1,685

أعد الكاتب والصحافي المصري خالد دياب، مقالًا نشره موقع صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، بعنوان «كأس العالم كان ليشتت مصر عن البؤس. لكنه جعل الأمور أكثر سوءًا».

يقول دياب –المقيم في تونس- في بداية مقاله: «عندما انطلقت صافرة نهاية مباراة مصر وروسيا يوم الثلاثاء الماضي، كان انحسار الشعور الوطني واضحًا، حتى هنا في تونس، حيث اجتمعت مع مجموعة من الأصدقاء المصريين ومحبي مصر لمشاهدة المباراة». ويضيف الكاتب أن المزاج العام مع ركلة البداية كان متفائلًا إلى حد ما. فأداء الفريق في المباراة الماضية، في مواجهة الأوروجواي، كان مشرفًا، وخسروا فقط في الدقيقة الأخيرة. فالمنتخب المصري هيمن على المباراة في فترات طويلة منها، لكنه لم يكن قادرًا على تحويل الاستحواذ إلى تسديد أهداف.

ومع السلاح المصري –المعروف- محمد صلاح، المهاجم العالمي الذي حاز متابعة محلية وإقليمية وعالمية، ووجوده في المباراة الثانية، يقول الكاتب: «تمنينا جميعًا أن موهبته في إحراز الأهداف قد ترفع لعنة الفراعنة التي أصابت منتخبنا الوطني في كأس العالم، وتعطينا أولوية الصعود على حساب روسيا».

«أحبطت كل هذه الآمال بمرارة»، بحسب دياب. إذ يرى أن المنتخب المصري كان غير منظم ومشوشًا، ولا يظهر عليه شيء من التركيز الذي ظهر في مباراة أوروجواي، وصلاح كان غير قادر على بلوغ ما رغبه أولاد بلده بشدة، هؤلاء الذين قدسوه بطلًا، فهو الرجل الذي أحيا الكرامة والمبادئ والطيبة مرة أخرى، أو بحسب ما قاله عالم الاجتماع المصري عمرو علي في مقال له: «التأكيد المفاجئ على القيم الإنسانية في نظام مهين للإنسانية».

يقول الكاتب إنه ربما كانت آمال 100 مليون مصري حملًا ثقيلًا على كتف صلاح المصاب، وانهارت أعصابه تحت ضغط أكبر مباراة في مسيرته الكروية. أو أن صلاح ببساطة لم يكن جاهزًا بعد للعودة إلى الملعب بعد الحركة الممنوعة في أحكام الجودو التي استخدمها اللاعب سيرخيو راموس للإيقاع بالمهاجم المصري خلال مباراة ليفربول وريال مدريد، في نهائي أبطال أوروبا.

عندما بدا واضحًا أن الهزيمة حليفة المصريين –يقول دياب- أصبحت الأجواء الاحتفالية السابقة ثقيلة. وينقل الكاتب ما قاله صديق مصري بشيء من الاكتئاب بعد نهاية المباراة: «كنت أتمنى أن يكون هناك ما تفتخر به أمتنا».

وهي النقطة ذاتها التي أبداها بوضوح أكثر المصري علي سعيد، في فيديو انتشر بقوة على «فيسبوك» وصفه الكاتب بالهجوم الساخر، وحصد الفيديو بنهاية أسبوع المباراة أكثر من 1.8 مليون مشاهدة، إذ يتساءل سعيد في المقطع: «كمصريين احنا ليه مينفعش نفرح؟».

ويضيف سعيد وهو يقود سيارته مخاطبًا مشاهديه: «بص هتلاقي الشارع كله الناس كلها مهمومة وقرفانة»، بعدها يبدأ علي في خطبة طويلة منفعلة وجهها إلى كل من المشاهير المصريين الذين سافروا على حساب الدولة إلى روسيا، وإلى اللاعبين ومدرب المنتخب. يصرخ علي: «100 مليون مصري دمهم محروق، 100 مليون مصري نفسهم يفرحوا، مفيش أي حاجة تفرحنا في البلد دي»، ويضيف: «أنا نفسي عربية تخبطني كده وأنا ماشي تجيب أجلي عشان أستريح».

يارب خدنا من الكوكب ده بقا

Geplaatst door Ali Saed op Dinsdag 19 juni 2018

إن أمة مصدومة ومحبطة ومخيبة آمالها، تريد بشدة المهرب الذي تقدمه كرة القدم. يقول الكاتب إن سعيد يعترف بالأساس أن كرة القدم هي أفيون الشعوب، لكنها أفيون يجعل الواحد منهم على أتم الاستعداد لإدمانه حتى «تخلينا ننسى» و«تخلينا مبسوطين شوية». إن الموقف محبِط لدرجة محزنة حتى أن المهرب لا يقدم فرصة فعلًا للهروب. يعود الكاتب يقتبس مما قاله علي سعيد في رثاء: «أنا فعلًا مش فاهم. إيه اللي بيحصل لمصر؟ كل حاجة في مصر سودة».

إن الموقف في مصر يظهر للجميع كئيبًا ومحبطًا بالفعل، إنه كذلك حتى في نظر أكثر وأشد المصريين تأييدًا للرئيس عبد الفتاح السيسي. إن مصر لم تشهد فقط أكثر حملات القمع الممنهجة والمنظمة والقاسية على المعارضة في الذاكرة الحية خلال فترة حكم السيسي المرعبة، لكن أيضًا الاقتصاد في تمزق مستمر، إن قيمة الجنيه في انهيار، والتضخم في مستوى مرتفع للغاية. ويضيف دياب: «إن إجراءات التقشف الشديدة التي عملت مسكنًا للألم، طبقت فقط على المصريين الأكثر فقرًا».

إن هذه القسوة غير المحتملة تتكدس على شعب جرب فترة نشوة من الفخر الزائد والكرامة، وشعور عابر بالأمل في المستقبل، كان ذلك حينما هبوا في انتفاضة 2011 وأطاحوا الطاغية الديكتاتور الذي حكم طويلًا حسني مبارك. يضيف الكاتب أن حينها لم يكن المصريون في حاجة إلى بطل خارق في مجال كرة القدم؛ لأنهم كانوا جميعًا أبطال قصتهم البطولية التي يمكنهم فيها أن يشكلوا أقدارهم.

يقول دياب إنه على الرغم من استمرار محاولة الجيش وأذرعه المدنية الزائفة «لصرف عفريت الثورة» منذ ذلك الحين، إلا أن هذه الحملة وصلت إلى مستوى غير مسبوق تحت إدارة السيسي، الذي يبدو أنه لم يحاول فقط معاقبة المصريين لأنهم تجرؤوا على الحلم، لكنه أيضًا يريد محو فكرة -أو تمنيهم- الديمقراطية وتقرير المصير من عقولهم.

إن صدمة الثورة وحتى الصدمة الأكبر للثورة المضادة لم تظهر نتائجها فقط في مستويات اليأس وخيبة الأمل غير المسبوقة –يستدرك الكاتب- لكن أيضًا في أزمة الصحة العقلية التي تلوح في الأفق، والتي بشكل كبير لم يتم تشخيصها. لكن برغم بذل النظام أفضل جهوده للقيام بأسوأ ما لديه، إلا أنه غير قادر على إسكات المعارضة، أو اغتيال الأمل اغتيالًا كاملًا، كما هو واضح في عشرات الآلاف من المسجونين القابعين خلف القضبان.

يشير الكاتب إلى هاشتاج «ارحل يا سيسي» الذي تصدر الأسبوع الماضي مواقع التواصل الاجتماعي، نتيجة الغضب الشعبي من إجراءات التقشف. ومع وحشية النظام التي لا هوادة فيها، واستراتيجة «فرق تسد» التي يتبعها، بالإضافة إلى اضطراب ما بعد الصدمة الذي يعاني منه الشعب؛ فإنه يبدو من غير المحتمل أن ينزل الناس أو مشجعو كرة القدم المنخرطون في السياسة المعروفون بـ«الألتراس» -الذين كان لهم دور حيوي في الثورة- إلى الشوارع مطالبين بإسقاط النظام… على الأقل ليس في المستقبل القريب.

وبدلًا من ذلك، فإن نفسية المصريين الفردية والجمعية ستستمر في التآكل بفعل الإحباط والغضب المكبوت. يضيف دياب أنه في ظل هذا الجو الكئيب، فإنه ليس من المفاجئ أن يسعى المصريون إلى إلهاء ومهرب وراحة عقلية في كرة القدم، أو يرفعوا من قدر لاعب كرة قدم موهوب وذي مبادئ إلى مقام المخلص والمنقذ.

يشير الكاتب إلى أنه مع عودة الفراعنة إلى وطنهم، فإن شعور البهجة التي تمنى النظام أن يضفيه كأس العالم لتهدئة الجماهير سيتحول إلى مستوى أكبر من الإحباط والغضب العارم. ويختتم خالد دياب مقاله قائلًا: «لكن على الأقل فإن السيسي الضحل السطحي الذي عين نفسه منقذ المصريين لن يشعر بالتهديد أو الغيرة من شعبية صلاح بعد الآن».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك