في مقاله بجريدة «نيويوركر» يرى الكاتب كلينت سميث أن المنتخب الفرنسي بتشكيلته الحالية – التي تضم العديد من اللاعبين ذوي الأصول المهاجرة – يمثل نموذجًا للتنوع الذي يسعى إليه الكثير من الفرنسيين.

ويفتتح سميث مقاله بالقول: «من غير القانوني في فرنسا أن تقوم الحكومة بجمع بيانات عن أعراض أو إثنية المواطنين، لكن الحسابات الديمغرافية  تشير إلى أن نحو 10% من الفرنسيين تعود أصولهم إلى شمال أفريقيا، فيما أن ما بين 3-4% من السكان من ذوي البشرة السمراء.

يوم الخميس الماضي عندما واجه المنتخب الفرنسي منتخب بيرو ضمن منافسات المجموعة الثالثة لبطولة كأس العالم بروسيا، كان تسعة من بين 14 لاعبًا ظهروا خلال المباراة إما مولودين في أفريقيا وجزر الكاريبي الفرنسية، أو ولدوا لآباء هاجروا من تلك المناطق.

والد رافاييل فاران من موزمبيق، فيما ولد صامويل أومتيتي في الكاميرون، ينحدر والدا بول بوجبا من غينيا، أما والد لاعب الوسط كورينتين توليسو فهو من توجو، فيما والدا نجولو كانتي من مالي، ووالد كيليان امبابي من الكاميرون، أما والدا عثمان ديمبلي فينحدران من موريتانيا، أما والد بلاز ماتويدي فهو أنجولي، وتعود أصول عائلة نبيل فقير إلى الجزائر، أما والدا نزونزي فهما من جمهورية الكونغو الديمقراطية».

Embed from Getty Images

جانب من تدريبات المنتخب الفرنسي

ويستطرد الكاتب بأنه تربى في الولايات المتحدة، حيث يهيمن الأطفال البيض من الضواحي على اللعبة في العديد من المناطق، وشاهد للمرة الأولى المنتخب الوطني الفرنسي قبل 20 عامًا، في مونديال 1998، وقد قف مشدوهًا أمام الوجوه التي تشبهه، هذا الفريق الذي قاده البارع زين الدين زيدان (المولود لأبوين جزائريين في ضاحية لاكاستيلان، التي تقطنها الطبقة الوسطى على أطراف مارسيليا) قد ظفر بكل شيء، وجعل فرنسا بأكملها تبتهج من جديد بهذا النجاح.

في هذا البلد الذي تحكمه علاقة متوترة مع المهاجرين من المستعمرات السابقة، كان من الرائع رؤية وجه زيدان معروضًا على واجهة قوس النصر في باريس، فيما يهتف مئات الآلاف باسمه في شوارع العاصمة الفرنسية.

وجها زيدان وبول بوجبا معروضين على قوس النصر في باريس

كان المنتخب الوطني في ذلك الحين تجسيدًا للفكرة القومية: «أسود، أبيض، عربي»، هذا الشعار الذي كان يعني أننا نحتفل بفرنسا موحدة. وكما هي حالة باراك أوباما بعد عقد من الزمان، فقد كانت تلك الرموز تشير إلى حالة جديدة مفترضة  لـ«ما بعد العنصرية»، حالات استثنائية استخدمت لخلق ادعاءات غير صحيحة.

فازت فرنسا بكأس الأمم الأوروبية (اليورو) عام 2000، وفي السنة ذاتها أشار استطلاع فرنسي إلى أن ثلث الفرنسيين المستطلع أراؤهم يعتبرون أن «المنتخب يضم عددًا أكبر من اللازم من اللاعبين ذوي الأصول الأجنبي».

ويروي سميث أنه في عام 2005 لاحظ المفكر والفيلسوف الفرنسي آلان فنكيلكراوت أن «الناس يقولون إن الجميع يحترم المنتخب الوطني؛ لأنه يمثل شعار «أسود – أبيض – عربي»، لكن الحقيقة أن المنتخب هذه الأيام هو «أسود – أسود – أسود» وهو الأمر الذي يجعل منه أضحوكة في أوروبا».

وفي عام 2011 وجد الاتحاد الفرنسي لكرة القدم نفسه متورطًا في جدال؛ حيث ذُكر أن مسؤولين بارزين قد قبلوا بما يمكن اعتباره «نظام كوتة»، حيث كانوا يخططون لخفض عدد اللاعبين السود أو الذين تعود أصولهم إلى شمال أفريقيا، والذين سيتم إشراكهم في برامج تدريبية تعتبر «مفرخة» لتصعيد اللاعبين إلى المنتخب الوطني.

يستعرض الكاتب أنه في الدقيقة الرابعة والثلاثين من مباراة المنتخب الفرنسي مع بيرو يسرق لاعب خط وسط مانشستر يونايتد الإنجليزي، بول بوجبا، الكرة من كابتن المنتخب البيروفي باولو جوريرو، وبلمستين فقط ينقلها إلى داخل منطقة الجزاء متجاوزًا ثلاثة مدافعين خالقًا مساحة للمهاجم أوليفر جيرو (ذي الجذور الإيطالية) الذي يركض خلف مدافع جمده تحرك بوجبا.

توقع بوجبا حركة جيرو، فمررها برشاقة خلف خطوط الدفاع، إلى جيرو الذي سددها بقدمه اليسرى لتغير اتجاهها بعد ارتطامها بأحد مدافعي بيرو وتمر فوق رأس الحارس البيروفي لتجد طريقها إلى قدم كيليان امبابي الذي سددها إلى المرمى الخالي. عانقت كرة امبابي الشباك، جلبت الفوز لفرنسا، وجعلت من امبابي (الذي لم يبلغ العشرين بعد) أصغر لاعب يسجل هدفًا في كأس العالم.

احتشد رفاق امبابي من حوله، تعانقت الأذرع السمراء والبيضاء والبنية، واصطفت القمصان الزرقاء كالشلال، لربما تستخدم تلك الصورة – كما استخدمت صور أخرى قبلها – لتبرير الحديث عن اندماج المهاجرين في المجتمع الفرنسي بدرجة أكبر مما هي عليه الأمور في الحقيقية.

ويختتم الكاتب مقاله بالقول: جاء صعود ماريان دي لوبان -كما هو صعود دونالد ترامب في الولايات المتحدة – ليسلط الضوء على الحشود الكبيرة من البشر التي ترفض لوجه فرنسا أن يتغير، بقي لفرنسا مباراة واحدة في دوري المجموعات بعدما ضمنت تأهلها بالفعل إلى دور 16، وبإمكان هذا الفريق أن يذهب بعيدًا في المونديال. وإذا فعلوها حقًا فسيكون ذلك بسبب التنوع الذي يسعى الكثير من المواطنين الفرنسيين لتحقيقه.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد