نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقريرًا، تحدثت فيه عن تسريبات ووثائق وشهادات جديدة، تكشف عن مساعي غانم نسيبة ومؤسسته كورنرستون للاستشارات، لتحريك الصحافة الغربية والرأي العام ضد فوز قطر باستضافة مونديال 2022، والتشكيك في قدرتها على احتضان هذا الحدث في ظل خلافاتها مع جيرانها.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته «عربي21»، إن التشكيك في قدرة قطر على استضافة حدث ضخم بقيمة نهائيات كأس العالم، يعود إلى عام 2010، حين راسلت مؤسسة استشارات بريطانية مغمورة تدعى «كورنرستون جلوبال أسوشياتس» المسؤولين القطريين عارضة عليهم المساعدة في الترويج للملف القطري، باعتبار أن هذه الدولة «صغيرة وترابية وساخنة، ويعتبرها كثيرون من المحللين غير مؤهلة لاحتضان الحدث الأبرز في عالم كرة القدم، في ظل تزايد مشاكلها في مجال العلاقات العامة».

وأشارت الصحيفة إلى أن القطريين رفضوا حينها عرض المؤسسة البريطانية، لكن سيل الهجمات على الملف القطري تواصل، مع طرح عدة تساؤلات حول قدرة هذه الإمارة الصغيرة على إنجاح حدث عالمي، ووصل الأمر إلى التشكيك في عملية التصويت التي نالت على أثرها قطر شرف التنظيم، وطريقة معاملتها للعمال المهاجرين. وظهرت تقارير صحافية، أبرزها ما ذكرته شبكة «بي بي سي»، تتحدث حول وجود خطر سياسي يحيط بتنظيم كأس العالم في قطر، بسبب الخلافات السياسية مع جيرانها.

«إيكونومست»: على عكس ما تتوقع.. هكذا تستعد قطر لكأس العالم رغم الحصار الخليجي

وأوضحت الصحيفة أن ما نشرته «بي بي سي» حينها خلف سيلًا من الجدل في الصحافة البريطانية والدولية، وكان الجميع يناقشون هذا الموضوع الذي يركز على قطر، ويتساءل حول ما إذا كانت دورة كأس العالم قطر 2022 في خطر. وقد نقل عن دبلوماسيين غربيين قولهم إنهم لا يعلمون ما إذا كانت الدورة ستجرى كما هو مبرمج لها أم لا. ولكن ما كان مثيرًا للانتباه حينها ليس الخلاصة التي توصلت إليها هذه التقارير الصحافية، بل المصدر الذي يقف وراء نشرها، وهو مؤسسة كورنرستون جلوبال أسوشييتس.

وقالت الصحيفة إن نسخة 2022 من كأس العالم ستكون الأولى من نوعها التي تنظم في العالم العربي، وقد أثار حصول قطر على هذا الشرف الكثير من الجدل منذ إعلانه. ولكن منذ أن فرضت المملكة العربية السعودية وإلى جانبها الإمارات حصارًا على قطر منذ 19 شهرًا، أصبحت هذه الدورة جزءًا من الصراع الجيوسياسي الذي تشهده منطقة الخليج، وكان الهدف هو إفشال الدورة، أو في أسوأ الحالات إجبار الدوحة على تقاسم تنظيمها مع خصومها في المنطقة.

وأضافت الصحيفة أن مؤسسة الاستشارات استغلت هذا الوضع لصالحها. إذ يتسابق هذا النوع من الشركات لعرض خدماته على مختلف أطراف الأزمة. وتعمل هذه الشركات على توجيه الرأي العام وإقناعه بموقف ما، سواء بمشاركة التنظيم بين قطر وجيرانها، أو باستئثارها به، وفي المقابل فهي تجني ملايين الدولارات نتيجة للعمل الذي تقوم به.

وأشارت الصحيفة في هذا السياق، إلى أن هذه الأنشطة عرفت تاريخيًّا بقدرتها على التأثير في الرأي العام، إذ إن حرب التسريبات وفضح الأسرار وكشف الولاءات يمكن أن تؤثر في مسؤولين رفيعي المستوى، وحتى الرئيس دونالد ترامب، مثلما حدث في الانتخابات الرئاسية الأمريكية السابقة.

وفي السياق ذاته، قالت الصحيفة إن وثائق تم تسريبها في عام 2017 من البريد الإلكتروني الشخصي للسفير الإماراتي في الولايات المتحدة، يوسف العتيبة، كشفت عن مخطط بتمويل إماراتي يهدف لاستخدام صحافيين أمريكيين لتشويه سمعة قطر، والدعوة لسحب تنظيم كأس العالم منها.

وفي المقابل، نقلت الصحيفة أن تقريرًا تم نشره العام الماضي في صحيفة «بريتن صاندي تايمز»، جاء فيه أن شركات الدعاية ليست بالأمر الغريب على قطر، إذ استخدمتها قطر نفسها بهدف تشويه صورة منافسيها على استضافة كأس العالم، قبيل إعلان النتائج.

وعلى مدار العام الماضي، تلقت عددًا من الرسائل مجهولة المصدر، يدعي صاحبها أنه مصدر مقرب من شركة كورنرستون، تفيد بأن استضافة قطر لكأس العالم 2022 تحولت إلى معادلة سياسية.

بلغة الأرقام.. ماذا استفاد الاقتصاد القطري بمقتل خاشقجي؟

أشارت الصحيفة إلى أن الحظ وقف إلى جانب شركة كورنرستون، التي سعت إلى تشويه صورة قطر بكل الطرق، بعد أن رفض المسؤولون القطريون عرض الشركة في سنة 2010. إذ إن الشركة البريطانية بدأت في نشر تقارير، في عام 2017، عبر شبكة «بي بي سي» الإخبارية، تهدف إلى التشكيك في قدرة قطر على احتضان كأس العالم، والدعوة إلى حرمانها من ذلك.

وذكرت الصحيفة أن الحملة التي بدأتها كورنرستون، جاءت بعد أشهر قليلة من انطلاق الحصار الذي فرضته كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى عدد آخر من الدول العربية، على قطر. إذ ساهم الحصار في تسليط الضوء مرة أخرى على أحقية قطر في استضافة الحدث العالمي.

وقالت الصحيفة إن أسباب الحصار المفروض على قطر كانت اتهامها بتمويل الإرهاب والجماعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى التعاون مع إيران، التي تعتبرها الدول الخليجية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، عدوًا لها.

وأكدت أن نطاق وتفاصيل الحملة التي قادتها شركات الدعاية المضادة لقطر، تكشفت من خلال وثائق مسربة تثبت تورط عدد من هذه الشركات، ومن بينها كورنرستون، في التعاون مع جهات ومسؤولين إماراتيين.

ومن بين الوثائق المسربة، وثيقة تثبت تخطيط شركة كورنرستون لإصدار تقارير تربط دولة قطر بجماعة الإخوان المسلمين، والسعي لنشر هذه التقارير في وسائل الإعلام البريطانية، بهدف إلحاق الضرر بسمعتها على الصعيد الدولي. وقد نجحت كورنرستون بالفعل في نشر هذه التقارير في شبكة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

وأضافت الصحيفة أن كورنرستون نجحت أيضًا في إقناع روري دوناجي، وهو ناشط وصحافي معروف بانتقاده لسجلات حقوق الإنسان في الإمارات، بكتابة تقرير يشكك في قدرة قطر على استضافة كأس العالم. ولدى سؤاله، أكد دوناغي أن كورنرستون لا دخل لها في تغيير قناعاته، وأكد أنه كتب التقرير بنفسه دون أن يتدخل أي أحد.

ولكن بعد انقضاء الموجة الأولى من الأخبار السلبية حول قطر، وتزايد الشكوك حول مدى حيادية مؤسسة كورنرستون، قررت «بي بي سي» تغيير النسخة الإلكترونية من التقرير، لتخفيف الادعاءات التي أطلقتها كورنرستون. وقد ذكر متحدث باسم الشبكة التلفزيونية أن تحيين التقارير على مدى اليوم هو من الممارسات المعمول بها، وأنه لم يكن هناك شيء يستحق التصحيح.

وأشارت الصحيفة إلى أن غانم النسيبة، رئيس مؤسسة كورنرستون، لم يكن يعد شخصًا محايدًا في الصراع الخليجي. فرغم أنه عرض في البداية خدماته لتلميع صورة قطر في 2010، فإنه يتمتع بعلاقات قوية مع النخب الإماراتية. فهو من أقارب وزير الخارجية الإماراتي وسفيرها في الولايات المتحدة.

وبعد أن كان في البداية يحرص على استخدام شبكات التواصل الاجتماعي لتقديم الدعم لقطر وجهودها لجلب تنظيم كأس العالم إلى منطقة الشرق الأوسط، خلال السنوات التي تلت العرض الأول الذي قدمه للجنة تقديم الملف القطري، أصبح غانم نسيبة بعد ذلك من أكبر المنتقدين لقطر، ودعمًا للحصار والدول التي فرضته على الدوحة.

«إيكونوميست»: قطر قد تطلب مساعدة إيران في استضافة كأس العالم

في حوار مع صحيفة تايمز أوف لندن، أكد نسيبة أنه فضل دائمًا تنظيم بطولة كأس عالم إقليمية على تنظيمها في قطر فقط، وشدد على أن الآراء الشخصية التي ينشرها على صفحات التواصل الاجتماعي لم تخيم على العمل الذي تقوم به مؤسسته كورنرستون، مؤكدًا أن المؤسسة لا تحصل على تمويل من طرف ثالث.

ومن غير الواضح من هو الطرف الذي دفع مقابل الأنشطة التي ركزت على مونديال قطر، ولكن العلاقة الوثيقة بين المؤسسة والإمارات، تكشفت من خلال وثائق اطلعت عليها صحيفة تايمز البريطانية، تضمنت تحويل مبلغ مليون دولار خلال عام 2015، وقائمة زبائن منشورة على موقع المؤسسة.

وذكرت الصحيفة أن واحدًا من بين أكثر مشاريع كورنرستون طموحًا منذ بداية الحصار الخليجي، تضمن عقد اتفاق بين هذه المؤسسة ومايك هولتزمان، وهو مسؤول علاقات عامة بارز عمل مع حملة قطر 2022، لتسريب معلومات سلبية حول ملف ترشح قطر، في مقابل الحصول على مليون دولار.

وبحسب إحدى وثائق كورنرستون، فإن مايك اتصل بغانم بعد تقرير «بي بي سي»، معلنًا امتلاكه معلومات متعلقة بترشح قطر، وأنه مستعد لبيعها بمقابل. وقد أوضح مايك أنه لم يعد يعمل مع قطر ولم يتقاض أجر بعض الأعمال التي قام بها، ولذلك فقد شعر بأنه تعرض للخداع.

من جانبه صرح نسيبة بأنه ملتزم بما تنص عليه الاتفاقات من سرية، ولذلك فإنه لا يستطيع كشف تفاصيل اللقاءات التي قد يكون عقدها. ومن بينها هنالك لقاء عقده في نيويورك مع هولتزمان، وبول تويد المحامي المعروف بتوليه قضايا التشويه والتشهير، وهي كلها لقاءات ذكرت تفاصيلها في الوثائق.

وأشارت الصحيفة إلى أن تويد، الذي أقر بأن كورنرستون كانت ضمن قائمة زبائنه، عبر عن قلقه الشديد من عملية الاطلاع على البيانات بشكل قانوني، وهو يعتقد أن هذه البيانات «حُللت تحليلًا خاطئًا وأخرجت من سياقها». أما هولتزمان من جهته، فقد رفض الإجابة عن الأسئلة حول تعاملاته مع كورنرستون، مشيرًا إلى طابع السرية الذي تنص عليه الاتفاقات.

ولكن بعد بضعة أشهر من لقاء نيويورك، رتب تويد لنسيبة موعدًا مع السياسي البريطاني داميان كولينز. وكان كولينز قد ذاع صيته في الصحافة البريطانية، بعد أن قام بالتحقيق في الاتهامات المتعلقة بوجود إخلالات في عملية اختيار البلد المنظم لكأس العالم، وذلك بصفته رئيس إحدى لجان البرلمان، وقد عرف هذا الرجل بأنه من منتقدي منح تنظيم كأس العالم لقطر، وهو أقر بأنه التقى بنسيبة في مايو (أيار) الماضي.

وأكدت الصحيفة أن حصيلة ذلك اللقاء وردت في وثيقة تعود لكورنرستون، جاء فيها أن نسيبة وتويد قدما لكولينز المعلومات التي حصل عليها من هولتزمان حول قطر، ومن بينها ادعاء بأن لجنة ملف قطر 2022 استعانت بعملاء من وكالة الاستخبارات الأمريكية، في محاولة لتقويض حظوظ أبرز منافسيها على شرف الاستضافة.

وبعد شهرين، أي في يوليو (تموز) 2018، نشرت صحيفة صندي تايمز تقريرًا وصف حينها بأنه قنبلة، كان عنوانه «حصري: قطر شوهت منافسيها على تنظيم مونديال 2022 بالاعتماد على عمليات سرية». هذا التقرير الذي لم يذكر المصادر التي اعتمد عليها، كشف عن بعض المواضيع المتعلقة بملف استضافة قطر لكأس العالم، والتي كان هولتزمان قد عرض تقديمها لمؤسسة كورنرستون. ومن غير الواضح ما إذا كان هولتزمان قد تقاضى المال من هذه المؤسسة أو غيرها.

ولكن في هذا التقرير، نقل عن كولينز دعوته الفيفا للتحقيق في الاتهامات، وتجريد قطر من شرف تنظيم كأس العالم إذا صحت هذه الادعاءات. إذ قال: «إن العقوبة القصوى لخرق القوانين يجب أن تكون خسارة الحق في استضافة الدورة».

وبحسب الصحيفة، فإنه على الرغم من سنوات من الدعايات السلبية المتواصلة، فقد نجحت قطر في تجاوز كل التحديات التي واجهتها في طريقها لتنظيم كأس العالم. إذ إن أعمال البناء تتواصل في الملاعب الثمانية التي سوف تحتضن الدورة، وقد تم الانتهاء من الأشغال في أحد هذه الملاعب. وشارفت الأعمال على الانتهاء في ملعبين آخرين، من بينهما «لوسيل» الذي سيحتضن حفل الافتتاح والمباراة النهائية.

المال وحده لا يصنع المجد.. لماذا نجحت تجربة قطر في كرة القدم؟

لا أن دفاع قطر عن مونديال 2022 لم ينته بعد، إذ إن غانم نسيبة، مؤسس كورنرستون، يواصل توجيه الانتقادات بشكل متواصل للدوحة على شبكات التواصل الاجتماعي، وفي حوار صحافي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ألمح إلى وجود تسريبات جديدة أكثر ضررًا على سمعة قطر سوف تظهر قريبًا. وقال: «إذا خرج كل شيء أعرفه إلى الإعلام فإن الصحافة سوف تنشر الأخبار حول هذا الموضوع لمدة 365 يومًا».

وأشارت الصحيفة إلى أن صراعًا وجوديًّا آخر حول مونديال 2022 يتواصل بعيدًا عن الأنظار، إذ إن رئيس فيفا، جياني إنفانتينو، عبر عن دعمه لفكرة توسيع قائمة المشاركين لتصبح 48 منتخبًا عوضًا عن 32. ويبدو أن هذه الخطوة تمثل إحدى أبرز أهداف السياسة الخارجية للسعودية والإمارات، إلا أن تحقيقها لن يستوجب فقط موافقة القطريين، بل أيضًا تنازلهم عن جزء من الدورة، باعتبار أن وجود 48 منتخبًا سيمثل عقبة لوجيستية يصعب تجاوزها بالنسبة لدولة قطر، خاصة أنه لم يعد يفصلنا الكثير عن موعد الانطلاق، إلا في حال وافق القطريون على اقتسام حقوق الاستضافة مع جيرانهم.

وذكرت الصحيفة أن إنفانتينو تمكن من الترويج جيدًا لهذه الفكرة في رحلاته، إذ إنه أثناء حديثه في لقاء قادة الدول العشرين في الأرجنتين خلال العالم الماضي، قال: «في 2022 يمكننا أن نرى أيضًا كأس العالم في قطر، إلى جانب -لمَ لا؟- بعض المباريات في بلدان أخرى في الخليج العربي».

إلا أن مشاركة الاستضافة ليست الفكرة الوحيدة التي يتم اقتراحها، إذ إنه في الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني)، نشر موقع في أيرلندا الشمالية مقالًا تحدث فيه عن المكاسب الاقتصادية الكبيرة التي يمكن أن تجنيها بريطانيا إذا تم سحب تنظيم كأس العالم 2022 من قطر ومنحه لها. إلا أن هذا التقرير على ما يبدو كان مبنيًا بشكل كامل على تقرير آخر، أعدته مؤسسة استشارات في لندن، اسمها كورنرستون جلوبال أسوشييتس.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد