نشر موقع «المونيتور» الأمريكي تقريرًا للكاتب سيباستيان كاستيلير، صحافي متخصص في الشؤون الخليجية، استعرض فيه إمكانية أن تُساهم بطولة كأس العالم لكرة القدم التي تنظمها قطر عام 2022 في تضميد الجراح التي خلَّفتها الأزمة الخليجية.

خلُص التقرير إلى أن المجتمعات الخليجية التي مزَّقها الخلاف، الذي اشتعل قبل ثلاث سنوات بين قادة الدول الخليجية، قد تحتاج إلى وقت ليلتئم جُرح تلك الأزمةٍ التي مزقت نسيج روابط اجتماعية تجاوزت الحدود عبر حقب التاريخ.

نقل الكاتب في مستهل تقريره عن الصحافي السعودي عاطف نحاس، المتخصص في مجال كرة القدم، قوله: إن كرة القدم لعبت دورًا محوريًّا في بناء «علاقات قوية» بين مواطني دول مجلس التعاون الخليجي، منذ تنظيم البحرين كأس الخليج الأولى في عام 1970.

كأس العالم 2022.. منصة فريدة للتواصل

وأوضح الكاتب أن الرياضة الأكثر شعبية في العالم كانت تعد في الآونة الأخيرة «منصة فريدة للتواصل» طيلة ثلاث سنوات ونصف من الخلاف الذي وضع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر في مواجهة قطر، على حد قول جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا).

وقال بسام الطاسان، مشجع فريق نادي الهلال السعودي لكرة القدم: إن «كرة القدم هي ما يجمعنا معًا، نحن المشجعين، في جميع الأوقات؛ فبمجرد أن نبدأ في تجاذب أطراف الحديث عن كرة القدم، ينتهي بنا المطاف بالحديث عن أمور أخرى مثل التعليم والحياة وغيرها من المسائل»، مشيرًا إلى أن كرة القدم تُشكل نقطة الانطلاق.

ورغم أن كرة القدم تجمع بين المجتمعات، فإنها يمكن في المقابل أن تبلور – على نحو عكسيٍٍّ – التوترات الاجتماعية والسياسية القائمة مسبقًا. وقد بدا التنافس بين الإمارات وقطر جليًّا خلال كأس آسيا 2019، عندما ألقت الجماهير الإماراتية الأحذية على اللاعبين القطريين؛ وهو تصرف يشير إلى عدم الاحترام في الثقافة الشرق أوسطية، وإسَاءَة يتمنى الطاسان ألا تتكرر مرة أخرى.

ولفت التقرير إلى أن قادة الدول الخليجية اتفقوا في 5 يناير (كانون الثاني) على إنهاء الخلاف الإقليمي في قمة العُلا بالسعودية، وقد رحب إنفانتينو بإعلان العلا «التاريخي» وقال: إن كرة القدم «ستستمر في توحيد المنطقة».

ويعتقد عشاق الرياضة في الخليج أنها قد تكون بمثابة العامل المحفز للمصالحة الاجتماعية – إذ دفعت آلاف الأسر التي فرَّقها الخطاب العدائي ثمنًا باهظًا – وكذلك لإحياء قيمة التآزر المتأصلة في النسيج الاجتماعي الذي تجاوز الحدود تاريخيًّا.

الاقتصاد السلوكي

كأس العالم للمنطقة بأسرها

ونوَّه التقرير إلى أن قطر نالت شرف استضافة أول بطولة كأس عالم لكرة القدم في الشرق الأوسط، قبل عقد من الزمان، وصَوَّرت البطولة على أنها كأس عالم للمنطقة بأسرها، وليس فقط لقطر.

نقل التقرير عن علي الحبسي، سفير اللجنة العليا للمشروعات والإرث المكلفة بتنظيم كأس العالم في قطر 2022، قوله: إن هذا الحدث «مصدر فخر كبير للعمانيين»، ويتوقع المحللون أن تُكثف الدوحة الحديث عن هذه السردية مع انتهاء الأزمة الخليجية.

وقال راشد محمد الهاجري، المشجع القطري لنادي الريان المحلي الذي ظلت علاقته بجماهير المنطقة دافئة طيلة فترة الخلاف: «أتمنى أن تتأهل المنتخبات السعودية والإماراتية والبحرينية جميعها للانضمام إلى كأس العالم 2022».

وأشار الموقع إلى أن حظوظ السعودية، التي خاضت تصفيات كأس العالم خمس مرات، للتأهل للدور الثالث من التصفيات المؤهلة للبطولة ما تزال جيدة. وكان الاتحاد الآسيوي لكرة القدم قد أعلن أن مباريات التصفيات المؤجلة بسبب جائحة فيروس كورونا سوف تُستأنف بحلول 15 يونيو (حزيران).

وقال نحاس: «الكثير من المشجعين في السعودية شغوفون للذهاب إلى قطر في عام 2022؛ إذ ستكون تلك المرة الأولى للكثيرين منهم التي يشاهدون فيها مباريات كأس العالم من أرض الملعب».

وأعرب الطاسان عن حرصه على زيارة الدوحة لرؤية استاد الريان الذي افتتحته قطر حديثًا، والذي يتسع لـ40 ألف متفرج، وهو رابع ملاعب قطر المونديالية الثمانية.

قطر وترسانة الدبلوماسية الرياضية

في أوج أزمة مجلس التعاون الخليجي، نظر الاتحاد الدولي لكرة القدم في إمكانية زيادة عدد الفرق المشاركة في كأس العالم 2022 من 32 إلى 48 فريقًا، مع إشراك دول خليجية أخرى في استضافة البطولة.

استضافت اليابان وكوريا الجنوبية أول بطولة مشتركة لكأس العالم في عام 2002، ولكن استُبعدت تلك الفكرة بعد أن أشارت دراسة جدوى إلى تحديات مرتبطة بشراكة الاستضافة في منطقة منقسمة، ويستبعد التقرير أن تدفع نهاية الأزمة الخليجية إلى إعادة النظر في القرار.

يستشهد التقرير بقول سايمون شادويك، مدير مركز صناعة الرياضة الأوراسية في جامعة إمليون لإدارة الأعمال: «لست على يقين من أن قطر، التي شيَّدت ثمانية ملاعب جديدة بتكلفة مليارات الدولارات، سترغب في أن تشاركها دولة أخرى في استضافة المباريات».

قطر كأس العالم 2022

ويعتقد شادويك أن معسكرات ومواقع تدريب الفرق التي ستشارك في كأس العالم 2022، يمكن أن تشهد تعاونًا أكبر، غير أنه يرى أن أي خطط لتشييد معسكرات للفرق المشاركة في إيران المنافسة للسعودية يمكن أن تُشكل «تحديًا».

وأضاف الكاتب أن برنامج «الجيل المبهر»، التابع للجنة العليا للمشروعات والإرث، برنامج الإرث الإنساني والاجتماعي لبطولة كأس العالم لكرة القدم/ قطر 2022، يمكن أن يوفر منصة للتعاون الإقليمي لمعالجة القضايا المشتركة، مثل كون المنطقة تشهد واحدة من أعلى معدلات الإصابة بمرض السكري في العالم. ويوظف برنامج الجيل المبهر كرة القدم وسيلةً للضغط من إحداث تطورات اجتماعية، وتحقيق الشمول العرقي والديني، وإدماج المرأة في الرياضة، والوصول إلى نمط حياة صحي.

لكن شادويك يستدرك قائلًا: إن «رد فعل» السعودية والإمارات والبحرين إزاء انخراطهم في مبادرة تُشكل في جوهرها جزءًا من «ترسانة الدبلوماسية الرياضية القطرية» لبناء العلاقات الدولية للإمارة وإبراز قوتها الناعمة، لم يتضح معالمه بعد.

المصالحة  الخليجية.. سباق التحول نحو الرياضة العالمية

يعتقد رئيس أعلى هيئة لإدارة كرة القدم على مستوى العالم أن بطولة عام 2022 تُشكل أيضًا «فرصة فريدة» لدول الخليج «للتألق على الساحة العالمية». لكن تقرير «المونيتور» يلفت إلى أن مزاعم الفساد واستغلال العمال المهاجرين الذين شيَّدوا البنية التحتية للبطولة نالت من صورة قطر، على الرغم من نفي المسؤولين القطريين حدوث أي مخالفات.

وفي أبريل (نيسان) 2020، قالت وزارة العدل الأمريكية إن ممثلين يعملون لصالح الإمارة الغنية بالغاز قدموا رشوة إلى مسؤولي الاتحاد الدولي (الفيفا) لتأمين حقوق الاستضافة.

ويرى الكاتب أن استضافة الأحداث الرياضية العالمية تُعد توجهًا استراتيجيًّا لكثير من دول الخليج التي تبحث عن فرص للاستفادة من موقعها الجغرافي؛ كونها مفترق طرق بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وذلك بهدف تنويع اقتصادها، الذي يعتمد حاليًا على عائدات النفط والغاز.

وتستضيف السعودية حاليًا نسختها الثانية من سباق السيارات رالي داكار، وأعلنت في نوفمبر (تشرين الثاني) أنها ستنضم إلى جدول سباقات «الفورمولا 1» هذا العام بسباق ليلي في جدة، لكن المنظمات الحقوقية تصف اهتمام المملكة الأخير بالأحداث الرياضية العالمية بوصفها محاولة لإظهار الوجه التقدمي للنظام السعودي و«تحسين سمعتها باستخدام الرياضة»، خاصة فيما يتعلق بالانتهاكات الحقوقية واسعة النطاق مثل الاعتقالات الجماعية وقمع المعارضة والمراقبة والقرصنة.

كأس العالم

منذ سنة واحدة
مترجم: إلى أين وصلت قطر في استعداداتها لتنظيم كأس العالم 2022؟

وأشار شادويك إلى أن العلاقة «غير المتكافئة» بين قطر والسعودية، التي كانت سمة الفترة ما بين 2010 و2020، نتيجة اجتذاب الدوحة الأضواء من خلال الفوز بحقوق استضافة البطولات الرياضية، على وشك أن تتغير، ومن الآن فصاعدًا سوف يتبارى البلدان في هذا الميدان.

وأضاف التقرير: بعد حرب عطاءات محتدمة بين قطر والسعودية، للفوز بحقوق استضافة بطولة الألعاب الآسيوية لعام 2030، أعلنت اللجنة الأوليمبية الآسيوية أن الدوحة سوف تستضيف نسخة عام 2030، فيما فازت السعودية بحق استضافة الحدث عام 2034 للمرة الأولى.

وبحسب ما يختتم الكاتب، فقد تكون استضافة بطولة كأس العالم الأولى في الشرق الأوسط إما فرصة فريدة لدول الخليج لإحياء روح التعاون والتكامل المنصوص عليها في ميثاق مجلس التعاون الخليجي لعام 1981، وإما تكون نقطة تحول نحو منافسات اقتصادية محفوفة بالمخاطر بعضهم ضد بعض.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد