في معركتهن للحصول على الاستقلال والمساواة الكاملة، تمر المرأة بالعديد من المشكلات التي لم تُصنف بعد، ولم يوضع لها اسم أو تعريف، لكن الجهود المتواصلة تثمر بتطورات قليلة.

في مقالها المنشور في صحيفة «الجارديان» البريطانية، تشاركنا الكاتبة آنا موري مقابلاتها مع نساء تعرضن للعنف الاقتصادي، وتكشف لنا أثره الممتد على مدار حياتهن.

لم تتوقع ريبيكا بيتي حين ذهبت إلى البنك للاستعلام عن بعض المعاملات، معرفة أنها مؤهلة للحصول على قرض قيمته 6 آلاف جنيه استرليني. تمتمت قائلة إنها غير متأكدة من القبول، لكن شريكها رمقها بنظرة، وسألها: «لم لا؟». لاحظ موظف البنك التوتر بينهما، فاقترح أن يأخذا دقيقة بمفردهما واستأذن للذهاب.

«خادمات وعاهرات وعمال بالسخرة».. ماذا تعرف عن الاتجار بالبشر في الوطن العربي؟

تَحكُّم مُطلق

بيتي التي تبلغ الآن 31 عامًا، وتعيش في نيويورك، قالت للكاتبة عن تجربتها: «كنا بالكاد نسد رمقنا، لكنه أقنعني بالأمر. في هذه العلاقة الخطرة، أنتِ في حالة مستمرة لمحاولة تجنب إغضابه». لهذا وقعت على القرض الشخصي باسمها. وحين عادا لسيارتهما (المسجلة أيضًا باسمها)، وجدا مخالفة وقوف موضوعه عليها، ووفقًا لبيتي: «سحبها وقال: (لسنا مضطرين للشعور بالقلق الآن، معنا ما يكفي)».

كانت بيتي آنذاك في الثانية والعشرين، ولم تسمع أبدًا بالعنف الاقتصادي، ولا حتى العنف المنزلي، رغم أنها كانت تعيش في كلاهما. قابلت بيتي شريكها، وحبها الأول، أثناء الجامعة، وحملت في غضون أشهر. كان غيورًا، ومتحكمًا، ثم أصبح عنيفًا، وأخيرًا حين تمكنت من إنهاء العلاقة في سن الرابعة والعشرين، ضربها بعنف حتى أنها احتاجت جراحات تجميلية، وفق ما روته الكاتبة.

ريبيكا بيتي المصدر

لكن هذا ليس ما أرادت بيتي الحديث عنه. خلال سنواتهما الخمس معًا، كافحت بيتي لتوفير الاحتياجات الأساسية لها ولطفلها بإعانة الطفل الشهرية، والدعم المحدود من شريكها الذي يملك متجرًا للدراجات.

وحسب رواية بيتي، حرص شريكها على إخفاء كل ما يتعلق بالمال، وقامر، وأقرض أصحابه. كذلك أخذ بلا إذن بطاقتها المصرفية لسحب المال، ودفعها للتقديم على بطاقات التسوق من المتاجر. ثم بعثر القرض كله في شهور! وقالت بيتي معلقةً: «انتهى القرض بسرعة شديدة، الشيء الوحيد الدال عليه (على وجود القرض بالأساس) هو سرير طفلنا الأول».

بعد تحررها منه، وخروجها من المشفى، وإعادة بناء حياتها، لاحقتها الديون، وحكت للكاتبة قائلة: «نقلت سكني، لكني لم أملك أي شيء، لا أثاث، ولا ستائر، ولا شراشف، وبدأت المطالبات بالديون. ثم تضخم الرقم إلى 20 ألف استرليني، وتوالت الرسائل المهددة باللجوء إلى المحكمة. قابلت كل الأشخاص الممكنين وشرحت الموقف، إلا أنني لا أزال أدفع حتى يومنا هذا، وسأدفع للسنوات الست عشرة القادمة».

معركتها الأصعب هي الديون، بالإضافة إلى فشل شريكها السابق المستمر في دفع مستحقات طفلهما البالغ عشر سنوات. إذ تقول بيتي: «العواقب الاقتصادية معي في كل يوم، كأنها سحابة تحلق فوق رأسي. استطاع هو التجاوز، وأنا مقيدة بسلاسل غير مرئية تسحبني للخلف وتجرني لأسفل». لكنها لم تتوقف عند حكي مأساتها فقط، بل أسست بيتي، وفقًا للكاتبة عملًا تجاريًا كرسته لرفع الوعي بالعنف المنزلي.

اعتراف غير كافي

وتقول الكاتبة إن إدراج «العنف الاقتصادي» في مسودة مشروع قانون العنف الأسري المنشورة في يناير (كانون الثاني) الماضي في بريطانيا هي بمثابة اعتراف بشيء يقول النشطاء الحقوقيون إنه كان مخفيًا أمام أعين الجميع. ولا يقتصر تعريف القانون للعنف الاقتصادي على التحكم في وصول شخص ما لماله، لكن أيضًا تحكمه في الأمور التي يمكن للمال شرائها مثل: السيارة، والهاتف، والبنزين، والطعام، والتدفئة.

بالإضافة لمراقبة إنفاق شخص ما لماله بصورة صارمة، وتكديس ديون باسمه، وتفريغ حسابه البنكي، أو تخريب حياته العملية. ولفتت الكاتبة إلى أنه في إحدى المرات استشهدت آمبر رود في برنامج One Show وقتما كانت تشغل منصب وزير الداخلية بحالة تواصلت مع الشرطة، وحين وصلوا للمنزل، وجدوا ورقة لاصقة على الثلاجة بها عبارة تقول: «أسأل سيد البيت قبل أن تقوم بشيء لنفسك».

كان للطبيبة نيكولا شارب جيفز، مؤسسة منظمة «Surviving Economic Abuse» الخيرية دورًا فعالًا في تضمين تعريف العنف الاقتصادي في القانون، لكن في رأيها ليس التعريف الوارد في القانون كافيًا، إذ تقول: «لا يجرم القانون العنف الاقتصادي نفسه، وهذا ما أردناه، وهم يأملون في اتهام مرتكبه بجرم السيطرة القسرية. لكن وجود تعريف قانوني خطوة أولى جيدة، ستساعد الناجين والشرطة في التعرف على العنف الاقتصادي، وسيسهل على البنوك تفهم المشكلة». خصص القانون أيضًا دعمًا ماليًا لتدريب العاملين الميدانيين، ودعم الضحايا، يدُار معظمه من خلال منظمة «Surviving Economic Abuse».

وتروي نيكولا كيف أنه أثناء العمل على سياسات للمؤسسات العاملة في مكافحة العنف المنزلي، وجدت تركيزها منصبًا على هذه المشكلة، وتقول: «بالحديث مع الناجين، علمت أن العنف الاقتصادي متشابك مع كل شيء، وربما يتحكم في الحياة اليومية لامرأة ما، مثل أين تستطيع أن تذهب، وماذا تأكل».

وتضيف: «كذلك يساعد في حدوث العنف العاطفي، إذ إنه مهين للمرأة، ويضعها في منزلة معاملة الأطفال، مغذيًا بذلك فكرة انعدام القيمة. وأيضًا يضع الناس في خطورة جسدية لأنهم لا يملكون موارد تكفي للمغادرة، وقد يؤثر تأثيرًا بالغًا في قدرتهم على إعادة بناء الحياة بعد الانفصال».

إحصاءات صادمة عن العنف الاقتصادي

وفقًا لكاتبة التقرير، لم يصدر أي إحصاءات من «مكتب الإحصاء الوطني» بشأن حجم العنف الاقتصادي، لكن الدراسات المتعلقة بالعلاقات التي تنطوي على عنف تُظهر وجود العنف الاقتصادي بنسبة تصل إلى 99% فيها كلها، وهو غالبًا العلامة الأولى على السيطرة القسرية.

وبحسب الكاتبة فقد أجرت نيكولا أضخم دراسة في هذا الشأن بالتعاون مع بنك «كو أوبريتيف». واكتشفت الدراسة أن شخص واحد من بين كل خمسة أشخاص اختبر العنف الاقتصادي، وتمثل النساء 60% منهم.

نيكولا شارب-جيفز المصدر

وأظهرت الدراسة أن النساء اختبرن العنف الاقتصادي لفترات أطول، وذكر 80 % منهن تقريبًا أنهن تعرضن لعنف استمر لأكثر من خمس سنوات، مقارنة بنسبة 23 % في الرجال. وهناك أيضًا اختلاف واضح في تفسير العنف، وتوضح نيكولا: «تميل النساء لقول أن شركائهن حرمنهن من المال المخصص للطعام، أو الإيجار، أو الكهرباء. بينما مال الرجال أكثر لقول إنهم حرموا من المال لشراء الجعة أو لممارسة الهوايات».

في رأي الكاتبة، يظهر هذا الاختلاف سبب بقاء مشكلة العنف الاقتصادي خفية، متخلفة كثيرًا عن الوعي العام بالعنف الجسدي والعنف العاطفي، ذلك أن الترتيبات المالية بين الشريكين والمصادر التي يشاركاها أمر خاص وغامض وشخصي.

وتقول نيكولا: «ويلائم أيضًا المعايير الجندرية، إذ ما زال هناك تصور أن النساء سيئات في التعامل مع المال. ويسهل على الرجال التحكم تحت ذريعة: أنا سأعتني بك». (وربما يفسر هذا أيضًا في رأي الكاتبة لماذا رأى موظف البنك أن عليه الابتعاد قليلًا حين تحدث شريك بيتي معها عن قبول القرض).

تتفق الصحافية المتخصصة في إدارة الشئون المالية الشخصية، ومؤسسة موقع «SavvyWoman»، سارة بينيلز مع هذا الرأي، وتقول: «إنها صورة نمطية خاملة، لكن لا زال من المتوقع غالبًا أن يعتني الرجال «بالأمور المهمة» مثل القروض العقارية والمعاشات، فهذه هي الأمور التي تنطوي على المال الحقيقي».

وتتابع: «أستقبل رسائل أكثر مما أرغب من نساء اكتشفن أن أخذ إجازة الأمومة أو التوقف عن العمل لتربية الأطفال هو نقطة التغيير. وبروية، أصبح المال المشترك بينهن وبين شركائهن «ماله هو»، ومنعت النساء من اتخاذ قرارات مالية. وهن غير مرتاحات لذلك، لكن لا يعرفن إن كان أمرًا طبيعيًا أم لا لأن المال لم يكن محل نقاش. وفور أن يوضع النمط، يصعب الإفلات منه».

عنف طويل الأجل

ثم تأخذنا الكاتبة في تقريرها بصحيفة «الجارديان» لحالة ثانية. اسمها سوزان كريك (اسم مستعار)، وهي في الستينات من عمرها الآن. منذ 30 عامًا وأكثر، حين قابلت سوزان زوجها، كانت تملك شقتها الخاصة وشركة سيارات. كان زوجها في بداية حياته المهنية حين اشتريا بيتهما الأول، ودفعت سوزان لتجديد البيت، وسددت سحبه من البنك دون رصيد. بعد ولادة أطفالها، تركت سوزان العمل، وتولى زوجها شئونهم المالية.

وتصف سوزان نفسها آنذاك بأنها «كنت ساذجة في الماضي»، مضيفة أن الوضع كان مختلفًا بالنسبة لوالديها إذ «امتلكا قواعد صارمة، تعلمت أمي جيدًا لكنها لم تعمل لأن أبي لم يسمح بذلك». فتح زوجها حسابًا مشتركًا لهما، وأغلقت حسابها الشخصي، ثم تولى هو السيطرة الكاملة على الإنفاق.

وتحكي تفاصيل قصتها قائلة: «لم أستطع كتابة أي شيك إلا بإذنه. كل شيء كان تحت سيطرته. عند شراء الملابس، كان القرار قراره. اشتريت مرة معطفًا وكان غاضبًا للغاية وقال لي: «هذه ليست أموالك»، لم أعدها أبدًا. تعلق كل شيء به، الإجازات، والطعام الذي أقدمه، والسيارة التي نقودها». كان زوجها أيضًا عنيفًا عاطفيًا، وكثير النقد، لم يرى أي عيب في منادتها بالـ«خنزير»، أو «غبية» في حضور آخرين، وسخر من أفكارها لبدء مسيرة مهنية جديدة.

وتضيف: «حين تركته بعد أكثر من عشر سنوات، كنت قد تعرضت لإهانة شديدة، وانخفضت ثقتي في نفسي بشدة. لم أملك وظيفة، ولا مدخرات. بينما صار هو ناجحًا وله علاقات قوية، عرفت أنه سيدمرني».

ربما يستمر العنف الاقتصادي بعد سنوات من انتهاء العلاقة كان هذا هو الحال بالنسبة لسوزان التى روت كيف أن زوجها السابق قضاها «في كل أمور الانفصال في السنوات اللاحقة، الطلاق، والتواصل، والإجازات، ومدارس الأطفال، ورغبتي في الانتقال من لندن.

لجأ للمحكمة في كل شيء، والتكاليف كانت كارثية. رفعت رهاني على العقار ثلاث مرات، وانتهى الأمر إلى الديون. فكرت في الانتحار في بعض المرات. أقول للفتيات أن يتمسكن بوظائفهن ويملكن مالهن الخاص، لأنه سلطة».

التعليم هو الحل

ترى نيكولا أن التعليم هو المفتاح، وتفسر رأيها للكاتبة إذ تقول: «يجب أن يتعلم الشباب عن الأمور المالية كما يتعلمون عن الجنس والعلاقات. لو كنت تُشجع للتفكير في سن صغير عن إدارة المال، والاختيارات التي يوفرها لك، كنت على الأرجح ستفرق بين الصواب والخطأ في المستقبل».

 

وتقول الكاتبة: «إن الانفتاح في الحديث حول الحياة المالية يساعد أيضًا، لأن العنف يتغذى على السرية والانعزال».

وكتبت أوتيجا أوواجبا مؤسسة شبكة «Women Who»، ومؤلفة كتاب «Little Black Book» الأفضل مبيعًا، كتابًا جديدًا بعنوان «We Need to Talk About Money» أي «علينا التحدث بشأن المال» وتقول: «يهيمن المال على كل جوانب حياتنا. الصمت المحيط به، وانعدام الشفافية حوله يجعل النساء عرضة للخطر في أماكن العمل والمنازل».

رغم الأوضاع القاتمة، تشير كاتبة التقرير إلى تطورات جارية، إذ وقَّع 11 بنكًا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على سياسة ممارسة لمواجهة العنف المالي، وتضمنت السياسة الالتزام بتدريب فريق العمل للتعرف على العنف المالين ومساعدة الضحايا في التحكم في أمورهم المالية. وأيضًا اعترف قانون العنف المنزلي الموقع حديثًا بالمشكلة.

لكن هذا كله في رأي الطبيبة نيكولا مجرد بداية، إذ تقول: «أفضل أن يكون العنف الاقتصادي جريمة في ذاته، لا جزءً ضائعًا ضمن التشريعات المواجهة للسيطرة القسرية. لكن الأمر معقد جدًا، ومنتشر إلى حد بعيد، نحن في حاجة إلى تسميته ونشره للحصول على الدعم السليم. ولا أظن أن هذا بعيد المنال إذا واصلنا الضغط».

مترجم: بالرغم من معاناتهن في ظل الاشتراكية.. لماذا تمتعت النساء بجنس أفضل آنذاك؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد