لم أكُن مستعدة للسعودية، وُلِدتُ في مصر ولكن غادرَتها أسرتي إلى لندن عندما كنتُ في السابعة. بعد حوالي ثماني سنوات في المملكة المتحدة، انتقلنا إلى السعودية في عام 1982. كان والداي الاثنان، المصريان اللذان حصلا على درجة الدكتوراة في الطب من لندن، قد وجدا وظيفتين في جدة، في تدريس الأحياء الدقيقة العيادية لطُلَّاب الطب والفنيين.

كانت الأحرام الجامعية معزولة، فكانت أمي تُدرِّس النساء في حَرَم الإناث، وأبي يُدرِّس الرجال في حَرَم الذكور. عندما لم يتوافر مُعلِّم من نفس الجنس كانت الفصول تُدرَّس من خلال تليفزيون ذي دائرة مُغلَقة، وكان الطُلَّاب يضطرون إلى طرح الأسئلة من خلال الهاتف.

وجدَت أمي، التي كانت عائلة الأسرة في عامنا الأخير في المملكة المتحدة عندما كنا نُقيم في جلاسجو؛ أنَّها لا يمكنها قانونًا القيادة. أصبحنا مُعتمِدين على أبي في اصطحابنا إلى كل مكان، وخلال انتظارنا لاستلام سيارتنا الجديدة كنا نعتمد على سيارات الأجرة والأوتوبيسات العامة.

كنا في الأوتوبيسات نشتري التذاكر من السائق ثم أذهب وأمي إلى الصفَّين الأخيرين (أو الصفوف الأربعة الأخيرة إذا كنا محظوظين) المُخصَّصة للنساء. في مؤخَّرة الأوتوبيس، بِمَ يُذكِّركم ذلك؟ الطريقة الوحيدة لوصفه هو الفصل العنصري.

كنتُ أشعر وكأنَّنا انتقلنا إلى كوكب آخر يتمنَّى سُكَّانه بشدة لو أنَّ النساء لم توجد، عشتُ في هذا الجو السريالي لستَّة أعوام. لا بد أن يكون للمرأة في هذا العالم مهما كان عمرها وصيّ من الذكور – أب أو أخ أو حتى ابن – ولا يمكنها فعل أي شيء دون إذن هذا الوصيّ. تُعامل النساء كالأطفال بصورةٍ لا تُصدَّق، فلا يمكنهن السفر ولا فتح حساب بنكي ولا التقدُّم إلى وظيفة أو حتى الحصول على الرعاية الطبية دون طابع موافقة رجلٍ. كنتُ أراقب كل هذا بحسٍّ متزايد من الرعب والتشوُّش.

تنازُلات عديمة الفائدة

هذه هي السعودية التي حُكِم فيها على ناجيةٍ من اغتصاب جماعي بالسجن لموافقتها على ركوب سيارة مع رجل من غير الأقرباء، واحتاجت إلى عفو ملكيّ. السعودية التي حُكِم فيها على امرأة كسرت حظر القيادة بعشر جَلدات واحتاجت كذلك إلى عفو ملكيّ. وضع النساء في السعودية سيء جدًا لدرجة أنَّ الترضيات الأبوية البسيطة – مثل وعد الملك بمنح النساء حق التصويت في 2015 – تُقابَل باستحسان من المراقبين الدوليين.

كانت إجابة السعودي الإصلاحي على الثورات التي اندلعَت في المنطقة هي تخدير شعبه بالمزيد من الصدقات الحكومية، خاصةً للمتعصِّبين الدينيين الذين تتنشَّق العائلة الملكية السعودية شرعيتها منهم.

عندما واجهتُ هذا البلد في الخامسة عشرة، دفعتني الصدمة إلى النسوية – ليست هناك طريقة أخرى لوصف الأمر، إذ أن تكوني امرأة في السعودية يعني أن تكوني تجسيدًا مُتحرِّكًا للخطيئة. لا تخجل المملكة من عبادتها لإله مُعادٍ للنساء، ولا تعاني أبدًا من أي عواقب لذلك، بفضل مميزاتها الثلاثة؛ امتلاك النفط، وكونها موطنًا للحرمين الشريفين؛ مكة والمدينة، وتحكُّمها في تدفُّق البترودولار الذي يحافظ على تمويل صُنَّاع الأسلحة من حلفائها الغربيين في سعادةٍ.

كان الشيوخ في التليفزيون السعودي آنذاك (في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي) كما هم الآن، مهووسين بالنساء وفُوَّهاتهن، وخاصةً ما ينتج عنها. لن أنسى أبدًا أنَّني سمعتُ أنَّه إذا بال عليك رضيع ذكر، يمكنك الصلاة بالملابس ذاتها، أمَّا إذا بالَت عليك رضيعة أنثى، فعليكَ تغيير ملابسك، تساءلتُ ما الذي يجعل بول الفتيات نَجِسًا؟ كراهية النساء.

يستمر هوس الشيوخ بأعضاء النساء حتى اليوم، كان العواء الأخير المُفضَّل الذي سمعته هو أنَّ القيادة ستُتلِف مبايضك. إذ قال الشيخ السعودي صالح اللحيدان لموقع السبق في 2013: «إذا قادَت امرأةٌ سيارةً بغير ضرورة قصوى، قد يكون لذلك آثار فسيولوجية سلبية، إذ توضِّح الدراسات الطبية الفسيولوجية والوظيفية أنَّها تؤثِّر تلقائيًّا على المبايض وتدفع الحوض إلى أعلى. لذلك نجد أولئك اللاتي تَقُدن بانتظام تُنجِبن أطفالًا ذوي مشاكل عيادية بدرجات متنوعة».

التأويلات المُحافِظة

تتبع السعودية تأويلات مُحافِظة مُتطرِّفة للإسلام تُعرَف كذلك باسم الوهَّابية أو السلَفية، ترتبط الأولى مباشرةً بالمملكة، والثانية هي شكل صارم للإسلام عند مَن يُقيمون خارج السعودية. لقد صدَّرَت بترودولارات المملكة وجهودُها التبشيرية المُنسَّقةُ الوهابيةَ/السلفيةَ للعالم، ومعها تأويلات الإسلام التي تجعل حياة النساء في السعودية لا تختلف كثيرًا عن الحُكم بالسجن.

ولكن كراهية النساء ليست قاصرة على السلفية، فهي ليست مُجرَّد ظاهرة سعودية، أمرًا نادرًا مقيتًا خاصًا بالصحراء الغنية المعزولة. فالكراهية الإسلامية للنساء تبرز بوضوح عبر المنطقة، والآن أكثر من أي وقتٍ مضى، يشمل هذا الإخوان المسلمين، والجماعات السلفية التي تنتمي إلى طائفة السُنَّة، والميليشيات الشيعيَّة في العراق. فهذا الهوس بالتحكُّم في النساء وأجسادهن ينبُع غالبًا من الشك في أنَّ النساء دون قيود يدنين للغاية من انعدام الاستقرار الجنسي.

نسمع غالبًا عن تسبُّب اقتصادات الشرق الأوسط المُنهارة في عدم قدرة الكثير من الرجال على الزواج، ويستغل بعضهم حتى هذه الحقيقة لتفسير معدَّلات التحرُّش الجنسي المتزايدة في الشوارع. ولكَّننا لا نسمع أبدًا عن كيفية تأثير تأخُّر سنّ الزواج في النساء، هل لدى النساء رغبات جنسية أم لا؟ من الواضح أنَّ المُحكِّمين العرب ما زالوا جاهلين بأساسيات الأحياء البشرية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد