«الحركة العمالية المصرية أهدافها تكتيكية مؤقته جزئية لا ترقي لأهداف الثورات».

في تقرير نشرته مجلة «أوبن ديموكراسي» للكاتب «ماجد مندور»، يتناول الكاتب تاريخ الحركات العمالية وتطور علاقتها مع الأنظمة الحاكمة حتى صارت بمثابة شريك أصغر له وفقًا لوصفه. مشيرًا إلى أنه على الرغم من أن عدد الإضرابات في مصر بلغ عنان السماء منذ منتصف العقد الأول في بداية الألفية 2000، فقد كانت أغلب مطالب الحركة العمالية مؤقتة محلية وجزئية. ويتساءل لماذا غابت تظاهرات الحركة العمالية منذ تنحي مبارك، وما علاقة ذلك بتاريخ الطبقة العاملة مع عبد الناصر والأيديولوجية الناصرية.

يقول الكاتب إنه في فبراير(شباط) 2012، أي بعد عام على تنحي مبارك وبلوغ الصراع ذروته ضد المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تولى إدارة البلاد، كانت هناك دعوات بالإضراب العام. ويذكر الكاتب أنه كطالب حينها تمنى لو نجح الإضراب، وتكون تلك نقطة تحول تقلب كفة الميزان في صالح المعارضة ضد المجلس العسكري، بيد أن المعارضة أثبتت مرارًا عدم جدوى تظاهراتها.

فقد مر يوم الإضراب كغيره، ولم تهتم الطبقات العاملة لتلك الإضرابات حينها. أثبت الإضراب فشله وأظهر ضعف الرابط بين الطبقة المدنية المتوسطة التي قادت التظاهرات والطبقة العاملة، فضلا عن إظهاره طبيعة الطبقة العاملة وطبيعة مطالبها السياسية والاقتصادية.

كيف تغلغلت الأيديولوجية الناصرية في إدراك الطبقة العاملة؟

 

يشير الكاتب إلى أن أهم الأمور التي تكشفت جراء تلك الأحداث هو مدى سيطرة الناصرية على تفكير الطبقة العاملة، فالأيديولوجية الناصرية لا ترى أن الدولة بالضرورة معادية لشعوبها، إنما تراها في منزلة الأب الحامي، الذي يجب تذكيره مرارًا بالتزاماته نحو الطبقة العاملة. ومع ذلك أظهرت الطبقة العاملة علامات واضحة على مدى إدراكها لوضعها بين طبقات المجتمع، وأنها لم تسع لتطور أي وعي ثوري يهدف للإطاحة بالنظام. كان الهدف دائمًا في تحركاتها هو استعادة الوضع أيام العقد الاجتماعي الناصري مع الطبقة العاملة.

يقول الكاتب إنه عقب وصول الضباط الأحرار للسلطة، واجهتهم معضلة في التعامل مع الحركة العمالية. في تلك الفترة كانت تعتبر الحركة العمالية جزءًا من الصراع في مواجهة الحكم البريطاني، وعندما أتى ناصر للسلطة دعمت طبقة العمال انقلاب الضباط الأحرار، الذين نفثوا في المجتمع خطاب القومية الذي كان جزءًا من الرؤية السياسية للحركة العمالية، وشجع ذلك الحركة العمالية لتصير أكثر نضالًا، كونها توقعت دعمًا لمطالبها من النظام الجديد. لكن لم يكن يخطر ببالهم مفاجأة عبد الناصر لهم.

يذكر الكاتب حادثة إضراب مصنع كفر الدوار للغزل والنسيج 1952، وتظاهر عماله، كمثال على ذلك. حيث صدم العمال لقسوة رد عبد الناصر وتعامله مع الحركة، فأعدم اثنين من المشاركين في الإضراب، هما مصطفى خميس ومحمد البقري. ولعل السبب في تلك المفاجأة القاسية خوف النظام أن يصبح المصنع ملجأ للمتمردين الماركسيين. وبدأ النظام في التعاون مع الحركة العمالية لينبذوا المتمردين من بينهم داخليا.

ويؤكد المقال أن تحركات النظام كانت في صراع لا متناهٍ مع الحركة العمالية ساحقًا أي محاولات لاستقلالها خاصة بعد تأسيس اتحاد النقابات التجارية المصري التابع للحكومة عام 1957. ويشير إلى أن الحكومة قد أرادت للاتحاد الجديد أن تتصرف باعتباره الممثل القانوني الوحيد للعمال، وهكذا تسقط شرعية بقيت الاتحادات وتجرمها. وتم إصدار قوانين رقم 317 ،318 ،319، التي لبت مطالب الحركة العمالية القديمة فيما يخص التأمين الوظيفي إذ صار من المستحيل طرد أو فصل أي عامل عن العمل. وصاحبته مجموعة من الميزات كالتعليم الجامعي المدعم، والرعاية الصحية، وبالتالي أحدث ذلك تطورًا ملحوظًا في رفاهية العمال المادية. حتى مع استمرار انخفاض المرتبات والأجور، لعبت المعونات الحكومية دورًا كبيرًا في تحسين أوضاع الطبقة العاملة ككل.

بدايات اتفاق بين العمال والناصرية

ويضيف الكاتب إن التحسن المادي للطبقة العاملة تبعه تحسن في الأوضاع الأخلاقية والاجتماعية. وباعتبارهم جزء من القوة الإنتاجية، تعلموا أن لهم دورًا قياديًّا في تنمية المجتمع كله؛ وقد ولد ذلك داخلهم نوعا من الفخر، وزاد من ولائهم للنظام. وصاحب ذلك نجاح الأيديولوجية الناصرية التي تُرجِمَت في وعي الطبقة أنها النموذج الأمثل للصراع السياسي.

ويشير الكاتب أن الناصرية أكدت على التناغم الاجتماعي باعتباره حجر الأساس في تنمية المجتمع المصري، وأظهرت النظرة الماركسية أنها بطبيعتها خطر على الوحدة المجتمعية. وركزت على الصراع مع الإمبريالية على أنه الهدف الأعظم للدولة. ولا أدل على ذلك من تجريم الإضرابات، ولا سيما اختفاء كلمة إضراب تمامًا من قاموس السياسة في تلك الفترة. ويلفت إلى أن مفهوم صراع الطبقات اختفى تمامًا في عهد الناصرية، وهكذا صارت الطبقة العاملة جزءًا بل وشريكًا صغيرًا في الاتحاد الحاكم، حيث يتوقع منها سياسيًّا أن تبقى صامتة وتنفذ المستهدفات الإنتاجية، في مقابل التحسينات المادية والامتيازات الأخلاقية.

هل اختفت تظاهرات العمال تمامًا؟

يقول الكاتب إن ما سبق ذكره لا يعني عدم حدوث أي تظاهرات عمالية في فترة حكم عبد الناصر أو السادات، بل كانت هناك بعض التحركات العمالية، لكنها لم تؤثر سلبًا على الإنتاج.

 

ويستطرد في عرض أشكال التظاهرات العمالية، الأول هو «الاعتصامات» حيث يتم منع الإدارة من الدخول إلى المصانع ويديرها العمال أنفسهم. وتمثل الشكل الثاني في امتناعهم عن صرف مرتباتهم الأمر الذي أربك سجلات حسابات الحكومة. وكانت تلك الطريقتان هما المتبعتان حتى عام 2006.

ويرصد المقال أن إضراب المحلة 2006 مثل نقلة نوعية في طبيعة تظاهرات الطبقة العاملة، حيث لأول مرة أثرت الإضرابات سلبًا على الإنتاج. فكان هدف تلك الحركة في المنطقة الصناعية بالمحلة هو تذكير الحكومة بدورها الأبوي، والتزامها نحو الطبقة العمالية، ومحاولتها الضغط على الحكومة لتكرم التزام العمال بالأهداف الإنتاجية.

ويؤكد المقال أن الثابت أن أعداد الإضرابات في مصر بلغ عنان السماء منذ منتصف العقد الأول في بداية 2000، بيد أنها كانت

مطالب محلية وجزئية، انصب تركيزها على تحسين أوضاع العمال في مهنة واحدة أو حتى داخل مصنع واحد. غير أنه كانت هناك بعض الاستثناءات. فعلى سبيل المثال، إضراب المحلة في 2008، الذي تسبب في اضطرابات وشغب في المدينة بأكملها، كان يطالب بتحديد حد أدنى للمرتبات بـ 1200 جنيه مصري.

ويعود الكاتب للتأكيد أن إضرابات العمال كانت مرتبطة بمطالب محددة وتكتيكية توجه نحو زيادة مؤقتة للمرتبات وليس معالجة السبب الجذري لاضطهاد العمال المتمثل في: العلاقة بين رأس المال والجيش، التي لطالما كانت ظاهرة منذ 1952. وعلى الرغم من استمرار لجوء العمال للإضراب كوسيلة للتظاهر ضد الحكومة، فإن مطالبهم دائمًا كانت محلية محددة ومتوسطة.

مطالب لم ترق للثورية

 

يصل الكاتب إلى نتيجة مفادها أن الحركة العمالية لطالما كانت أهدافها تكتيكية مرحلية مؤقته لا ترقى لأهداف ثورة. ولطالما كان هدفها استعادة المميزات التي تمتعت بها تحت الحكم الناصري، عوضًا عن الإطاحة بالنظام الحاكم أو إحداث أي تغير أساسي في البناء الاجتماعي.

ويستدل الكاتب على ذلك بدعم طبقة العمال للسيسي في ترشحه للرئاسة. فالاتحادات التجارية الثلاثة الرئيسية في مصر من بينها الاتحادات المستقلة أعلنت عن تأييدها للسيسي، الذي ترشح ضده حمدين صباحي صاحب التوجه الناصري. مشيرًا إلى أن كمال أبو عيطة الناشط العمالي الناصري أصبح وزير العمال في الحكومة المدعومة من الجيش بعد الانقلاب. والذي أظهر مرة أخرى مدى التعاون بين الحركة العمالية والدولة.

ويختتم الكاتب مقالته بذكر أن الحركة العمالية في مصر ضعيفة، وجزئية وتركز فقط على المكتسبات المحلية، وهدفها الرئيسي هو استعادة الاقتصاد في فترة حكم الأيديولوجية الناصرية. حيث إنها تطمح فقط إلى نظام أكثر عدلًا ونسخة أكثر اعتدالًا من الليبرالية العسكرية الجديدة للنظام الحاكم الحالي. ولعل ذلك يفسر الغياب الصارخ للحركة العمالية في فترة ما بعد مبارك من وجهة نظر الكاتب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد