قد تكون قصة أليمة مُحزنة ترويها امرأة تنبضُ بالأمومة رغم أن ليس لديها أطفال. وقد يكونُ خيارًا اتخذته عن سابق قصد وتعقّل.. قصصٌ كثيرة وملوّنة مثل قوس قزح خرجت بها المصورة البريطانية لتحكي قصص النسوة اللواتي لم يحظينَ بأطفال، برسالةٍ مفادها «تحدي القوالب السلبية الشائعة». ومن أجل الإحساس بعمق حكاياتهنّ وتباين حالاتهنّ وتفهم الأمر من فمِ صاحبِه مباشرةً استهلّت المصورة مشروع تصويرِ لخمسين من النساء غير المنجبات وهنّ مستلقيات عاريات بوضعية الجنين على مفارشهنّ، بمن في ذلك المصوّرة نفسها التي أجرت معها صحيفة الجارديان المقابلة التالية، فضلًا عن بعضِ من النسوة المنخرطات في المشروع.

دينيس فيلكين – 51

يبدأ الشطر الأول من المقابلة بحكاية دينيس فيلكين المصورة وسبب اختيارها لهذا المشروع، إذ تقول: «نشأتُ في أسرةٍ أحادية العائل.. ربّت أمي فتياتٍ أربع بمفردها، ولقد شاهدت معاناتها ونضالها لذلك. عرفتُ منذ سنّ صغيرة أني لا أريد هذا الأمر لي. واجهتني العدائية لأن ليس لدي أطفال. وُصِفتُ بالعاقر غريبة الأطوار، وقيل لي: إني لن أفهم الحب أبدًا حتى أنجب طفلًا مني».

رغبتُ بتحدّي القوالب السلبية الشائعة، أردتُ إظهار أن النساء اللائي ليس لديهن أطفال لسن أنانيات ولا أنصاف نساء.. لسنَ عوانس ولا مربيّات قطط مهووسات ولا عقيمات، ومن هنا أتيت بفكرةِ تصوير أكبر عددٍ ممكنٍ منهم. التقطتُ صورًا لـ50 امرأةً أثناء استلقائهنّ بوضعية الجنين على مفارشهنّ، لتنقل الصور فكرة الطفل غير المولود بعد.

رغبتُ بتحدّي القوالب السلبية الشائعة، أردتُ إظهار أن النساء اللائي ليس لديهن أطفال لسن أنانيات ولا أنصاف نساء.. لسنَ عوانس ولا مربيّات قطط مهووسات ولا عقيمات، ومن هنا أتيت بفكرةِ تصوير أكبر عددٍ ممكنٍ منهم

كانت دورتي الشهرية متأخرة عليّ عند بدايتي للمشروع. تعيّن عليّ إجراء اختبار الحمل قبل إحدى جلسات التصوير، وغمرني شعورٌ هائل بالارتياع تبِعه ارتياحٌ عندما أتت النتيجة سلبية. في نفس اليوم جاءت ثلاث نساء، صوّرتهن، واجتمعنا لنشاهد الصور سويةً عند الانتهاء. جلسنَ هنّ نصف عاريات على المفارش، تحتسين النبيذ، وتتضاحكنّ متبادلاتٍ لقصص عدم إنجابهنّ للأطفال. كان الأمر تجليًّا، إذ لم أختبر بعمري حالةً مماثلة، حيث يوجد هذا العدد من الناس في غرفةٍ واحدة ممن يتشاركون فكرة عاديّة: عدم الإنجاب.

لم يكن الدرب مفروشًا بالابتسامات دائمًا. أتت واحدةً من أعز صديقاتي لجلسةِ تصوير وانهارت تمامًا، لم أرها تبكي من قبل رغم معرفتي إياها لنحو 20 عامًا تقريبًا. علّمتني هي والعديد من النساء الحزينات الأخريات ممن قابلتهنّ أن أصغي، وأن أتعامل بحذرٍ وحساسية فائقة حول الناس الذين لم ينجبوا. والأهم من ذلك، تعلّمت تفهّم مدى اختلاف ظروفهم واحدًا عن الآخر.

ميل كالاي – 45

تنتقل المقابلات إلى النساء اللواتي خضعن لجلسات التصوير، وتبدأ أولّهن مع ميل كالاي وتجربتها وأسبابها لعدم الإنجاب: أستغربُ أن يكون إنجاب أطفال شيئًا متوقعًا من الأساس. بالنسبة لي، وجدت دائمًا أشياء أهم للقيام بها. لم أشعر أبدًا بأني لا أصلحُ أمًا، ولكني لم أشعر قط أنها أولوية بالمقابل. لقد فكرت فقط: إذا حصل الأمر حصل، وإذا لم يحدث فإنه لم يحدث. أطول علاقةٍ في سجلّي امتدّت لثلاث سنوات ونصف فقط، تناقشنا حينها في فكرة إنجاب الأطفال، ولكن كان عمري 28 عامًا حينها، وكان لدينا كلبٌ، وشعرتُ بالسعادة بذلك. أنا في الأربعينات من عمري الآن، تمامًا في الفترة العمرية التي يظنها بعض الرجال تجعل المرأة بلا أطفال مستميتةً للإنجاب، ويخيفهم أنها تطلب حيواناتهم المنوية فقط. أتطلع فعلًا لأن أكبر قليلًا في السن وتنتهي هذه المسألة.

أعتقد أنه من الصحيّ معرفة المرأة بامتلاكها الخيار، وأن اختيار عدم الإنجاب أمرٌ أكثر من عادي. يفسح هذا الخيار المجال لنوعٍ مختلفٍ من الحياة ممكن الامتلاء بالفرح. ينبغي عدّ عدم الإنجاب خيارًا صحيًا – بالتأكيد – لكوكب الأرض والمجتمع. لا أريد الشفقة عليّ: أنا سعيدةٌ حقًا. آملُ ألا أستيقظ يومًا مًا لأشعر بالندم. في الوقت الحالي، سأستمر بتسليةِ وإيلاء الاهتمام لطفلي الداخلي وحب الحياة.

ينبغي عدّ عدم الإنجاب خيارًا صحيًا – بالتأكيد – لكوكب الأرض والمجتمع. لا أريد الشفقة: أنا سعيدةٌ حقًا. آملُ ألا أستيقظ يومًا مًا لأشعر بالندم. في الوقت الحالي، سأستمر بتسليةِ وإيلاء الاهتمام لطفلي الداخلي وحب الحياة.

كسر «التابوهات»: أمهات ندمن على إنجاب أطفالهن

ريا رافييل – 35

ينتقل التقرير لتجربةٍ أخرى مع حكاية ريا رافييل كما ترويها بكلماتها الخاصة: كنت أسافرُ قبل أربع سنواتٍ حين اكتشفتُ كوني حُبلى، لم يكن الحمل مخططًا له، ولم أكن في علاقة مستقرةٍ آنذاك. لم أرد إنجاب طفلٍ إلى عالمٍ لا يريده فيه أبوه، ولذا لجأت للإجهاض بعد تسعة أسابيع. تطلب الأمر تناول الحبوب لإحداث الإجهاض، لكنه تسبب بصدمةٍ مؤلمة جدًا، وصرتُ طريحة الفراش لمدة 48 ساعة في حالةٍ من الألم التام. تندّمتُ على هذا الفعل كثيرًا، وما زلتُ نادمة حتى الآن.

تكرر الأمر مجددًا عام 2017 في المملكة المتحدة، ورغم عدم وجودي مع الوالدِ إلا أنني لم أكن مستعدة لخوضِ ما فعلته سابقًا لذا قررت الإبقاء على الطفل. بدأت بالتعوّد على فكرة أمومتي حتى كشف الفحص الطبيّ انعدام دقات القلب بعد 12 أسبوع من الحمل تقريبًا. لم يعد طفلي موجودًا. تركتُ المشفى وأنا أنشج، شربتُ زجاجةَ فودكا لتخدير الألم. عدتُ لولادة جنيني بعد ثلاثة أيام وخوضِ أبشع تجربة عرفتها في حياتي. ما زلتُ أريد أن أصبح أمًا، لكني مدركةً لدقّات ساعتي البيولوجية. ولذلك على الرغم من تفضيلي للرومانسية المشابهة لقصص ديزني مع الرجل المثالي، إلا أني لا أعارض فكرة إنجاب طفلٍ بمفردي أو مع صديق.

Embed from Getty Images

جولي بوث – 45

ينتقل التقرير لتجربةٍ أخرى مع حكاية جولي بوث: لم أرغب بالأطفال في فترة العشرينات من عمري، أردتُ فعل أشياءٍ أخرى حينها – أن أمتهن التمثيل وأن أحوز على الشهرة. قابلت زوجي عند بلوغي التاسعة والعشرين من العمر، وكانت له رغبة كبيرة بإنجاب الأطفال. بالنسبة لي كان استعدادي منصبًا دائمًا على التبنّي، ولم يهمّني أن يكون ابننا البيولوجي حقًا، لكن بدأ مفعول الهرمونات بالظهور ووجدت نفسي توّاقة للحصول على طفل.

بدأنا بالمحاولة حينما وصلت إلى عمر الثلاثين، لكني أدركت وجود علّة ما بعد ثلاثٍ سنوات من المحاولات الفاشلة للحمل. في صغري كان لدي هذا الاعتقاد بأنه في حال لم يقدر للمرء الحصول على طفل، فليس عليه ذلك، لكن جسدي يريد الطفل الآن، ولذا انتهى المطاف بنا بثلاث دوراتٍ من إجراءات التلقيح الاصطناعي. تسبب لي هذا الأمر بالأذى الجسدي، وبانتهائنا من الدورة الفاشلة الثالثة خضتُ تجربتي الأعمق في حياتي كلها. أدركتُ أن الخطة أ لحياتي المتمثلة في تحقيق النجاح والشهرة عبر التمثيل فشلت، وأنه الآن وبعد ست سنوات من المحاولات الفاشلة سقطت الخطة «ب» أيضًا، ولن أكون أمًا. راودتني الأفكار الانتحارية، وكأنه لم يبقَ لي شيء في هذه الحياة.
Embed from Getty Images
حينئذ وظفت كل ذرةٍ في جسدي لتحقيق الحمل وإنجاحه. لكن لحظة انصرافنا عن ذلك التوق المؤلم إلى حدّ لا يُصدق بدأت حياتنا بالانتعاش. أنا أفعل الآن كل ما أريده وفي أي وقت، وأريد أن أبيّن للناس أن عدم الإنجاب ليس نهاية العالم.

بعد معاناةٍ وسنين طويلة من المحاولات وظّفت فيها بوث كل ذرةٍ في جسدها لتحقيق الحمل وإنجاحه، تقول إنه لحظة انصرافها وزوجها عن ذلك التوق المؤلم إلى حدّ لا يُصدق بدأت حياتهما بالانتعاش، مضيفةً: أنا أفعل الآن كل ما أريده وفي أي وقت، وأريد أن أبيّن للناس أن عدم الإنجاب ليس نهاية العالم.

سوزانا شولر – 50

المقابلة الأخيرة التي يختتم بها التقرير تتبع لـسوزانا شولر وتجربتها التي تنقلها الصحيفة: لاحظتُ أن الفتيات والنساء الصغيرات يتحدثن غالبًا عن «أطفالهنّ» بيقينٍ قاطع بشأن إنجابهنّ للأطفال في المستقبل. أجد لجوء النساء لهذا الافتراض آسرًا دائمًا، لأني ما فعلت ذلك أبدًا، لم يغمرني أبدًا شعورٌ عارم تجاه الإنجاب. ليس لدي أطفال لفيضٍ من العوامل، بدلًا عن سببٍ واحد. كنتُ في مدرسةٍ داخلية من سن العاشرة حتى الـ15 عامًا، وبالتالي لم أحظ بحياةٍ عائلية تقليدية واعتدتُ الوحدة. شُخّصت بمرض التصلب المتعدد الخفيف في منتصف العشرينات من عمري، مع احتمالية تطور الحالة لأسوأ في حال الإنجاب لذا بقيت هذه المعلومة في حسباني أيضًا. وعلاوةً على ذلك كله، يغمرني الشغف لمسيرتي المهنية، ولم أتصور نفسي أبدًا أمًّا من النوع الملازم للبيت.

بالنسبة لي، افتقدت أمرين محددين: مقابلة الشريك المناسب في فترةٍ عمرية ملائمة للإنجاب، واليقين من إرادتي لهذا الأمر. إن لم تتوفر لديك الظروف المناسبة أو الرغبة الشديدة، فإنها مهمة جبارة بحق للمتردد. لديّ الآن ما أريده تمامًا: وظيفة توفي بمتطلباتي، وشريك أحبه، يشاركني بانعدام الحاجة الماسّة للأطفال أيضًا.

«الجارديان»: مأزق الأمومة.. هل بإمكانك أن تكوني كاتبة جيدة وأمًّا في آنٍ واحد؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات