهو بالطبع لم يقصد بذلك الـ188 عضوًا بالأمم المتحدة، فهناك خمس دول فقط هي التي لم تنضم إلى «اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية»: إسرائيل، والهند، وباكستان، وجنوب السودان، وكوريا الشمالية، وهذه الدول تشكل مجموعة من الصعب أن يفخر أحد بالانضمام إليها.

إحباط تركي من الإملاءات الغربية

وأضافت الكاتبة أن أردوغان على أي حال برر موقفه بخصوص رغبته في امتلاك أسلحة نووية بإحباطه من الإملاء على تركيا ألا تمتلك تلك الأسلحة، أو إرغامها على ذلك، حين قال: إنهم يقولون لنا «إياكم أن تجرؤوا على ذلك»، ومن الجدير بالملاحظة حقيقة استشهاده باستخدام إسرائيل أسلحتها النووية لبث «الرعب» في نفوس الآخرين، إذ إن إيران وروسيا تتصدران في العادة القائمة عند الحديث حول تهديد تركيا بالأسلحة النووية.

Embed from Getty Images

ولذلك، بينما قد نستنتج أن الرئيس أرودغان يرى من وجهة نظره، أن أي دولة متقدمة ذات تطلعات دولية يجب أن تمتلك أسلحة نووية، وأن تصريحه يتماشى مع شعاره القائل بأن: «العالم أكبر من خمس دول»، فما يزال من المبكر الفصل فيما إذا كان سيتخذ بالفعل الإجراءات التي ستغير سياسة تركيا طويلة المدى بشأن الأسلحة النووية من النقيض إلى النقيض.

يخلُص المقال في النهاية إلى أن معظم المعلقين على الأخبار في تركيا والعالم قد فسروا تصريح أردوغان بأنه يعكس إحباطات تركيا من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالإضافة إلى أن ظهور التعاون الوثيق بين حليفي تركيا القديمين الولايات المتحدة وفرنسا في سوريا مع منظمات إرهابية – ترى حكومة تركيا أنها تشكل تهديدًا لكيانها- قد ساهم مساهمة أكبر في ترسيخ المظالم القائمة، والتي تعاني منها تركيا بالفعل منذ أمد بعيد. 

وربما أراد أردوغان أن يوجه رسالة مفادها: أنه في حالة عدم وجود أي تطور بشأن حل المشاكل الحالية، فقد يتخذ هو الآخر خطوات من شأنها أن تُسهِم هي الأخرى في توسيع الفجوة بين تركيا والحلف الغربي، وإذا كانت هذه هي نيته بالفعل، فيبقى أن ننتظر لنرى إذا ما كانت ستؤتي بثمارها المرجوة أم لا.

الصناعات الدفاعية التركية.. هكذا حجزت أنقرة لنفسها مقعدًا بين الكبار

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد