ترتفع الأصوات المنددة في كل مجال رافضةً الإقصاء الذي تناله النساء دون غيرهن، فقط لكونهن نساء، لا سيما في مجال العلوم والرياضيات. وهو رفض يُقابل عادة بحججٍ تقول إنَّ النساء فقيرات علميًا ولا إنجازات لهن.

لكنَّ الكاتب إيد يونج يوضح في مقالٍ نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية أنَّ التاريخ العلمي ربما يكون مجحفًا بحق النساء.

يشير يونج إلى أهمية التقدير العلمي المتمثل في حصول المساهمين في الأبحاث العلمية على حقوقهم الأدبية بوصفهم مؤلفين فيها، وما يضيفه من مكانةٍ علمية لصاحبه تفتح أمامه أبوابًا عديدة. ويحكي قصة فريقٍ مكون من طلبة جامعيين سعوا جاهدين لإبراز أسماء النساء اللاتي ساهمن في الأبحاث العلمية الهامة لكن لم تُذكَر إسهاماتُهن.

«مترجم»: 7 خرافات عن مساهمة المرأة بالعمل.. تعرف عليها

بحثٌ في الهوامش

على مدار السنوات القليلة الماضية، عمل فريقٌ من الطلبة الجامعيين تقوده إميليا وارتا سانشيز من جامعة براون، وروري رولفز من جامعة ولاية سان فرانسيسكو، بهدف البحث في قوائم الباحثين المساهمين في الأوراق البحثية المتعلقة بعلم الوراثة، واكتشاف النساء اللاتي لم يحصلن قط على الاعتراف الذي يستحققنه، والذي يُتوقع أن يحصل عليه الباحثون المعاصرون.

وصل الفريق إلى أسماء عشرات المبرمجات اللاتي قدمن إسهاماتٍ مهمة في الأبحاث العلمية لم يُعتَرَف بها. شُكر بعضهن خلال الأوراق، لكن لم يحصلن أبدًا على اعترافٍ بكونهن من مؤلفي تلك الأبحاث. وأصبحت أسماؤهن هامشية في التاريخ العلمي، رغم أنَّهن ساعدن في صنع هذا التاريخ.

وتقول روري عن ذلك الأمر: «عندما ننظر أنا وإيميليا إلى الباحثين القدامى في علم الوراثة السكانية، نجد عددًا قليلًا للغاية من النساء. لكن كانت هناك نساء بالفعل، وكن يشاركن في هذا العمل. وأن نعرف بوجودهن هو أمرٌ جلل بالنسبة لي».

بحسب يونج، بدأ المشروع مع فيلم «شخصيات مطموسة Hidden Figures»، الذي صدر عام 2016. يحكي الفيلم عن ثلاث باحثات سوداوات في مجال الرياضيات، ساعدن ناسا في الفوز بسباق الفضاء في الستينيات. وبعد مشاهدة الفيلم، انتاب إميليا وروري شعورٌ بالدهشة، لأنَّهما لم تسمعا من قبل بهؤلاء النساء. وتساءلتا عن عدد الباحثات الأخريات اللاتي لا تعلمان بوجودهم.

أحد الأسماء التي طرأت فجأة هي جينيفر سميث. تذكرت إميليا قراءة ورقة بحثية كلاسيكية قديمة شُكرت فيها جينيفر بشكلٍ هامشي «لبرمجة البحث وإجراء كل حساباته ببراعة». وبدا هذا بالنسبة لها غريبًا، لأن برمجة البحث اليوم تعد عملًا محوريًا، وإذا أجرى عالم ما كل البرمجة المتعلقة بدراسة ما، يُتوقع بالتبعية أن يوضع اسمه كاتبًا رئيسيًا فيها. وهكذا أراد كلٌ من إيميليا وروري معرفة إذا كان هناك نساء أخريات يشاطرن جينيفر التهميش الذي واجهته.

عيَّنت روري وإميليا خمسة طلاب آخرين، وكلفوهم بمهمة البحث في كل نسخ دورية «ثيوريتيكال بوبيوليشن بيولوجي Theoretical Population Biology» المنشورة بين عامي 1970 و1990. فحص الفريق 900 ورقة بحثية تقريبًا، وأخرجوا كل الأسماء المتوفرة في قوائم الشكر، وحاولوا معرفة إذا كان أيًا من هذه الأسماء قد شارك في عملية البرمجة، وحاولوا كذلك تحديد أجناسهم.

وقالت روتشيل ريز، إحدى الطالبات المشاركات في الدراسة، إنَّها «كانت متحمسةً للغاية» للقيام بهذا العمل، إذ نشأت وهي تسمع قصص الرائدات اللاتي لم يُعترف بإسهاماتهن، مثل روزاليند فرانكلين، التي قدمت دورًا رئيسيًا في تفكيك بنية الحمض النووي، وهنرييتا لاكس، التي ساعدت خلاياها في تحقيق ثورةٍ في الأبحاث الطبية. وأضافت: «كنتُ محظوظةً بنشأتي في بيئة متنوعة، يملؤها الشغف بالعلم والعدالة الاجتماعية».

اكتشف الفريق وفقًا لتقرير المجلة أنَّ النساء في السبعينيات شكلن نسبة 59% من قائمة المعترف بفضلهم باعتبارهن مبرمجات للأبحاث، لكنَّ 7% منهن فقط ذُكرت أسماؤهن ضمن كتاب الأبحاث. وقد كانت السبعينيات عقدًا محوريًا لمجال علم الوراثة السكاني، إذ وُضعت فيه أساسات العديد من الدراسات الحديثة. وكتب الفريق في اكتشافه: «بناءً على قوائم التأليف في هذا الوقت، يبدو أنَّ البحث كانت تجريه مجموعة صغيرة نسبيًا من الباحثين الأفراد المستقلين، وكلهم تقريبًا رجال». لكنَّ الحقيقة ليست كذلك.

وعن تلك الإسهامات، تقول جيسيكا آبوت، أستاذة علم الجينات في جامعة لوند بالسويد: «يصعب معرفية نوعية المساهمات التي قدمها أشخاصٌ في الماضي وراء الكواليس. لكنَّ تلك الدراسة تظهر إمكانية الوصول للبيانات الصحيحة إذا فكرت بإبداع».

مقياس واترسون.. ومارجريت!

وأشار يونج إلى قصة مارجريت وو، التي شُكرت في ورقة بحثية عام 1975 «للمساعدة في الأعمال الحسابية»، والحقيقة وفقًا له أنَّها ساعدت في صناعة أداة إحصائية لا زال العلماء يستخدمونها إلى الآن لتقدير التنوع الجيني الذي يجب أن يكون موجودًا في عددٍ محدد من السكان. تسمى هذه الأداة «مقياس واترسون» تيمنًا باسم جي إيه واترسون، العالم الوحيد الذي دُون اسمه كاتبًا رئيسيًا في الورقة البحثية آنذاك. واستُشهد بالورقة البحثية منذ ذلك الحين 3400 مرة.

وبينما قد يجادل المشككون في نظرية الفريق بأنَّ المبرمجين الذين وُضعت أسماؤهم في الأوراق البحثية القديمة لم يقوموا بعملٍ ضخم يستحق الإشارة لهم باعتبارهم كاتبين رئيسيين، تقول روري إنَّ هذا غير مرجح، خاصةً في حالاتٍ مثل مارجريت وو وجينيفر سميث وباربرا ماك كان، إذ أُشير لأسمائهن مراتٍ مختلفة وفي أوراق بحثية متعددة. وتضيف أنَّهن كن يقمن بعملٍ جيد كفاية إلى حد الإشارة لهن مرارًا واستخدام أعمالهن في دراسات أخرى.

ويتابع الكاتب أنَّ الفريق تحدث مع ويليام هيل، المشرف السابق على عمل جينيفير سميث في جامعة إدنبرة العتيقة بإسكتلندا. وصف ويليام عمل جينيفر بكونه فنيًا وإبداعيًا. (لكنَّه للأسف لم يعرف إلى أين انتهى الحال بجينيفر، وعجز الفريق عن تتبعها).

لكن يوضح يونج أنَّ الفريق كان أكثر حظًا في تتبعه لمارجريت وو، التي أجابت في النهاية على رسائلهم البريدية ومكالماتهم الهاتفية المتكررة. أخبرتهم مارجريت أنَّها كانت باحثة مساعدة أثناء عملها في ورقة «مقياس واترسون» البحثية، وعلَّمت نفسها برمجة البحث أثناء العمل. وقالت إيميليا تعليقًا على هذا: «أظن أنَّ الناس يعتقدون أنَّ النساء آنذاك كن فقط مديرات أعمال يكتبن الأكواد، ويثقبن البطاقات، ولم يقمن بأي عملٍ فكري، لكن حين وصفت وو عملها، كان بالضبط ما يقوم به طلاب الدراسات العليا وحملة الدكتوراه هذه الأيام».

أين تعمل النساء العربيات الأكثر نفوذًا حول العالم؟

بعدها، لم تحاول مارجريت الحصول على الدكتوراه، رغم أنَّها قالت لفريق البحث إنَّ أحدهم اقترح عليها القيام بذلك، لكنَّها نالت درجة الدكتوراه في الأربعينيات من عمرها، بعد عقدين من العمل إحصائية ومعلمة رياضيات. وهي الآن، وفقًا للتقرير، تعمل أستاذةً جامعية في جامعة ملبورن، حيث طورت طرقًا إحصائية لتحليل البيانات التعليمية.

لم تجب مارجريت على طلبات يونج لمقابلتها، لكنَّها كما يبدو لا تشعر بأي ندم حول ورقة 1975 البحثية، أو على الأقل هذا ما قالته إيميليا. ولم تكن حتى تدرك عدد المرات الذي استُشهد فيه بهذه الورقة، وابتسمت فقط حين علمت، وشعرت إيميليا أنَّها كانت أكثر استياءً من مارجريت نفسها.

بيئةٌ متحيزة

في الثمانينيات، تراجعت ممارسة وضع أسماء مبرمجي الأبحاث في قائمة الشكر فقط. ويُعزي يونج هذا جزئيًا لإسناد البرمجة لطلبة الدراسات العليا وحاملي الدكتوراه، الذين كوفئوا بوضع أسمائهم كتابًا رئيسين في الأبحاث. بالإضافة إلى تغير وظيفة برمجة البحث من كونها وظيفة نسائية تقوم بها سيدات مقابل أجر زهيد، إلى وظيفة يهيمن عليها الذكور المتخصصون، وبقيت كذلك إلى الآن. أي أنَّه، بحسب يونج، بدأ المبرمجون في الحصول على حقهم العلمي كُتابًا للأبحاث بعد أن صاروا رجالًا بالأساس.

وتقول روري إنَّ هذه «فرصة جيدة لنا لنفكر في المعايير التي نستخدمها في كتابة أسماء مؤلفي الأبحاث، والمقاييس الأخرى للنجاح الأكاديمي. إذ لا توجد معايير حتى اليوم لتحديد من يستحق كتابة اسمه ضمن المؤلفين، ولهذا فإنَّ الطريقة التي نتعامل بها مع الكتابة الأكاديمية تجعلها حصرية على مجموعة معينة من الناس. فإذا نظرتُ إلى فنيي المختبرات، سأرى الكثير من النساء والأشخاص الملونين الذين لا يُكتبون ضمن المؤلفين رغم عملهم الإبداعي».

ويضيف يونج أنَّه حتى حين تصبح النساء ضمن المؤلفين، يمكن أن يعمل التحيز الممنهج الذي يسود العلم الحديث ضدهن. إذ أنَّهن أقل عددًا، فهناك بدراسة حديثة اكتشفت أنَّنا نحتاج 16 عامًا لتتساوى أعداد المؤلفين من النساء والرجال في العلوم، ونحتاج 258 عامًا في مجالاتٍ مثل الفيزياء. ويتجلى هذا في رأيه بوضوح في الدوريات العلمية المرموقة، إذ تمثل النساء نسبة من 25 إلى 35% من الأشخاص المدونة أسماؤهم في خانة المؤلفين الرئيسين. ويشير إلى أنَّ الاستشهاد بالدراسات التي أجرتها النساء يحدث بنسبة أقل بكثيرٍ من الدراسات التي أجراها رجال.

ويرى الكاتب أنَّ النساء يغادرن المهن العلمية مبكرًا لهذه الأسباب، وأسباب أخرى مثل حصولهن على تدريب أقل، وأجور منخفضة، ومتابعة هزيلة، وفرص تحدث محدودة، بالإضافة للتعرض للتحرش والعنف. أما من يبقين منهن يتعرض للحكم بقسوة أكبر وإيجابية أقل من نظرائهن الرجال. وتُنسى بعضهن أيضًا تمامًا كأنَّهن لم يكنَّ.

مترجم: حينما كانت المرأة تحكم وتحارب.. ماذا تعرف عن قصص «محاربات الأمازون»؟

لكن بحسب يونج، فالوعي بهذه المشكلات يزداد، وظهرت مؤخرًا عدة كتب تحكي قصص النساء المجهولات في العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضة، منها «شخصيات مطموسة Hidden Figures» للكاتبة مارجوت شيترلي، و«صعود فتيات الصاروخ Rise of the Rocket Girls» للباحثة ناتاليا هولت، و«نطاق عريض Broad Band» لكلير إيفانز. ويكشف هذا الأخير قصة نساءٍ ساعدت مهاراتهن في الحوسبة والرياضيات على صنع الإنترنت. وهناك أيضًا كتاب «فتيات الشفرة Code Girls» لليزا موندي، الذي يحكي عن نساءٍ نجحن في فك الشفرات اليابانية والألمانية في الحرب العالمية الثانية.

وختامًا، أفضت روري إلى يونج بآمالها أن يسعى العلماء الآخرون في مجالات متعددة إلى الكشف عن المساهمين الذين طُمس عملهم لوقتٍ طويل. وتضيف إيزكويل لوبيز، إحدى الطالبات في الفريق: «كانت النساء مؤثراتٍ دومًا في العلوم، لكنَّ إنجازاتهن ببساطة لم تُمنح التقدير الذي تستحقه هؤلاء النساء. وهذا يمكن تغييره».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد