يُعرف عن النساء قدرتهن على تأدية أعمال كثيرة في الوقت نفسه، وخاصة إذا كانت أمًّا والأعمال المفروضة عليها مضاعفة، لكن هل تمتلك النساء فعلًا هذه القدرة؟ وهل يمتلكن ما يجعلهن أفضل من الرجال في تعدد المهام؟ في مقالها على موقع «ذا كونفرزيشن»، تجيب الكاتبة ليا روبانر، الأستاذة المساعدة في علم الاجتماع، عن هذا السؤال.

لطالما عد تعدد المهام من اختصاص النساء؛ فعادةً يكون على المرأة، خاصة إذا كانت أمًّا لأطفال، التوفيق بين متطلبات وظيفتها وأسرتها، التي تشمل في حد ذاتها خليطًا جنونيًّا من تجهيز علب طعام الأطفال، والأعمال المنزلية، وتنظيم مواعيد أفراد الأسرة، والترتيبات الاجتماعية، لكن ليا تشير في مقالها إلى دراسة جديدة، نشرتها دورية «PLOS One» العلمية، تظهر أن النساء في الحقيقة لا يتفوقن على الرجال في أداء المهمات المتعددة.

وبحسب المقال، فقد اختبرت الدراسة ما إذا كانت النساء أفضل من الرجال في التبديل بين المهمات وأداء عدد منها في وقت واحد، وقد أثبتت النتائج أن أدمغة النساء ليست أكثر كفاءة من أدمغة الرجال، لا في هذا ولا ذاك.

وترى كاتبة المقال أن الاستعانة ببيانات قوية لتحدي خرافات مثل هذه هي أمر مهم، خاصة بالنظر إلى أن النساء يتلقين وابلًا متواصلًا من مهام العمل، والعائلة، والمهام المنزلية.

لا أحد يبرع في تعدد المهام

يتمثل تعدد المهام، وفقًا للكاتبة، في أداء عدد من المهمات المختلفة خلال وقت قصير، وهو الأمر الذي يتطلب تبديل الانتباه بين تلك المهمات بسرعة وباستمرار، مما يزيد من المتطلبات الإدراكية مقارنةً بإتمام كل مهمة على حدة وبالتتابع.

واعتمدت هذه الدراسة الجديدة، وفقًا للمقال، على مجموعة من الأبحاث الموجودة بالفعل، التي تثبت أن دماغ الإنسان لا يمكنه معالجة عدة أنشطة في وقت واحد، خاصة إذا كان هناك تشابه في تلك المهمات، إذ تصير هناك منافسة لاستخدام الجزء نفسه من الدماغ، مما يجعل إنجاز المهام المتعددة شديد الصعوبة.

لكن الدماغ البشري ماهر في التبديل بين الأنشطة بسرعة، فيجعل الناس يشعرون بأنهم يؤدون مهمات متعددة في وقت واحد، لكن ما يحدث في الحقيقة هو أن الدماغ يعمل على مهمة واحدة فقط في المرة، بحسب مقال  «ذا كونفرزيشن».

Embed from Getty Images

وفي هذه الدراسة الجديدة، عقد علماء ألمان مقارنة بين 48 رجلًا و48 امرأة، على صعيد مدى قدرتهم على التعرف إلى الحروف والأرقام. وفي بعض التجارب، طلب من المشاركين أن يؤدوا مهمتين في وقت واحد (ما يُسمى تأدية مهمات متعددة بالتزامن)، بينما في تجارب أخرى طلب منهم تبديل انتباههم بين المهمات (ما يسمى تأدية مهمات متعددة بالتتابع).

ثم قاس العلماء وقت ردود الفعل ودقتها في تجارب تعدد المهام مقابل التجربة المضبوطة بعنصر واحد (أداء مهمة واحدة فقط في المرة)، وخلص العلماء في النهاية، بحسب المقال، إلى أن تعدد المهام أثر بطريقة ملموسة على سرعة إتمام المهمات ودقتها، سواء بين الرجال أم النساء؛ إذ لم يكن هناك أي فارق بينهم.

لسن أفضل في الأعمال المنزلية أيضًا

تشير كاتبة المقال ليا إلى أنها وزملاء لها دحضوا مؤخرًا أسطورة أخرى مشابهة؛ وهي أن النساء أفضل من الرجال في ملاحظة الفوضى؛ إذ خلصوا إلى أن الرجال والنساء تساووا في تقييمهم لنسبة الفوضى في مكان معين.

وحسبما ترى، فإن السبب الذي يجعل الرجال يؤدون أعمال تنظيف أقل، يكمن في امتلاك النساء معايير أعلى من الرجال في النظافة، وليس في إصابة الرجال بالعمى تجاه القذارة، مشيرة إلى أن بيانات حديثة أظهرت أن الرجال الأستراليين يقضون الآن وقتًا أطول في أداء الأعمال المنزلية مما اعتادوا، ومع ذلك، ما تزال النساء تؤدي الغالبية العظمى من الأعمال المنزلية.

«فوربس»: الجمع بين الأمومة والعمل أمر صعب.. هذه نصائح قد تجعله أسهل

ولفتت أيضًا إلى أن النساء الأستراليات شهدن زيادة في إجمالي الوقت الذي يقضينه بين العمل والأنشطة العائلية، وأن النساء العاملات يقضين أربع ساعات أسبوعيًّا في هذه النشاطات أكثر من الرجال العاملين.

ما يعني أن الأمهات العاملات يكون عليهن الموازنة بين التخطيط لأعياد ميلاد أطفالهن، وتوصيلهم إلى حضاناتهم وإلى دروس الباليه، كل ذلك بالإضافة إلى وظائفهن العادية، والذهاب والعودة منها وإليها، وحياتهن المهنية.

أضرار هذه الخرافة على النساء

تتساءل ليا في مقالها لماذا نطلب من النساء تأدية مهام متعددة إذا كان ذلك يؤدي إلى توتر أدمغتهن بالدرجة نفسها مثل الرجال؟ والأهم من ذلك، ما التبعات المترتبة على هذا الأمر؟

وتشير إلى أن البحث الذي أجروه أظهر أن الأمهات مضغوطات في الوقت أكثر من الآباء، ويبلغن عن تدهور أكبر في الصحة النفسية، فضلًا عن أن ميلاد الطفل الأول يزيد من شعور الأبوين بالعجلة وضيق الوقت، إلا أن هذا التأثير يزيد الضعف عند الأمهات.

أما الطفل الثاني فهو يضاعف ضيق الوقت للأم مرة أخرى، ويؤدي نتيجة لذلك، إلى تدهور صحتها النفسية، بحسب الكاتبة، التي أشارت إلى أن النساء تميل أيضًا إلى ترك أعمالهن مدفوعة الأجر عند ولادة الأطفال، أو عندما تتفاقم متطلبات الأسرة؛ إذ تتكبد حملًا نفسيًّا أكبر يرتبط بتنظيم حاجات الأسرة، من تنظيف الجوارب، وإيصال الأطفال إلى المدرسة، وما إذا كان هناك طعام يكفي للغداء.

ويأتي كل هذا العمل، وفقًا للكاتبة، على حساب وقت التخطيط لعمل اليوم التالي، والترقية المقبلة، وغير ذلك، وإلى جانب هذا، تكون النساء مطالبات بأمور إضافية، ومنها التعامل مع تعدد المهام الأسرية أثناء الليل؛ فعادة ما يميل الأطفال إلى إيقاظ الأم وليس الأب.

وتقول إنه على الرغم من تغير الدور الذي يلعبه كل جنس، وتولي الرجال جزءًا أكبر في الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال مقارنة بالماضي، ما تزال الفجوة بين الجنسين موجودة في ميادين مهمة كثيرة في العمل والحياة العائلية، ويشمل هذا تقسيم رعاية الأطفال والأعمال المنزلية، والتفاوت في الأجور، ونسبة وجود النساء في المناصب العليا.

ولذا، فما تعنيه خرافة تعدد المهام هو أن الأمهات من المتوقع منهن «فعل كل شيء»، غير أن هذا الالتزام قد يكون له تأثير سلبي على الصحة النفسية للمرأة، وكذلك على قدرتها على التفوق في مجال العمل.

الحل؟ تحدي المفاهيم الخاطئة

تشير الكاتبة إلى إصرار الرأي العام على أن للنساء ميزة بيولوجية تجعلهن خارقات في تولي مهام متعددة في وقت واحد بكفاءة، لكن ما يظهره هذا البحث هو أن هذه الخرافة غير مدعومة بالأدلة، ويعني هذا أن الأعمال المنزلية الإضافية التي تؤديها النساء ليست إلا أعمالًا إضافية، وعلينا أن نرى الأمر على هذا النحو.

Embed from Getty Images

وترى الكاتبة أن الحل للتخلص من تلك الخرافة يبدأ من داخل الأسرة، إذ ينبغي تصنيف هذا العمل الإضافي، ومناقشته وتوزيعه بإنصاف، مشيرة إلى أن هناك الآن عددًا أكبر من الرجال يدعمون المساواة بين الجنسين والمشاركة المنصفة وتقاسم دور التربية أكثر من أي وقت مضى.

وتتابع أنه مثلما هدمنا هذه الخرافة داخل المنزل، علينا أن نفعل المثل في مكان العمل أيضًا؛ إذ إن افتراض كون المرأة أفضل في تعدد المهام يمكن أن يؤثر على توزيع المهمات الإدارية، مشيرة إلى أنه لا يجب أن يكون توزيع بعض المهمات مثل تدوين الملاحظات وتنظيم الاجتماعات مبني على نوع الجنس.

أخيرًا، ترى الكاتبة أنه على الحكومات كذلك هدم هذه الخرافة في سياساتها؛ إذ يضيف الأطفال على كاهل الأمهات قدرًا من العمل لا يمكن تأديته في الوقت نفسه بسهولة، لذلك تحتاج النساء إلى أن تتوافر بسهولة رعاية عالية الجودة للطفل.

وتشير أيضًا إلى أن الرجال بحاجة إلى أن يكونوا قادرين على الحصول على وظائف مرنة، وإجازات أبوية وإجازات لرعاية الطفل، وأوجه حماية لضمان عدم تعرضهم للعقاب على أخذهم وقتًا مستقطعًا للمشاركة في تقديم هذه الرعاية.

وتنهي الكاتبة حديثها بالقول إن هدم تلك الأساطير التي تتوقع من النساء أن يكن خارقات هو أمر جيد، لكن علينا أن نمضي قدمًا ونضع بيئات سياسية تزدهر فيها المساواة الجنسانية.

مترجم: كذبة تعدد المهام «multitasking».. يستنزف طاقة عقلك ويقلل إنتاجيتك

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد