فيلم أوين ويلسون الجديد “لا مفر No Escape” محاولة جديدة لوصف الآسيويين بالأشرار ووضعهم في خانة “الآخر”

إن ذوي البشرة البيضاء في هوليوود هم دائمًا الأبطال، وبطبيعة الحال سيضع ذلك الأمر ذوي البشرة السمراء موضع الأشرار في أغلب الأحيان. ومن ثـَم نجد أن كل من القلق، والإثارة، والرهبة، بل والشعور بالخطر يتحقق عند مشاهدة الأفلام التي أُنتجت على مدى عقود مضت عندما يحتوي المشهد على شخص أو اثنين من ذوي البشرة البيضاء في مواجهة حشد مجهول من ذوي البشرة السمراء الذين يتطاير الشر من أعينهم. كما أننا نجد أن الطقوس الدينية لغير البيض في فيلميّ “فلتحيا وتترك الموت جانبًا(Live and Let Die)  ١٩٧٣” ، و”معبد الموت(The Temple of Doom) ١٩٨٤” تتمحور حول القتل. أما في فيلميّ “سقوط أوليمب  (Olympus has Fallen)٢٠١٣”، و”ميلاد أمة(The Birth of a Nation) ١٩١٥” فإنه ينبغي تخليص الأرض الأمريكية من الحشود المتطفلة من داكني البشرة المتوحشين. وفي كل من تلك الحالات المذكورة يتم تمييز الأخيار من الأشرار وفقًا للون البشرة!

ويعد فيلم “لا مفر” الذي سوف يُطرح بصالات العرض الأمريكية في ٢٦ أغسطس أحدث إضافة إلى تلك المجموعة الشهيرة من الأفلام ذات الأبطال البيض. وتدور أحداثه -كما هو متوقع- حول المتاعب التي تواجه چاك دواير (الشخصية التي يقوم بتمثيلها أوين ويلسون) وهو مواطن من تكساس يسافر للعمل كمهندس هيدروليكي في دولة مشؤومة ووضيعة بجنوب شرق آسيا، لدرجة أنهم لم يـُعنوا حتى بذكر اسمها (رغم أن التصوير كان في تايلاند). فبمجرد أن ينزل چاك من الطائرة وتطأ قدمه أرض هذه الدولة يتورط هو وزوجته آني (الدور الذي تؤديه الممثلة ليك بيل التي تستحق أفضل من ذلك) وابنتاه في انقلاب يحدث بالبلد.

ويرتبط الانقلاب بوظيفة چاك والشركات الغربية التي تستولي على المصادر المائية لتلك الدولة أو شيء من هذا القبيل؛ فتفاصيل المشكلة مبهمة تمامًا؛ مما يجعل دافع هؤلاء المواطنين من وراء ذلك الانقلاب أكثر غموضًا وأقل تبريرًا. على سبيل المثال فإن الأشرار بيض البشرة في فيلميّ “الرجل النملة”(Ant-man) و”أمة مارقة(Rogue Nation) ” لهم ملامحهم وشخصياتهم؛ فهم أناس أشرار لكنهم أناس في نهاية الأمر، أما في فيلم “لا مفر” فالأشرار هم ليسوا إلا جماعة مطموسة الملامح ومجهولة الهوية، مما يجعل الفيلم أقرب إلى أفلام الزومبي أكثر منه إلى فيلم (أكشن). أما الشخصية الوحيدة من داكني البشرة التي يمكن اعتبارها إنسانًا هو سائق التاكسي الودود كيني روجر (والذي يقوم بدوره ساهاچاك بونتاناكيت) الذي يوحي اسمه بتأثره بمغني البوب الأمريكي فكونه بشرًا يتوقف على مدى انتمائه لكل ما يتعلَّق بذوي البشرة البيضاء.

ويقوم الفيلم بمحاولة خائبة كي يـُظهر أن غير البيض من الناس لهم شخصياتهم، وعائلاتهم، و أرواحهم أيضًا. فيمد بعض الجنوب شرق آسيويين يد المساعدة لچاك دواير بل/أو يضحون بحياتهم من أجل إنقاذه هو وعائلته. وبشكل مباشر أكثر، يلقي رجل المخابرات البريطانية الذي يقوم بدوره بيرس بروسنان خطبة تتميز بالانتقاد الذاتي عن كيف أنه عجـّل هو وأمثاله بتدهور حالة هؤلاء البشر إلى الفوضى؛ فالغرب يقرض دول العالم الثالث قروضًا هو يعرف جيدًا أنهم لن يستطيعوا ردها، ثم ينقضّ عليهم ليضع يده على بنياتهم التحتية ومواردهم، ويضيف هاموند أن أفراد هذه الأمة المجهولة يحاربون “العبودية” وأنهم يحاولون فقط حماية عائلاتهم، مثلهم مثل چاك لا فرق.

وياله من شعور رقيق بالفعل، لكن للأسف لا يؤمن به الفيلم إطلاقًا، فلن تشعر أن جهدًا حقيقيًّا قد تم بذله لإظهار كيف يحاول هؤلاء الثوار حماية عائلاتهم، أو الطرق التي يحاولون بها مجابهة مثل ذلك المستعمر الإمبريالي الذي لا يضاهونه قوة. بل إنهم بدلًا من ذلك يصورون البيض على أنهم المستضعفون والمهضوم حقهم، فنرى الهجوم على السفارة الأمريكية يتم بسهولة دون الإشارة إلى أي دعم عسكري أمريكي جراء ما حدث.

https://www.youtube.com/watch?t=139&v=VFpK71yBv1s

بل أكثر من ذلك، يصور الفيلم مشهدًا حيث يتم ضرب البيض بالرشاشات من أعلى باستخدام طائرات الهليكوبتر، فيما يناقض تمامًا حقيقة الهيمنة العسكرية للقوات الجوية الأمريكية في كل المواجهات الحديثة. ولا يقتصر ذلك الأمر على فيلم “لا مفر” فقط، بل تكثر مثل تلك المشاهد أيضًا في فيلميّ “سقوط أوليمب” و“المنتقمون (The Avengers)” وأفلام أخرى عديدة؛ فهوليوود تعشق تلك الصورة الكابوسية المروعة ربما لأنها تعطي تبريرًا للعنف الحقيقي الذي نقوم نحن (الكاتب يقصد الغرب) به.

تكرهون أن تنزلوا بمستواكم لمثل هذه التفاهات (لماذا تبدأ الآن؟) حسنًا، فبروسنان يعلن هذا المبرر صراحة في الفيلم؛ حين يوضح أن أمريكا -وچاك بالتحديد- متورطان في تلك المكائد الإمبريالية لكنه يمضي في حديثه ليقول إن على چاك حماية أسرته مهما تتطلب الأمر، وإن أدى ذلك إلى القتل. فيتجه الفيلم إلى تبرير المغالاة في العنف من قـِبـَل چاك الذي هو ممثل عن أمريكا، “فحشد الزومبي ذوي البشرة السمراء قادم ولا يوجد مجال للتفاهم العقلاني معهم. ومن ثـَم فإن الأبطال الأمريكان قليلي الحيلة لا يوجد أمامهم أي خيار غير أن يقتلوا، ويقتلوا، ويقتلوا حتى يستطيعوا أن يبقوا على قيد الحياة”.

وبالطبع (هل أُفسد عليكم النهاية الآن؟) تنجو أسرة چاك، فابنتاه تقطبان جبينيهما مداعبةً لأبيهما في نهاية الفيلم وچاك يرد بالمثل، ليس مهمًّا العدد الهائل من البشر غير البيض الذين تم إعدامهم بطرق في منتهى البشاعة والإهانة أو أن بلدًا بأكمله أصبح حطامًا ودخانًا بسبب تدخل القوات الأكثر “رقة” على وجه الأرض؛ وهي القوات الأمريكية. ففي هوليوود، ذوو البشرة الملونة هم الذين لا يجدون مهربًا أينما يذهبون فهم ليسوا إلا كبش فداء في مغامرة البطل الأبيض. حتى أن بلدهم لا تحصل على اسم في الفيلم!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد