شكَّلت محاربات الأمازون في مملكة داهومي القديمة الجيش النسائي الوحيد في العالم، بينما يقاتل أحفادهن اليوم لاستعادة إنسانيتهن.

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعدَّته دانييل باكيت، مديرة مكتب الصحيفة في غرب أفريقيا، سلَّطت فيه الضوء على محاربات الأمازون الحقيقيات (الأمازونيات أو محاربات الأمازون في ثقافة الشعوب هن من المقاتلات النساء وأول من سخَّر الحصان لأغراض القتال كما تروي الميثولوجيا والأساطير وعلى رأسهم الميثولوجا الإغريقية) في مملكة داهومي القديمة في غرب أفريقيا (بنين حاليًا) قبل قرون وما آلت إليه أحوال أحفادهن اليوم.

تحكي الكاتبة في مستهل تقريرها على لسان نانليهوندي هودانو، سيدة عجوز من بنين، أن جَدَّتها كان يمكنها أن تفصل رأس رجل عن جسده مستخدمة سيف بشفرة منحنية، وفضلًا عن ذلك كان يمكنها تسلُّق جدار شائك، وكرَّست حياتها للدفاع عن الملك. وبحسب ما تقول تلك العجوز، وردت هذه التفاصيل، وكلها صحيحة، في مذكرات المستكشفين الأجانب. لكنهم أخفقوا في تصوير القصة كاملة.

الجيش النسائي الوحيد

ولفتت الكاتبة إلى أن نانليهوندي تريد أن يعرف الناس المزيد عن محاربات الأمازون في مملكة داهومي، الجيش النسائي الوحيد المُوثَّق في التاريخ الحديث. وأمضى الباحثون عقودًا من الزمن في البحث في محفوظات دول أوروبا وغرب أفريقيا لرسم صورة عنهن من كتابات الضباط الفرنسيين والتجار البريطانيين والمبشرين الإيطاليين.

تكنولوجيا

منذ شهرين
هل تصدّق بوجود الفضائيين؟ إليك تاريخ الأجسام الطائرة المجهولة الذي قد لا تعرفه

بيد أن عامل الزمن والحكم الاستعماري أتيا على جزء حاسم من إرث الأمازونيات: إنسانيتِهن.

وقالت نانليهوندي، البالغة من العمر 85 عامًا وتُعد واحدة من آخر الأشخاص على وجه الأرض الذين نشأوا مع إحدى الأمازونيات، إن «جدتي كانت من محاربات الأمازون وكانت لطيفة. وقد ذاع صيتها بحماية الأطفال».

وتنوِّه الكاتبة إلى أن التاريخ غالبًا ما يُروى من خلال عدسة الغُزاة. وقد تعلَّمت أجيال من تلاميذ المدارس الأمريكية عن «اكتشافات» كريستوفر كولومبوس في القرن الخامس عشر أكثر مما تعلموه عن سجله في استعباد السكان الأصليين. وألبست بريطانيا استيلاءَها عام 1897 على مملكة غرب أفريقيا ثوب «المهمة العقابية»، متستِّرةً بذلك على السرقة الجماعية للقطع الأثرية البرونزية التي لا تُقدَّر بثمن.

وبعد أن استولت فرنسا على ما يُعرف الآن بدولة بنين في عام 1894، قام ضباط المستعمرات بحلِّ القوة الفريدة للمحاربات في الإقليم، وفتحوا قاعات دراسية جديدة، ولم تُذكَر كلمة عن محاربات الأمازون في المناهج الدراسية. وحتى اليوم، لا يعرف كثير من سكان بنين البالغ عددهم 12 مليون نسمة سوى القليل عن جدَّاتهم.

محاربات الأمازون وإعادة كتابة التاريخ

ونقلت الصحيفة عن الخبير الاقتصادي البنيني، ليونارد وانتشيكون، وهو أستاذ في الشؤون الدولية في جامعة برينستون، قوله إن الفرنسيين حرصوا على عدم معرفة هذا التاريخ، مضيفًا أنهم «قالوا إننا كنا شعبًا متخلفًا، وأنهم يرغبون في مساعدتنا على «اللحاق بركْب الحضارة»، لكنهم دمَّروا فرص معرفة تاريخ النساء اللاتي لم تكن موجودة في أي مكان آخر في العالم».

Embed from Getty Images

ويعمل الآن فريق من الباحثين البنينيين لإعادة تشكيل روايتهم. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، يقتفي المؤرخون في المدرسة الأفريقية للاقتصاد، وهي جامعة خاصة أسسها وانتشيكون بالقرب من العاصمة كوتونو، أثر أحفاد الأمازونيات في جميع أنحاء البلاد.

ويهدفون بذلك إلى جمع الذكريات المحلية لكتاب يمكن تدريسه في المدارس، وذلك بهدف تقديم رؤية ثلاثية الأبعاد للأمازونيات الحقيقيات. ويُعتقد أن 50 امرأة فقط نجَوْن من الحرب التي استمرت عامين مع فرنسا. وتوفيت آخرهن في سبعينيات القرن الماضي.

وقد ثبت أن العثور على أحفادهن يزداد صعوبة مع مرور الوقت. وعلى النقيض من الأوروبيين الذين لجأوا لكتابة الرسائل لتسجيل ماضيهم، كان سكان غرب أفريقيا يفضلون الطريقة الشفوية، فينقلون القصص شفاهةً من جيل إلى جيل. ولم يُوثَّق الكثير عن الأمازونيات بعد الحرب.

يقول سيرج أويتونا، الباحث في المشروع، إن هذه القصص السردية تموت بموت أصحابها، موضحًا أن «الأمازونيات كن ذوات بَأسٍ شديد، وكن يتمتعن بتأثير كبير. لكن الجميع توقف عن الحديث عنهن بعد الغزو الاستعماري».

حداثة في التاريخ الحديث

وتمضي الكاتبة قائلة إن مملكة داهومي، ولمدة ثلاثة قرون على الأقل، كانت قوة مهيبة في غرب أفريقيا، والتي يمكن موازنتها بإسبرطة (إحدى أشهر المدن ـ الدويلات القوية في التاريخ اليوناني). وتحدث الزائرون الأوروبيون عن محاربات الأمازون، وخلعوا عليهن ألقابًا مثل الجنديات ومقاتلات ميدوسا (أسطورة إغريقية وهي رمز للقوة)، غير أن الاسم الذي علق في أذهان سكان بنين الحديثة هو الأمازونيات.

وكتب أرشيبالد دالزيل، إداري بريطاني في المنطقة، في عام 1793: «مهما كانت براعة الأمازونيات بين القدماء، فهذا أمر مستحدث في التاريخ الحديث (تكوين جيش من النساء)».

ووصف مسؤول فرنسي فيما بعد مملكة داهومي بأنها «بالتأكيد الدولة الوحيدة في العالم التي تقدم مشهدًا فريدًا لمنظمة من النساء بوصفهن جنودًا»، وفقًا للصحافي الأمريكي ستانلي ألبيرن. أعلنت دار النشر الفرنسية «لاروس» أن هؤلاء النساء هن «الأمازونيات الوحيدات المعروفات لنا على مدى التاريخ».

وتلفت الكاتبة إلى أن أصل محاربات الأمازون يكتنفه الغموض، لكن المؤرخين يقولون إن الأمازونيات ربما يكُن متجذِّرات في عهد الملكة هانجبى، التي حكمت إلى جانب شقيقها التوأم في أوائل القرن الثامن عشر واحتفظت بحاشية من الحارسات الشخصيات.

Embed from Getty Images

وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، كانت مملكة داهومي تتباهى بامتلاكها الآلاف من القوات النسائية في سعيها إلى التفوق على الممالك المنافِسة. وعندما اندلعت الاشتباكات، كان من المعروف أن المنتصرين يجبرون أعداءهم على العمل أو يبيعونهم في تجارة الرقيق.

وكانت الأمازونيات يبدأْنَ التدريب في مرحلة الطفولة على استخدام الشفرات، وتحميل بنادق فلينتلوك، وتسلق الحواجز الشائكة. وكنَّ يشربْنَ البراندي المستوردة ويرددْن أغاني الحرب.

وانتهى هذا التقليد مع الغزو الفرنسي للبلاد. وكتب جنرال فرنسي أن النساء «قدَّمن دليلًا على شجاعة كبيرة للغاية في مواجهة الهزيمة»، بحسب ما نقل الصحافي ألبيرن.

ويقدر المؤرخون أن ما يقرب من ألفين من محاربات الأمازون لقَيْن حتفَهُن في المذبحة، فيما ذابت الـ50 ناجية في الدولة الجديدة. ولم يبق من أثرِهن سوى القليل في أبومي، العاصمة السابقة للمملكة.

ويُزين زوج من الحرفيين في قصر الملك جليل الذي أعيد بناؤه؛ إذ بنى كل ملك من ملوك داهومي الـ12 قصرًا خاصًّا به، لافتات لأمازونيات يحملن بنادق ويتشاجرن مع الرجال ويمسِكن برؤوس مقطوعة.

كذلك تدلل لافتة صدِئة في أحد شوارع المدينة الزائرين أن كنيسة كاثوليكية تحتل الآن أراضي معسكر سابق لمحاربات الأمازون.

نافيفوفو!

تحكي نانليهوندي في اجتماعات مجتمعية عن جدتها، نافيفوفو، المحاربة التي أعدَّت حساء البامية للأطفال الجياع. وتروي لهم أن جدتها الطويلة والنحيلة حطَّت رحالها في قرية نانغهوي بعد الحرب، وكانت تعمل في حصد زيت النخيل مقابل المال قبل الزواج من جد نانليهوندي. وأقام الزوجان في منزل من الطوب اللبِن، حيث يعيش أقاربها اليوم، فيما يستمتع جيرانهم بموسيقى الهيب هوب عبر المذياع.

وتقول نانليهوندي وهي جالسة على باب ذلك المنزل: «وظيفتي هي أن أُبقي سيرة جدتي حيَّة. وأنا واحدة من العجائز في هذه القرية، لذا فإني منوطة بتعليم الشباب تاريخهم».

وتشير الكاتبة إلى أن تقدُّم نانليهوندي في السن يعطيها أولوية التحدث عندما يجتمع الناس لمناقشة القضايا الكبرى، مثل الانتخابات والجفاف والجائحة، وتشارك أيضًا القصص عن جدتها نافيفوفو. وقالت إنه من الصعب جذب انتباه المراهقين لتعلم هذا التاريخ، لكنها تحاول أن تكون تلك القصص مسلية، مشيرةً إلى أنها تفعل ذلك مستخدمة «أغاني الحرب»، وأخذت تردد: «نحن فخورون بأبناء المملكة، وسندافع عنها».

محاربات الأمازون في مملكة داهومي القديمة

وكانت نانليهوندي في سن المراهقة عندما ماتت جدتها المحاربة. وتتداعى الذكريات عندما تشتم رائحة توابل الخردل، فقد كانت الجدة نافيفوفو تطبخ لأطفال الحي، وكانوا يقصدون منزلها مسرعين إذا بدا لهم ما يسوءهم.

وقالت والبَسْمة تعلو وجهها: «لم يكن آباؤهم يجرؤون على ضربهم في منزلها. حتى قبل أن نبدأ الحديث عن «حقوق الإنسان»، لم تكن نافيفوفو لتسمح بذلك». ثم ضحكت قائلة: «كان الجميع يعلم أن السيدة العجوز ستفوز في أي نزال».

أضنة

ويستعرض التقرير محارِبة أخرى تُدعى أضنة، والتي كانت تتوق إلى ساحات المعارك. وأخبرت أضنة أحفادها بأن الأعمال المنزلية لا تروق لها، وأنها تفضل نصب الكمائن للأعداء. وكانت تُقاتل بيديها العاريتين (دون سلاح)، وهما سلاحها المفضل؛ إذ يستغرق إعداد البندقية وقتًا طويلًا.

تقول حفيدتها، أيبيلي دهوي، البالغة من العمر 72 سنة: «أخبرتني كيف كانت تخنق خصومها، مستخدمة أظافرها الطويلة». لقد حوَّلت أصابعها إلى مخالب.

وكانت أيبيلي تبلغ من العمر 12 عامًا تقريبًا عندما سمعت قصص الحرب لأول مرة. وحثَّتها جدتها على الانضمام إلى الجيش يومًا ما إذا استطاعت. واعتقدت أضنة أن المعارك علمتها دروسًا في الحياة، مثل تعلم الصبر والهدوء والتصرف بطريقة مدروسة.

وعلَّمت الأمازونيات أحفادهن الدفاع عن النفس بعدما كانوا يبلغون سن الرشد. ولم تستخدم أيبيلي حركة الخنق أبدًا، لكنها استوعبت إحساسًا بالاستعداد لذلك. وذات يوم، وبعد إنجابها لأطفالها، اصطحبتهم إلى السوق ودخلت في جدال مع امرأة بشأن مَنْ يشتري آخر كمية من حبوب الذرة. فهاجمت المرأة أيبيلي. وكان أطفالها يصرخون، لذلك ضربت خصمتها بوعاء من السيراميك.

 قالت أيبيلي: «كان بإمكاني الهرب، لكن جدتي علمتني الدفاع عن نفسي».

ياكيتو

وتتابع الكاتبة قائلة: لم يكن في قرية ديتوهو أي تبغٍ قبل ظهور الأمازونيات. وبعد أن نجت من المعركة مع فرنسا، رفضت ياكيتو الأدوار القائمة على النوع، فقد ترفَّعت عن الأعمال المنزلية التي عادةً ما تتحملها النساء؛ وذلك بُغية التركيز على تكوين إمبراطوريتها الزراعية.

سياسة

منذ 4 سنوات
النفوذ الإماراتي في القرن الإفريقي.. وأسئلة الصراع الخفي بين الإخوة الخليجيين

وعرفت ياكيتو مكان العثور على النبتة اللازمة للتدخين، كانت داهومي قد أمدت بلدتها ببذور التبغ قبل سنوات من تجنيدها مع المحاربات. وكانت البذور لدى جيرانها القدامى. وهكذا رحلت إلى هناك.

وقال حفيدها داه ديجيكا ديجبو البالغ من العمر 73 عامًا «لقد كانت مغامرة للغاية».

وكان ديجبو صغيرًا عندما ماتت جدته، ربما 5 سنوات، لذا فإن ذكرياته عن ياكيتو باهتة. لكنه يتذكر نشأته بفخر: تزوج جده من محاربة، وتحول كيس بذور تبغَها الخاص إلى تجارة توظِّف نساء أخريات. وتعمل حفيدة ديجبو في التجارة ذاتها. وقال «هذا هو إرثها».

وبذلت ياكيتو جهودًا مضنية لتحْمل بطفل، لذلك شيَّدت الأسرة معبدًا خرسانيًّا قربانًا للآلهة على مشارف المدينة طلبًا للإنجاب، ولكن لما ذهبت تلك الجهود سُدى، حوَّلت ياكيتو تركيزها إلى توجيه الفتيات.

وفي هذه الأيام، غادرت الشابات اللاتي يعشن مع ديجبو القرية ذهابًا إلى العاصمة، بحثًا عن فرص عمل أفضل. وينسب ديجبو الفضل في ذلك إلى تأثير الأمازونيات فيهن، بحسب ما تختم الكاتبة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد