أجيال كاملة قضت عمرها تسمع عن المجاعات في أفريقيا وتشاهد صورًا مأساوية تجعلها تتصور أن المشكلة صعبة إلى حد كبير. لكن فيكي سيجيسما، المدير التنفيذي لشركة رويال دي إس إم الهولندية، وهي شركة متخصصة في إيجاد حلول مستدامة لمشكلات التغذية والصحة، يرى في هذا المقال المنشور في صحيفة «الجارديان» البريطانية أن الأمر ليس كذلك.

إظهار الجدية في المساعدة

في بداية المقال، يبدي الكاتب دهشته من ذهاب أكثر من 60 مليون طفل عبر أفريقيا إلى نومهم جائعين، رغم إنفاق ملايين الأموال على المساعدات الإنسانية. في حين يرى أن الجهود المبذولة لتخفيف الدائرة المتواصلة من الجفاف والفقر والحرب تسببت في مشكلات جديدة؛ أكبرها في رأيه الاعتماد التعجيزي على المعونات الغذائية الذي يقوض جهود القارة لإطعام نفسها. تُظهر إحصائيات الأمم المتحدة أن أكثر من 250 مليون شخص في أفريقيا -أي واحد من كل خمسة أفراد- يعاني من نقص التغذية، مما يجعلهم عرضة للأمراض، وجوانب قصور وتقزم في النمو تمنعهم من الوصول إلى إمكاناتهم الكاملة. ويرى الكاتب أن هذا الوضع ينبغي أن يتغير. تحتاج الدول المانحة الأغنى، في رأيه، إظهار جديتها في المساعدة للقضاء على سوء التغذية والجوع بإنهاء ضمادة المعونة الغذائية المؤقتة. ويرى سيجيسما أن هذا مخالف للمنطق، ويعتقد أن المانحين بحاجة للاستثمار في الزراعة وتصنيع الغذاء المحلي حتى تصبح دول أفريقيا مكتفية ذاتيًا، ويشير إلى أن ذلك يتطلب نهجًا جديدًا واضحًا تموله استثمارات القطاعات العامة والخاصة.

مبادرة للقضاء على الجوع

يشير سيجيسما إلى أن هناك بالفعل مشاريع تغذية محلية، لكنه يقول إن قليلًا منها قادر على التوسع. ويكمن الحل، حسب الكاتب، في مبادرات مثل شركة «Africa Improved Foods»، وهي شركة بدأت عملها منذ عامين في رواندا، وتمثل أول شراكة كبيرة بين الاستثمار العام والخاص في أفريقيا لمعالجة سوء التغذية والجوع الخفي. وفي حديثه عن هذه الشركة، يقول سيجيسما إنه في خلال عام واحد من عملها، وباستثمار قدره 70 مليون دولار فقط، ساعدت الشركة بالفعل أكثر من 2 مليون شخص لتجنب سوء التغذية. Embed from Getty Images إذ تشتري الشركة محاصيل الذرة المزروعة محليًا والمحاصيل الأخرى مما يزيد عن 24 ألف مزارع من صغار الملاك -معظمهم نساء- بسعر ثابت يوفر لهم دخلًا متوقعًا. تجهز هذه المحاصيل محليًا في مصنع في مدينة كيجالي، حيث تصنع منها حبوب مغذية للأمهات والأطفال الصغار في المنطقة. وأشار في هذا الصدد إلى دراسة مستقلة أجرتها جامعة شيكاغو بتكليف من مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي، إذ تفيد الدراسة بأن شركة «Africa Improved Foods»، في الفترة من عام 2016 إلى 2031، ستكون قد درت 75 مليون دولار لشعب رواندا. ويقول إن هذه المبادرة لو تكررت 75 مرة فقط، سنحقق أمنًا غذائيًا دائمًا في أفريقيا.

فرص الكسب التجاري

يتساءل الكاتب: هل يمكننا وضع السعر المطلوب لاجتثاث الجوع؟ وإجابته بناءً على نموذج شركة «Africa Improved Foods» أن التكلفة تساوي 5 مليار دولار. ولوضع الأمور في سياقها، أشار سيجيسما إلى أن المساعدات الرسمية إلى أفريقيا بلغت 29 مليار دولار في 2017، وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. لكنه يقول إنه، رغم ذلك، يزداد الجوع مجددًا ويقضي تقريبًا على عقد كامل من التقدم، وما يزال الملايين يعيشون في بؤس والأفق أمامهم في حالة انسداد. ويعتبر الكاتب أن استيراد الأغذية الأساسية للقارة الأفريقية يعد جنونًا بكل المقاييس، ويرى أن بالإمكان التوصل إلى وضع أفضل. وفي رأيه، فقد حان وقت اتباع نهج جديد، نهج ينتج طعامًا مصنعًا محليًا للسكان المحليين. يعتقد الكاتب أن الأمر لا يتعلق بأن ينقذ العالم أفريقيا فحسب، مفسرًا ذلك بأن فرص الكسب التجاري المربحة والحقيقية في رأيه موجودة على طول سلسلة التوريد بدءًا من المزارعين وحتى الأسواق. وأضاف في هذا الصدد أن الاستثمار في الأمن الغذائي في أفريقيا مسؤولية مجتمعية أيضًا، وأن على الحكومات كذلك تأدية دورها بالالتزام بإمداد الغذاء محليًا وتقليل الواردات المكلفة. ويعدد الكاتب المنافع الأخرى التي تعود على القارة الأفريقية والعالم وفقًا لاقتراحه، مشيرًا إلى أن الاستثمار في الزراعة له منافع أخرى. فالأمن الاقتصادي الإقليمي المعزز قد يقلل العوامل التي تثير النزوح والحروب، ويمكن أن تستخدم وكالات الإغاثة، مثل برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، فائض المحاصيل عند المزارعين الأفارقة لإمداد مناطق الصراع.

Embed from Getty Images

ويطرح الكاتب كذلك أن شبكة الغذاء الإقليمية يمكنها جلب الطعام إلى المناطق التي ضربها الجفاف، مثل منطقة الساحل، بطريقة أسرع وأكفأ.

لماذا لا تساعد إعانات الغذاء في محاربة سوء التغذية؟

يرجح الكاتب أن زيادة الأمن الغذائي ربما يعالج أيضًا قضية الفقر واليأس اللذين يدفعان الكثير من الأفارقة إلى الهجرة والمخاطرة بحياتهم -وخسارتها في كثير من الأحيان- أثناء محاولة عبور البحر المتوسط للوصول إلى أوروبا. قد تتصدر المجاعات عناوين الصحف الرئيسية، لكن سوء التغذية يسلب من الأطفال مستقبلهم، ذلك أن له آثارًا غير قابلة للإصلاح. يقول سيجيسما في مقاله بصحيفة «الجارديان» إنه إذا لم يحصل الأطفال على التغذية والفيتامينات المناسبة مبكرًا في أول ألف يوم من حياتهم، يتدهور نموهم العقلي ويكبرون مصابين بإعاقات النمو، إذ يصبحون أقصر وأضعف ويعانون من صعوبات تعلم تحد بشدة من إمكاناتهم كأشخاص بالغين. ويتساءل سيجيسما: لماذا لا تساعد إعانات الغذاء في محاربة سوء التغذية؟ ويجيب على ذلك أن الجزء الأكبر منها يتكون من كربوهيدرات عالية السعرات وقليلة القيمة الغذائية مثل وجبات الذرة، مستطردًا أن تلك الأغذية لا تمنع نقص النمو أو أي مشكلات صحية خطيرة أخرى، مثل فقر الدم، بل أنها حتى قد تجعل الدول أضعف لأن المرضى لا يمكنهم العمل ويحتاجون إلى رعاية صحية أكبر. ووفقًا لتقرير التغذية العالمي، يمكن أن تحقق التغذية الأفضل 16 مليون دولار على الأقل لكل مليون دولار مُستثمر في الاقتصاد المحلي، ببساطة بتحسين الصحة العامة. بناءً على هذا كله، يعتبر الكاتب أن الأمن الغذائي في أفريقيا هدفًا قابلًا للتحقيق، وتحتاج الشركات الخاصة إلى اتخاذ خطوات للاستثمار في مستقبل أفضل. وختامًا يقول إنه بالإمكان القضاء على الجوع في أفريقيا بمساعدة المزارعين المحليين والحكومات.

عنصرية بعض الجيوش الإفريقية تجاه العرب

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s