تناولت صحيفة الجارديان البريطانية في تقريرٍ لها حكاية ستة صحافيين قامت السلطات التركية بإيداعهم في السجون، على خلفية انتقادات وجهوها لسياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم، بزعامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

أحمد شيك

أول من تحدثت عنه الجارديان هو الصحافي أحمد شيك، الذي يقضي عقوبة السجن لمدة سبع سنوات ونصف بتهمة الترويج للإرهاب. حكى أحمد لزوجته أحوال السجن قائلًا:

«حياة السجن صعبة، وتزداد صعوبة لكونك صحافيًّا تراه الحكومة مجرمًا. لا شيء حولنا، ولا نعرف ما الذي يخبئه لنا المستقبل. ليس لنا صلة بالعالم الخارجي إلا عبر شق في الجدار العريض الذي يتسلل منه لمعان السماء. جزء صغير من السماء بحجم كف اليد، ويفصلنا عنها سلك شائك».

«لعل الكتب ورسائل الأحبة تكون سلواننا الوحيد في مكان موحش كهذا، لكنها ممنوعة. والصحف والتلفاز لا يخففا عنا بالقدر الكافي. لطالما كان هناك فرق جوهري بين ما يظهر على الشاشات والصحف، وبين الواقع المفزع لما يحدث في تركيا. أشعر الآن بإحساس أي شخص سُلبت حريته لرفضه السباحة في فلك الرئيس».

«إن وجودي هنا يشبه استيقاظ شخص نائم في مكان مجهول تمامًا بالنسبة له. تشعر أنك أصم مع أنك تسمع كل شيء، وتشعر أنك أعمى مع أنك ترى كل شيء، وتشعر بعجزك عن الكلام رغم قدرتك على شرح كل شيء. هذا هو حالي الآن».

نجيمة ألباي

بعد ذلك، تسرد الجارديان قصَّة نجمية ألباي، التي لم يشفع لها بلوغها السبعين من أن يُحكم عليها بالسجن مدى الحياة بتهمة الدعاية للإرهاب، أُطلق سراحها بعد أربعة أشهر من الاعتقال، وهي في انتظار المحاكمة. تقول نجمية:

«عرفت أنني مطلوبة للشرطة مع أعضاء آخرين من المجلس الاستشاري في أواخر أغسطس (آب) من عام 2016. توجهت مع المحامي الخاص بي إلى مكتب المدعي العام، فقيل لي إن صحيفة Ozgür Gündem هي إحدى الأذرع الإعلامية لمنظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية، ويُشتبه في أن جميع العاملين فيها مروجون للإرهاب».

«قلت لهم إنني أدعم حرية التعبير، وأؤمن بالحل السلمي للقضية التركية، لكنني لم أدعم الإرهاب. اعتقلوني يومئذٍ، فبمجرد أن تعبر عن تعاطفك مع الأكراد ينتهي أمرك. عندما تدخل السجن، تبقى لبضعة أيام في حبس انفرادي حتى يراقبوك. كان فراشي نظيفًا وقد وفروا لي الماء والصابون. وكنت أنام كثيرًا».

«بعد ذلك، نقلت إلى عنبر حزب العمال الكردستاني، وسُررت بالتعرف إلى النساء هناك. كانت هذه هي المرة الأولى التي أخالط فيها أشخاصًا من كردستان».

تواصل نجمية شهادتها فتقول: «تعرضت للسجن في الثمانينات بعد الانقلاب العسكري، وحُكم عليّ بالإعدام. أما الآن فقد حُكم عليّ بالسجن مدى الحياة. اتُهمنا بدعمنا عبد الله أوجلان –زعيم حزب العمال– وكان الأمر أقرب للتعذيب، ووسيلة لمعاقبتك على آرائك».

«كانت جريمتنا هي أن اسمنا ظهر على الصفحة الرئيسية، شعرت بالغضب، ولكنني كنتُ أضحك أحيانًا على هذه المهزلة».

«توقفتُ عن العمل بعد سجني، لكنني انتهزت الفرصة لتعلم اللغة الكردية. كنت متماسكة في السجن. ولعل أسوأ ما في الأمر هو أنك لا تعرف هل سيُفرج عنك أم لا، ولا يمكن التنبؤ بمستقبل هذا البلد».

أحمد ألتان

أحمد ألتان صحافي ومؤلف حُكم عليه بالسجن مدى الحياة ثلاث مرات، بتهمة السعي لإسقاط الحكومة، ويبلغ من العمر 67 عامًا.

تنقل الصحيفة عن محامي أحمد قوله: «سأحول ذكرياتي في السجن إلى كتاب يومًا ما. كنتُ أعتزم تأليف رواية قبل أن أُسجن. يضعون كل ثلاثة في زنزانة ضيقة، ولا يُسمح لنا بمقابلة أحد خلال اليوم. لا أشعر بأي تهديد من زملاء السجن، أو السلطات».

«غير مسموح لنا بإرسال واستقبال الرسائل؛ لأننا معتقلون وفقًا لقانون الطوارئ. فقط يسمحون لنا بلقاء المحامين مرة كل أسبوع. وعلى الرغم من أن التهم الموجهة ضدنا سخيفة، إلا أن هذا هو حال تركيا الآن. وكأنني أعيش على جزيرة مهجورة. أنا أشبه روبنسون كروسو، ولكنني لا أعرف إن كانت سفينتي سترسو أبدًا».

أصلي أردوغان

أصلي أردوغان كاتبة وروائية وصاحبة عامود في صحيفة Ozgür Gündem، حُكم عليها بالسجن مدى الحياة بتهمة الترويج للإرهاب، وأُطلق سراحها بعد أربعة أشهر، وهي تنتظر المحاكمة.

تقول أصلي: «أشعر بانهيار شديد. في اليوم الذي جرى اعتقالي فيه، جاءت الشرطة وفتشت شقتي لأكثر من سبع ساعات».

«بقيت في الحبس الانفرادي خمسة أيام، ولم يُسمح لي إلا بساعة واحدة في الفناء، مما قد يدفعك إلى الجنون بعد قضائك بعض الوقت. قضيت يومين بدون ماء حين وصلت. ومن شدة صدمتي، لم أشعر بما حولي».

«يعاملوننا هنا بشكل لا يليق بالبشر، فعندما يأتون للتحدث إليك يفتحون الفتحة السفلى في الباب، التي يدخلون منها الطعام. وقد وُضعت في عنبر فيه سجينات من حزب العمال الكردستاني لاتهامي بدعم الإرهاب. اعتقلتُ وفقًا للمادة 302، ولكن لا بد أن تكون زعيم مليشيا حتى تُدان بما يتهمونني به. شعرت بغضب شديد من زيف الاتهام. فالصحيفة ليست منظمة إرهابية، ولم أكتب شيئًا منذ 2013».

«كانوا يحظرون زراعة النباتات، لكن الفتيات كنّ يزرعنها خفية في المرحاض. وعندما كانت سلطات السجن تعلم بذلك، كنّ يتوسلن إليهم، وقد أبكاني ذلك».

«كنت أخرج إلى الفناء وأرقص الباليه في الأجواء الدافئة. كان زملائي يستغربون ما أفعل، لكن ذلك كان يشعرني بالحياة. وعندما كنت أصاب بالحمى، كانوا يعتنون بي وكأنني طفلة».

«افتقدت الكثير من الأشياء. افتقدت التنقل بحرية، والاستمتاع بموسيقى الجاز والموسيقى الكلاسيكية، وافتقدت الأرض والبحر. هنا لا يمكنك رؤية الشمس وهي تشرق أو تغرب، وإنما ترى جزءًا من السماء وسلكًا شائكًا».

تضيف أصلي: «أُطلق سراحي في إطار تسوية أيضًا. شعرت بالغثيان واستيقظت وأنا أصرخ في أول ليلة. ولم أدرِ ما نوع القهوة التي يمكنني تناولها. عدت مؤخرًا إلى منزلي، بعد أن قضيت بعض الوقت مع أمي. لم أجد دفتر هاتفي وبطاقاتي البنكية، وأصبت بالانهيار عندما لم أعثر على حذاء الباليه الخاص بي».

«لقد عبثوا بكل شيء. أحب الاحتفاظ بأغراضي. وقد شعرت أنني قد تعرضت للاغتصاب. أعرف أنهم يفعلون ذلك بالصحافيين لأنهم يعرفون أن انتقاداتنا مؤلمة».

محمد ألتان

اعتقلت السلطات التركية الأكاديمي والصحافي محمد ألتان بتهمة محاولة إسقاط الحكومة، وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة ثلاث مرات.

قال محمد من داخل محبسه: «أقبع في عنبر مختلف عن العنبر المسجون فيه أخي. لا يسمح لنا بالتواصل مع أي أحد، أو استقبال وإرسال الرسائل».

«ومع أنني لم أشعر بخطر على حياتي، فقد تعين عليّ التخلي عن كافة أفكاري وأحاسيسي. البيئة التي نعيش فيها لا تساعد على التفكير. الحياة هنا صعبة للغاية، وليس فيها أي متعة».

«سأحصل على حريتي بعد أن يسود القانون في تركيا مجددًا. أنا هنا فقط لأنني أطالب بالديمقراطية».

إيرول أوندرأوغلو

حكمت محكمة تركية بالسجن 14 عامًا ونصف على الصحافي التركي وممثل منظمة «مراسلون بلا حدود» في تركيا إيرول أوندرأوغلو بتهمة الدعاية للإرهاب.

يقول إيرول: «اعتقلتُ بسبب ظهور اسمي محررًا في صحيفة Ozgür Gündem الكردية. لكن الحقيقة هي أنني لا أعمل في الصحيفة، وإنما ظهر اسمي فيها كأحد داعميها».

«ذهبت إلى المحكمة لرؤية المدعي العام. فقال لي: (لا يهمنا إذا ما كان ذلك جزءًا من حملة أم لا. إذا كنت تدافع عن حرية الإعلام، فسنتهمك بنشر دعاية لصالح حزب)ِ».

«قلت بوضوح إن المقالات المنشورة بشأن الصراع على النفوذ بين القوى الأمنية والعمليات ضد بي كي كي هي من صميم اهتمامات الشعب التركي. أنا أدافع عن حرية التعبير لكل الفصائل منذ عقدين، وهذا ليس مختلفًا».

«أُفرج عني بعد ضغط من المجتمع الدولي. لم أتعرض للأذى في السجن، لكنني أشعر أن مهنتي لم يعد لها مكان في تركيا، وأن الحكومة تعتبرنا تهديدًا. ما عاد هناك صحافة أو مجتمع مدني في تركيا».

«أصعب لحظة كانت عندما زارني كل من زوجتي وابني وحدثتهما من وراء الحاجز الزجاجي. وقد تفاجأت من أنني فقدت معظم عضلاتي».

«إن من سبقوني أدينوا بشكل ممنهج، وسينتهي بي المطاف مثلهم. أحاول أن أتجنب التفكير في الأمر. ففي موقف كهذا، أنت جزء من صورة شاملة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد