في خطوةٍ مفاجئة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطةً لسحب القوات الأمريكية من سوريا خلال 30 يومًا، وهو ما سيؤدي ربما إلى انقلابٍ في موازين القوى بالمنطقة كما ترى صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

 

دخل الجنود الأمريكيون سوريا عام 2015 باعتبارهم جزءًا من قوات التحالف الذي يُقاتل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي كان يُسيطر وقتها على مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي في سوريا والعراق. وفي غضون السنوات الثلاثة التالية، انهارت دولة الخلافة التي أعلنها التنظيم. لكنَّ استمرار غياب الاستقرار في سوريا يُوفِّر أرضًا خصبةً لنهوضه من جديد.

 

وترى الصحيفة أنَّ القرار ربما يضعف موقف حلفاء الولايات المتحدة في الحرب السورية، في حين يمنح مزيدًا من القوة للمنافسين المدعومين من إيران وروسيا. ويُمكن أن يُضعف الانسحاب الأمريكي من نفوذ أمريكا أيضًا في أي مفاوضاتٍ مُتعلِّقةٍ بالتسوية لإنهاء الصراع.

 

هل «يجامل» ترامب أردوغان؟ ما يجب أن تعرفه عن سحب أمريكا لقواتها من سوريا

 

ووفقًا للصحيفة، يقول جوست هيلترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط بمجموعة الأزمات الدولية: «لم يَعُد النفوذ الذي كانت تتمتع به الولايات المتحدة في سوريا موجودًا، لأنَّ الجميع يعلم أنَّها ستنسحب من سوريا انسحابًا غير مشروط».

 

وإليك المستفيدين والخاسرين من قرار ترمب بحسب تقرير الصحيفة:

 

المستفيدون

 

إيران وروسيا والرئيس السوري بشار الأسد

 

Embed from Getty Images

 

توضح الصحيفة أنَّ الأسد وأكبر داعميه الدوليين (روسيا وإيران) سيستفيدون من سحب الجنود الأمريكيين، مما سيُشدِّد أكثر قبضة الأسد المتراخية على بلاده المنكوبة.

 

وتُعَدُّ إيران من أكبر المستفيدين بوصفها الحليف الدولي الأكثر استثمارًا في سوريا والأكثر عرضةً للخطر. ففي خلال الحرب، ثبَّتت إيران أقدامها في سوريا وأعادت رسم خريطة الشرق الأوسط الاستراتيجية. وأرسلت آلاف القوات الشيعية التي حاربت على الأرض، ونشرت الطائرات بدون طيار والأسلحة الدقيقة للإبقاء على الأسد في السلطة. وأمدها ذلك بجسرٍ أرضيٍ يمر عبر سوريا لتُزوِّد حركة حزب الله الشيعية اللبنانية بالأسلحة.

 

ودرَّبت إيران المقاتلين الشيعة، في حين عزَّزت علاقاتها بحلفائها في العراق ولبنان أملًا في بناء جبهةٍ قوية في حال وقوع حربٍ مع إسرائيل.

 

وتستفيد روسيا أيضًا من الوضع الجديد بحسب الصحيفة. فبعد يومٍ من إعلان ترامب الذي صدر يوم الأربعاء، أشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالقرار خلال مؤتمرٍ صحفي قائلًا: «دونالد على حق، وأنا أتفق معه».

 

وتُشير الصحيفة إلى أنَّ روسيا أرسلت 5 آلاف جندي وعشرات الطائرات لدعم حكومة الأسد، التي ساعدت في تأمين منشأة موسكو البحرية الاستراتيجية بالغة الأهمية في مدينة طرطوس السورية على البحر الأبيض المتوسط. ووسَّعت روسيا من سطوتها العسكرية داخل سوريا خلال الحرب أيضًا، لتحافظ بهذا على نفوذها في الشرق الأوسط.

 

وبحسب الصحيفة، يقول جون بي ألترمان، مدير وزميل برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «لا شك أنَّ الأمر يُساعد الروس، الذين استفادوا استفادةً كبيرة من استثمارهم المحدود داخل سوريا. لقد أعادوا تأسيس أنفسهم باعتبارهم لاعبًا دوليًّا في وقتٍ ظن فيه البعض أنَّ عصر مجد الاتحاد السوفييتي قد ولَّى».

 

أمَّا بالنسبة للأسد، فترى «نيويورك تايمز» أنَّ الانسحاب الأمريكي يعني أنَّ الطريق نحو المستقبل في سوريا سيتشكَّل على يد القوى المُتعاطفة مع حكومته ومصالحها. إذ تم تحييد الخطرين الأكبر على قيادته، وهما داعش وجماعات المُعارضة الضخمة التي حاولت إطاحة الحكومة السورية. وجديرٌ بالذكر أنَّ تحييد داعش تحقَّق بفضل القوى العسكرية التي حشدها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمواجهة التنظيم.

 

تركيا

 

Embed from Getty Images

 

ترى الصحيفة أنَّ تركيا والولايات المتحدة، أعضاء حلف الناتو، وجدا نفسيهما على خلافٍ في سوريا، رغم معارضة كليهما لنظام الأسد. ويرجع ذلك إلى دعم الولايات المتحدة للقوى الكردية في سوريا، بزعم أنَّهم المقاتلون الأقدر على دحر داعش.

 

لكنَّ تركيا وفقًا للصحيفة تواجه الانفصاليين الأكراد على أرضها منذ أمدٍ بعيدٍ في الجزء الجنوبي الشرقي من البلاد، وترى خطرًا كبيرًا في زيادة نفوذ الأكراد على حدودها في شمال سوريا. وهدَّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخرًا بالتدخُّل العسكري ضد القوى الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة منذ عام 2015 في سوريا.

 

ولهذا سيفتح خروج الجنود الأمريكيين الباب على مصراعيه أمام التحرُّك التركي لتحديد نفوذ القوات الكردية في سوريا.

 

داعش

 

Embed from Getty Images

 

تشير «نيويورك تايمز» إلى مقطع الفيديو الذي نُشِر يوم الأربعاء وأعلن فيه ترامب: «لقد انتصرنا على داعش». لكنَّ الخبراء، ومن بينهم فريق عمل ترامب شخصيًا وأعضاء التحالف، لهم رأيٌ آخر.

 

يُشكِّل قرار الانسحاب نهايةً لتواجد خصمٍ عسكريٍ كبيرٍ في المنطقة، رغم أنَّ المُسلَّحين ما زالوا محتفظين بنحو 1% من الأراضي التي كانت تحت سيطرتهم خلال ذروة سلطتهم. وفي إفادةٍ أدلت بها وزارة الخارجية يوم 11 ديسمبر (كانون الأول)، قال بريت ماكجورك، مبعوث ترامب الخاص في الحرب ضد داعش، إنَّ الحرب لم تنته بعد. وتابع قائلًا: «ستستغرق نهاية داعش وقتًا أطول بكثير. إذ لم يُعلِن أحدٌ إتمام المهمة بنجاح».

 

الخاسرون

 

الأكراد السوريون

 

Embed from Getty Images

 

تشير الصحيفة إلى أنَّ الجميع تخلَّى فعليًا عن قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، حسبما أفاد منتقدو الانسحاب، رغم كونهم حلفاءَ رئيسيين لأمريكا في الحرب ضد داعش. وكان الأكراد يعتمدون في السابق على الدعم الأمريكي؛ لذا يُشكِّل الانسحاب المُفاجئ كارثةً تتركهم مكشوفين تمامًا من كافة الجوانب.

 

واستنكرت قوات سوريا الديمقراطية قرار الانسحاب في بيانٍ رسميٍ يوم الخميس.

 

ونص البيان على التالي: «قرار البيت الأبيض بسحب قواته من شمال وشرق سوريا سيُؤثِّر سلبًا على الحملة ضد الإرهاب. لم تنته الحرب ضد الإرهاب، ولم تُكتَب نهاية الإرهاب بعد».

 

وحذر البيان من أنَّ هذه الخطوة ستخلق «فراغًا عسكريًا سياسيًا» قد يُمكِّن داعش من الازدهار مُجدَّدًا. ومن المُرجِّح أن تفقد القوات الكردية بعض الأراضي والسيطرة نتيجةً لقرار ترامب.

 

وبحسب الصحيفة، قال مولتو سيفيروجلو، مُحلِّل الشؤون الكردية المُقيم في واشنطن: «دفع الأكراد وحلفاؤهم ثمنًا باهظًا. إذ حاربوا في الصفوف الأمامية، وفقد آلاف الرجال والنساء الأكراد حياتهم وهم يُحاربون نيابةً عن العالم. ويشعرون الآن أنَّ جميع جهودهم ستذهب هباءً»، مُشيرًا إلى شعورهم بأنَّهم تعرَّضوا للخيانة.

 

جديرٌ بالذكر أنَّ الأكراد سعوا لإقامة منطقة حكمٍ ذاتيٍ بعد استعادتهم لكثيرٍ من الأراضي التي سيطرت عليها قوات داعش شمال سوريا.

 

إسرائيل

 

توضح الصحيفة أنَّ وضع إيران، التي سيطرت حديثًا على أراضٍ تسمح لها بالوصول إلى حلفائها في حزب الله دون قيود، ودون تواجدٍ للقوات الأمريكية التي تلعب دور رمانة الميزان في شمال سوريا، يُشكِّل خطرًا وجوديًا على إسرائيل.

 

ويقول هيلترمان وفقًا للصحيفة: «لن تكون إسرائيل سعيدةً بهذا الأمر، لأنَّهم يرون فيه مكسبًا خالصًا لإيران، وهم على حق».

 

وبوصفها أقوى حلفاء إسرائيل، تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في توفير الأمن للبلاد، لذا يُشكِّل سحب الجنود تهديدًا لهذا التوازن.

 

المدنيون

 

Embed from Getty Images

 

تُؤكِّد «نيويورك تايمز» أنَّ المدنيين تحمَّلوا الشطر الأعظم من وطأة الصراع في سوريا على مدار سنوات، إذ نزح الملايين من منازلهم، في حين فر ملايين آخرون من البلاد ليعيشوا معاناة اللاجئين في الخارج.

 

وتُحذِّر منظمات الإغاثة من أنَّ زعزعة الاستقرار في شمال سوريا أكثر من ذلك يُمكن أن تُؤدي إلى كارثةٍ إنسانيةٍ أخرى في المنطقة.

 

وتُحذِّر أيضًا لجنة الإنقاذ الدولية، التي تعمل على توفير الدعم الإنساني في بعض مناطق سوريا منذ سنوات، من أنَّ الهجوم التركي المُحتمل على الأكراد في المنطقة سيكون مُدمِّرًا. وبحسب الصحيفة، يقول ديفيد ميلباند، رئيس لجنة الإنقاذ الدولية: «على مدار الصراع، اتُّخِذَت الكثير من القرارات السياسية والعسكرية دون مراعاةٍ لعواقبها الإنسانية. ونتيجةً لذلك، تسببت تلك القرارات في زيادة الخطر والكرب على المدنيين».

 

وتتوقَّع الصحيفة أن يفر الكثير من الأكراد من المنطقة في حال فقدت الميليشيات الكردية السيطرة على شمال سوريا، وأن تنشأ أزمةٌ إنسانيةٌ جديدة حسبما يعتقد هيلترمان.

 

«ناشيونال إنترست»: لماذا أصبح صنع السلام في سوريا مهمة مستحيلة؟

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد