هل يمكنك تخيل حياةٍ مديدة خاليةٍ من الألم والقلق والخوف تُشفى فيها جراحك بسرعة ويكون فيها حتى التهام الفلفل الحار أمرًا عذبًا وجالبًا للسرور؟ يبدو أن هذا التصور الفردوسيّ ليس إلا الحياة العادية التي عاشتها امرأةٌ اسكتلندية طوال سنينها السبع وسبعين. عن حياتها وقصة اكتشافها يأتي تقريرٌ نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، وكذلك ما يمكن أن تحمله جيناتها لمستقبل العلم والدواء.

مخاضات هنيئة

قبل أن تصل جو كاميرون إلى موعد ولادتها حُكيَ لها عن ألم الولادة وعن وجوب تحمّلها لكل ما ستتعرض له أثناء العملية، لكنها لم تشعر بأيّ انزعاج في ساعات مخاضها حتى مع عدم تلقيها حقنة الإبديورال. تستذكر كاميرون تلك الساعات بقولها: «شعرت بأن جسدي يتغير، لكنه لم يؤلمني» مشبهةً إياه بـ«دغدغة»، كما أصبحت تطمئن الأمهات الحوامل لاحقًا: «لا تقلقي، ليس الأمر سيئًا بقدر ما يحكي الناس».

لم تدرك كاميرون أن صديقاتها لم يكنّ يبالِغن إلا مؤخرًا فقط – بعد أكثر من أربعة عقود – وأن الحقيقة تكمن في اختلاف طريقة اختبار جسدها للألم عن الآخرين، أو بالأحرى عدم شعورها بالألم في معظمه.

يعتقد العلماء أنهم يفهمون السبب وراء هذا الأمر النادر الآن، وقد نُشرت ورقة بحثية حديثة في المجلة البريطانية للتخدير عزا فيها الباحثون حياة السيدة كاميرون الخالية من الألم تقريبًا إلى طفرةٍ في جينٍ غير محدد سابقًا، مع أملِ إسهام هذا الاكتشاف في تطوير علاجٍ جديد للألم في نهاية المطاف.

يرى هؤلاء الباحثون أيضًا ارتباطًا بين تلك الطفرة وسبب قلة شعور كاميرون بالخوف أو القلق طوال حياتها، وكذلك قدرة جسدها على الشفاء السريع. يعقب رئيس مجموعة مستقبلات الألم الجزيئية جون وود: «لم يمر علينا مريض مثلها قط».

«لا أشعر بالألم أبدًا، ولا أشعر بالقلق، وقد حظيتُ بحياةٍ سعيدة». المصدر

عمِد العلماء إلى توثيق دراسات حالاتٍ لأفراد يختبرون ألمًا ضئيلًا أو شبه معدوم منذ ما يقارب 100 عام، لكن يبدو أن طفرة انعدام الألم الجينية عند كاميرون لم تُحدد من قبل أبدًا. ولذا أتت الدراسة الحديثة تلك وسط نقاش مشحونٍ عاطفيًا بشأن كيفية علاج الألم بمسؤولية. ففي أواخر شهر مارس (أذار)، رفعت ولاية نيويورك واحدةً من أكثر القضايا القانونية شمولًا حتى الآن ضد عائلة ساكلر مالكيّ شركة «بورديو فارما» الصانعة مسكن الآلام الأفيوني أوكسيكنتن (OxyContin).

يقول اختصاصي الأعصاب في جامعة ييل ـ ومؤلف كتاب «مطاردة الرجال المحترقين: قصة البحث عن جين الألم» – د.ستيفن واكسمن: «إنه تذكير آخر لنا بحاجتنا إلى بدائل للألم المزمن أقل تسببًا للإدمان». لم يشارك واكسمن في ورقة البحث الأخيرة، لكنه يدرس أيضًا الأشخاص ذوي الطفرات النادرة المغيّرة لتجربتهم مع الألم، ويشرح الأمر قائلًا: «تعلمنا كل طفرةٍ من هذه الطفرات شيئًا، وتشير إلى جينٍ معينٍ هدفًا محتملًا لأدوية ألمٍ جديدة بفعاليةٍ أكبر».

حالة تستحق البحث

يورد التقرير حكاية تدارس العلماء لجينات كاميرون التي بدأت منذ حوالي خمس سنوات، حين كانت تعيش حياة سعيدةً وعادية – كما تصفها – على ضفاف بحيرة لوخ نيس مع زوجها في اسكتلندا. أجرت آنذاك عملية في يدها، وبعدها احتار طبيبٌ في حالتها: إذ لم تعانِ من أيّ ألم، ولم تطلب أيّ مسكنات.

وتتذكر كاميرون قولها للدكتور ديفجيت سريفاستافا، استشاري طب التخدير والألم في مستشفى الخدمة الصحية الوطنية شمالي اسكتلندا وأحد مؤلفي الورقة البحثية: «أضمنُ أني لن أحتاج إلى أيّ شيء». وبعد بعض الأسئلة الإضافية تبيّن أن السيدة كاميرون غير عادية؛ إذ كانت في حاجةٍ حينها – بعمر 65 – إلى استبدال مفصل وركها، لكن ولعدم معاناتها من أيّ ألمٍ منه سابقًا، لم تلحظ شيئًا حتى تدهور بشدة.

لم تؤلمها الجروح أيضًا، ولا الحروق، ولا الكسور، في الواقع غالبًا ما كان تتنبه إلى هذه الحالات برائحة احتراق اللحم، أو بفضلِ زوجها. كما أفادت أنها لم تشعر بأكثر من «توهج لطيف» عند تناولها للسكوتش بونيه وهو من أقوى أنواع الفلفل الحار.

مترجم: ماذا يعني أن تصاب باضطراب ثنائي القطب؟ هذه الصور توثق رحلة المرض

بعد هذه الحادثة، أحالها د. سريفاستافا إلى كلية لندن الجامعية حيث توجد مجموعة مستقبلات الألم الجزيئية، وهي عبارة عن فريق يركز على المناهج الوراثية لفهم بيولوجيا اللمس والألم. كانت كاميرون حالة استثنائية بالفعل، فبالرغم من تحديد العلماء سابقًا عشرات الأشخاص ممن يختبرون الألم بطرق غير عادية، لكن عند فحص الدكتور جيمس كوكس – محاضر أقدم في المجموعة ومؤلف ضمن الورقة البحثية الحديثة – لملفها الوراثي، وجدها لا تشبه أيًا من الأشخاص الآخرين ممن يحيون دون ألم.

وقد وجد في النهاية ما يبحث عنه على جين يسميه العلماء «FAAH-OUT»، وهو جينٌ نملكه جميعنا، لكن هنالك «حذف يزيل الجزء الأمامي من الجين» لدى كاميرون. تعززت هذه الفرضية بتحاليل الدم الإضافية اللاحقة.

صُدمت كاميرون من مدى الاهتمام الذي استجلبته حالتها، إذ إنها لم تفكر بالألم قبل محادثتها مع د. سريفاستافا. ربما ما ساهم بالأمر أنه بالرغم من كثرة إحراقها وجرحها لنفسها، لكن نادرًا ما تترك إصاباتها ندوبًا، وهو شيء آخر يعتقد العلماء ارتباطه بالطفرة تلك.

كُتبت مقالات عدة سابقًا عن آباء أطفالٍ يمرون بظروفٍ مماثلة، وكيف يخاف الكثير منهم من فكرة ألا يتعلم أطفالهم كيف يتجنبون إيذاء النفس لانعدام الألم، لكن كاميرون تقول إن والديها لم يهتما بهذه المسألة، وهي تشتبه في أن ذلك يعود لوراثتها الطفرة من والدها، مضيفةً: «لا أذكره احتاجَ إلى أيّ مسكناتٍ للألم يومًا، أعتقد أن هذا سبب عدم استغرابي للأمر».

للأسف توفي الأب قبل هذا الاكتشاف، ولذا لن يُعلم ما إذا كان يحمل الطفرة الجينية أم لا. لم توجد الطفرة لا عند والدتها ولا عند ابنها، أما ابنها فهو حسب قول د. كوكس «لديه نفس الحذف الميكروي في FAAH-OUT، لكن ليس لديه الطفرة الأخرى التي تمنح وظيفة FAAH المخففة». بعبارةٍ أخرى، يشاركها ابنها بعض انعدام حساسيتها للألم، وليس كله.

فُتِن العلماء أيضًا بمستويات القلق المتدنية على نحوٍ استثنائي عند كاميرون؛ إذ أحرزت درجة صفر من أصل 21 في استبيانِ اضطراب القلق، كما أنها لا تتذكر أنها شعرت يومًا بالاكتئاب أو الخوف. تقول كاميرون: «أنا سعيدة للغاية».

وباسترجاعِها الماضي، تدرك كاميرون أكثر كيف ساعدتها الطفرة الجينية في عملها، فبعد تدريسها المرحلة الابتدائية لسنوات، عادت إلى العمل مع أشخاصٍ ذوي إعاقاتٍ عقلية شديدة مضيفةً هنا بأن السلوكيات العدوانية والمتقلبة لا تغضبها أبدًا.

قد يبدو امتلاك هذه الطفرة الجينية حلمًا جميلًا، لكن للأمر جوانبه السلبية كما ينبّه التقرير. على سبيل المثال: كاميرون كثيرة النسيان؛ ما يجعلها عرضةً لنسيان مفاتيحها وسلسلة أفكارها. كما أنها لم تشعر يومًا باندفاع الأدرينالين الذي يتحدث عنه الآخرون، وفقًا لتعبيرها.

طموحات طبية

يقول الباحثون الآن إنهم بصدد التركيز على محاولة الوصول لفهم أفضل بشأن كيفية عمل الـ«FAAH-OUT» ليتمكنوا من تصميم علاجٍ جيني أو غيره من أساليب التدخل الطبي لمعالجة للألم. يتطلب تحويل هذا النوع من الاكتشافات إلى علاجٍ فعلي للألم أو القلق خطواتٍ متعددة وسنواتٍ كثيرة، والملايين من الدولارات. ففي النهاية ظهور المنتجات أمر نادر، لكنه ليس بدعةً لا سابق لها كما يؤكد د. واكسمان.

يذكّر د. واكسمان بأدوية الستاتين مثالًا بارزًا عن الأثر الممكن حدوثه من حالةٍ فردية لشخصٍ بتركيب جينيّ مختلف عن المعتاد على تشكيلِ مستقبل الدواء، موضحًا: «طُوِرت – تلك الأدوية – اعتمادًا بقدرٍ كبير على أسسِ واكتشافاتِ عائلاتٍ نادرةٍ للغاية يعاني أفرادها أزماتٍ قلبية في العشرينات من عمرهم».

لكن من السابق لأوانه الجزم فيما إذا كانت طفرة كاميرون أو طفرة فردٍ آخر ستحدد مستقبل مسكنات الألم. يضيف د. واكسمان هنا: «لكني على ثقةٍ إلى حدّ معقول من أن الدروس التي نتعلمها من الجينات المعنية بالألم ستقودنا إلى تطوير فئةٍ من أدوية الألم جديدةٍ تمامًا».

«ذي أتلانتك»: علماء يجرون تجربة علمية تستغرق 500 عام.. هل هذا ممكن؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد