ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أن استطلاعات الرأي الأخيرة، التي أجريت لدى إغلاق مراكز الاقتراع في الانتخابات البرلمانية التونسية تشير إلى انتصار محدود لحزب النهضة الإسلامي المعتدل، يليه عن قرب الحزب الجديد «قلب تونس».

وأضافت الصحيفة، في تقرير كتبه الأستاذ المساعد في كلية «ويليام آند ماري» بالولايات المتحدة، شران جريوال، أن عدد المصوتين في الانتخابات البرلمانية التونسية، التي جرت يوم الأحد، بلغ نحو 41% من الناخبين المسجلين للتصويت، أي أقل بقليل من المصوتين في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 15 سبتمبر (أيلول) الماضي، الذين بلغ عددهم 49% من الناخبين، موضحًا أن هذه الانتخابات هي الثانية من بين ثلاثة انتخابات مقررة هذا الخريف.

وذكر الكاتب أن هذه الانتخابات ستتمخض عن برلمان شديد الانقسام، إذ لم يحصل أي حزب أو قائمة على أكثر من 20% من الأصوات، مشيرًا إلى أنه بينما ستعلن النتائج يوم الأربعاء، فإن استطلاعات الرأي تشير إلى انتصار محدود لحزب النهضة الإسلامي المعتدل، بحصوله على حوالي 18% من الأصوات، يليه عن كثب حزب قلب تونس الجديد، بحوالي 16%، بينما حصلت خمسة أحزاب أصغر على ما بين 4% و6% من الأصوات.

سنة الانتخابات الحاسمة.. أبرز التحديات التي تنتظر الدول المغاربية في 2019

كيف احتل حزب النهضة المرتبة الأولى؟

إذا صحت استطلاعات الرأي، فقد حصل حزب النهضة على 5% أكثر مما حصل عليه مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية عبد الفتاح مورو، قبل ثلاثة أسابيع.

وذكر الكاتب أن هناك عاملين يمكن أن يفسرا الزيادة السريعة لحزب النهضة في نسبة الأصوات، هما: دعم مرشح مستقل، وإعادة تقييم الحملة الانتخابية.

Embed from Getty Images

وأوضح أنه خلال الأسبوعين الماضيين، حاول حزب النهضة استمالة أنصار المرشح الذي فاز في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية قيس سعيد. ونظرًا إلى أن سعيدًا، الذي يعمل أستاذًا للقانون الدستوري، ليس لديه حزب سياسي، ولم يؤيد أي حزب أو قائمة، فقد كان ناخبوه مطمعًا للجميع في الانتخابات البرلمانية. ولم يؤيد النهضة سعيدًا في انتخابات الإعادة فقط، بل حاول أيضًا إقناع ناخبيه بأن حزب النهضة هو أفضل أمل لتشكيل حكومة صديقة حليفة لرئاسة سعيد.

وأشار إلى أنه بعدما احتل مورو المركز الثالث المخيب للآمال في الانتخابات الرئاسية، شرع حزب النهضة في إعادة تقييم استراتيجيته الانتخابية. وعاد الحزب بشكل واضح، من أجل الحملة الانتخابية، إلى مبادئه الأساسية: الدين والثورة.

وتابع أن زعيم حزب النهضة، راشد الغنوشي، الذي يترشح هو نفسه للمرة الأولى، اقترح أن تفرض الدولة ضريبة دينية – الزكاة- للمساعدة في تخفيف حدة الفقر، ما دفع شخصية نسوية بارزة (يقصد رد بشرى بلحاج حميدة على مقترح الغنوشي) إلى إرسال رسالة تذكير واضحة، مفادها أن تونس دولة مدنية وليست دينية.

في هذه الأثناء، فإن قيادي حزب النهضة، حبيب اللوز، الذي كان قد هُمِّش على مدى السنوات الخمس الماضية، كسر صمته قائلًا إن «الموقف الرباني يفرض انتخاب النهضة»، معتبرًا أن هذا النداء الديني ربما يكون فعالًا بشكل خاص.

وأوضح أن قادة النهضة أكدوا مرارًا أنهم سيدافعون عن الثورة ويحاربون الفساد، على الرغم من دعمهم السابق لقانون المصالحة. وبعد ست سنوات من التنازلات حول هذه القضايا، أعاد حزب النهضة الدين والثورة إلى خطاب حملته الانتخابية، وبنجاح واضح.

«قلب تونس‌» يواصل النبض

ذكر الكاتب أن الحزب صاحب المركز الثاني، قلب تونس، هو حزب جديد على الساحة السياسية، إذ أنشئ هذا الربيع. ويشارك زعيمه، قطب الإعلام المسجون نبيل القروي، في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية الأسبوع المقبل. وأشار إلى أن شعبية القروي وحزبه ظلت ثابتة إلى حد كبير خلال الانتخابات الأولى والثانية، إذ من المتوقع أن يفوز قلب تونس بنسبة 15.6% نفسها التي حققها القروي في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية.

وترتكز جاذبية قلب تونس على القروي، الذي يشارك في ملكية شركة تلفزيون كبرى، هي قناة «نسمة تي في»، كما أنه شارك منذ عام 2017 إلى يونيو (حزيران) 2019 في استضافة برنامج تلفزيوني خيري على هذه القناة، هو برنامج «خليل تونس»، والذي نصب القروي بطلًا للتونسيين الفقراء والمنسيين، الذين أهملهم النظام. ومع ذلك، فلم يتمكن القروي من تنظيم حملة انتخابية رسمية، إذ اعتقل في أغسطس (آب) الماضي بتهمة غسيل الأموال، وما يزال رهن الحبس الاحتياطي. ورأى الكاتب أن انتخابات يوم الأحد تشير أيضًا إلى أن سمعة الحزب لم تتلوث، بعدما كشف موقع «المونيتور» الإخباري مؤخرًا وجود ضغط من جهات أجنبية لمساعدة حملة القروي.

وأشار جريوال إلى أنه بغض النظر عن أداء القروي في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الأسبوع المقبل، فإن قلب تونس أصبح صاحب نفوذ بالغ الأهمية، ومن شبه المؤكد ألا يتمكن حزب النهضة من تشكيل حكومة بدونه، خاصة بعدما رفضت عدة أحزاب أصغر بالفعل التحالف مع النهضة. ومع ذلك، فقد استبعد حزب النهضة وقلب تونس، خلال الحملة الانتخابية، أن يشكلا ائتلافًا معًا، واستمر كلاهما في ذلك بعد الانتخابات.

هل البرلمان منقسم بشدة لدرجة ألا يستطيع الحكم؟

وذكر أنه حتى لو اجتمع حزب النهضة وقلب تونس معًا، فسوف يحتاجان إلى دعم الأحزاب الأصغر لتأمين الأغلبية. ومع ذلك، فقد استبعدت كل الأحزاب الأربعة التالية بالفعل التحالف مع أحدهما.

Embed from Getty Images
إذ قال ائتلاف الكرامة، وهو تحالف جديد مكون من الأحزاب المحافظة المؤيدة للثورة، إنه منفتح على التحالف مع النهضة، ولكن ليس مع قلب تونس. بينما قال الحزب الدستوري الحر، وهو حزب مناهض للربيع العربي، ويحن لفكرة الدولة القوية، إنه لن يتحالف مع النهضة. وأعلن كلٌّ من التيار الديمقراطي المؤيد للثورة، وحركة الشعب اليسارية، المؤيدة للقومية العربية، أنهما سينضمان إلى المعارضة.

وأشار كاتب المقال إلى أنه إذا لم تكن هذه الأحزاب على استعداد للتلاقي، فإن هناك احتمالًا حقيقيًّا ألا يتمكن حزب النهضة من تشكيل حكومة، ما قد يؤدي إلى انتخابات جديدة العام المقبل. ومن أجل تجنب مثل هذا السيناريو، اقترح التيار الديمقراطي تشكيل حكومة إنقاذ وطني مؤلفة من شخصيات مستقلة. ونقل الكاتب عن محمد بن سالم القيادي في حزب النهضة، قوله إنه بينما يفضل الحزب تولي رئاسة الحكومة، فإنهم يجب أن يجدوا شخصية قادرة على جمع الأصوات الـ109 (المطلوبة لحصول الحكومة على ثقة البرلمان).

تحول في المشهد

ويتابع الكاتب: كانت المؤسسة العلمانية من بين الخاسرين في الانتخابات البرلمانية التي جرت يوم الأحد، إذ لم يحصل حزب نداء تونس، ولا تحيا تونس، ولا أي حزب من أحزاب تونس الأخرى على أكثر من 5% من الأصوات. وأشار الكاتب إلى أن التنظيمات العلمانية تضررت بفعل الانقسامات الداخلية، وأيضًا بسبب تحالفها مع حزب النهضة بعد انتخابات 2014، مشيرًا إلى أن هذا الدرس قد يقلل احتمال تشكيل الأحزاب العلمانية حكومة مع حزب النهضة هذه المرة.

وأوضح أن من بين الخاسرين أيضًا الجبهة الشعبية اليسارية، والحركة الشعبية الجديدة «عيش تونسي»، إذ إنه من المتوقع أن تحصل الجبهة، التي كانت تتمتع بـ15 مقعدًا في البرلمان السابق، على صفر. بينما من المحتمل أن يحصل حزب عيش تونسي – على الرغم من أدائه الجيد في استطلاعات الرأي السابقة للانتخابات- على ما بين ثلاثة إلى خمسة مقاعد فقط.

واختتم مقاله بالقول إن الانتخابات البرلمانية تشير إلى تحول المشهد إلى نظام سياسي منقسم، به الكثير من الوجوه الجديدة، وستوضع تقاليد السياسة التوافقية التونسية تحت الاختبار في أثناء محاولة تشكيل حكومة.

مفاجأة مدوّية في تونس! أستاذ قانون ومسجون حالي يتنافسان على الرئاسة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد