رصدت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية الأصداء العالمية لاقتحام محتجِّين من أنصار الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب مبنى الكونجرس الأمريكي، والذي شاهده العالم على الهواء مباشرةً، مستعرضةً في تقرير لمراسليها كاترين بينهولد وستيفن لي مايرز ردود فعل قادة العالم تجاه اقتحام الكونجرس، الحدث الذي وصفته الصحيفة بأنه «هز العالم» في ما عدَّه كثيرون تحذيرًا للديمقراطيات العالمية، وتوجَّهت أصابع اللوم إلى الرئيس ترامب مباشرةً.

وحسبما يستهل المراسلان تقريرهما، في حين كانت مجموعة غاضبة تقتحم قلب أقوى ديمقراطية في العالم، كانت بقية العالم تتابع المشاهد التي لم يكن من الممكن تصورها وهي تتكشف في واشنطن بفزع وعدم تصديق، بل وقلق عميق إزاء ما قد تعنيه تلك الاضطرابات في وقت تتنامى فيه القوى المستبدة في مختلف أنحاء العالم.

دولي

منذ أسبوع
الولايات «غير المتحدة».. 5 صور من اقتحام الكونجرس تحكي لك تاريخ أمريكا وحاضرها

تحذير صارخ للديمقراطيات العالمية

وأوضح التقرير أن عديدًا ممن تابعوا البث الحي لمثيري الشغب المسلحين وهم يشقون طريقهم إلى مبنى الكابيتول رأوا أن هذا الاقتحام بمثابة تحذير صارخ ومثير للقلق لكل الديمقراطيات في العالم؛ فإذا كان هذا يحدث في الولايات المتحدة، فإنه يمكن أن يحدث في أي مكان آخر.

يقول بيتر باير، منسق الحكومة الألمانية لشؤون العلاقات عبر الأطلسي، إننا: «نشهد حاليًا هجومًا على أسس الهياكل والمؤسسات الديمقراطية، وهذه ليست مجرد قضية قومية أمريكية، لكنها قضية تهز العالم، أو تهز كل الديمقراطيات على الأقل».

وقد استجاب المسؤولون في مختلف أنحاء العالم، واحدًا تلو الآخر، بتصريحات شبيهة بتلك التي كانت تصدرها في السابق وزارة الخارجية الأمريكية حين كان العنف السياسي يستنزف دولًا أخرى.

وأدان رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون أعمال العنف، ووصف ما حدث داخل الكونجرس بأنه «مُحزِن للغاية».

وغرَّد ماتيو سالفيني، زعيم حزب الرابطة القومية في إيطاليا وأحد المعجبين بالرئيس ترامب، على تويتر قائلًا: «العنف ليس الحل أبدًا»، بينما دعا رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى «نقل منظم وسلمي للسلطة».

بدوره اتخذ ينس ستولتنبرج، الأمين العام لحلف الناتو، خطوة استثنائية للغاية تتمثل في إبداء رأيه في قضية محلية في دولة عضو بالناتو، إذ كتب: «يجب احترام نتيجة هذه الانتخابات الديمقراطية».

Embed from Getty Images

ونقلت الصحيفة عن جاسيندا أرديرن، رئيسة الوزراء النيوزيلندية، قولها إنها ومواطنيها قد «فجعتهم» تلك الأحداث، لكنها أعربت عن ثقتها في انتصار الديمقراطية في نهاية المطاف، وكتبت على تويتر قائلةً: «إن حق الناس في ممارسة التصويت، وسماع صوتهم، ثم تأييد القرار سلميًّا، لا ينبغي أبدًا التراجع عنه بسبب أفعال الغوغاء».

مصداقية أمريكا تتهاوى أمام العالم

ولفت التقرير إلى أن الهجوم على مبنى الكونجرس، الذي يأتي بعد أقل من يوم من اعتقال شرطة هونج كونج لأكثر من 50 ناشطًا في مجال الديمقراطية، يُنْظَر إليه باعتباره ضربة قوية لمصداقية أمريكا على الصعيد العالمي؛ الأمر الذي يجعل من الصعب على الولايات المتحدة مساءلة الزعماء المستبدين في مختلف أنحاء العالم الذين يدوسون بأقدامهم على وجه القيم الديمقراطية.

يقول يوسي ميلمان، الكاتب في صحيفة هآرتس الإسرائيلية، إن: «القادة المستبدين في العالم لا بد وأنهم في مزاج بهيج واحتفالي»، مشيرًا بالأسماء إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينج، والزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، والمرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي.

وفي كمبوديا، استشهد سوك إيسان، عضو مجلس الشيوخ والمتحدث باسم حزب الشعب الكمبودي الحاكم، بادِّعاء ترامب أن الانتخابات الأمريكية كانت فاسدة عندما سأل: «إذا كانت الولايات المتحدة تشهد تزويرًا وفسادًا في الانتخابات، فأي دولة تكون فيها الانتخابات أنزه؟».

ترامب يتحمل المسؤولية

وألمح التقرير إلى أن كثيرين ألقوا باللوم على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مباشرةً. وكتب ستيفان سيجورني، عضو البرلمان الأوروبي والحليف الوثيق للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على تويتر قائلًا: «هذا ما يحدث عندما تزرع الكراهية، دعونا ندافع عن ديمقراطيتنا ونحميها، لأنه من غير الممكن أن نتعامل مع ما يحدث باعتباره أمرًا بديهيًّا».

من جانبه أكد أولاف شولتز، نائب المستشارة الألمانية في تغريدة له قال فيها: «إن الانتقال السلمي للسلطة هو حجر الزاوية في كل ديمقراطية، وهو درس علَّمته الولايات المتحدة للعالم يومًا ما. إنه لأمر مُخزٍ أن يأتي دونالد ترامب ليقوِّض هذه الديمقراطية الآن من خلال التحريض على العنف والدمار».

وقال تشارلز سانتياغو، وهو مُشرِّع معارض في ماليزيا ورئيس منظمة برلمانيي آسيان لحقوق الإنسان، إن ترامب انضم إلى قادة العالم الآخرين «في تقويض الديمقراطية وإرادة الشعب»، مشيرًا بالأسماء إلى رئيس الوزراء الكمبودي هون سين والرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي.

Embed from Getty Images

وقال: «لقد فقدتْ الولايات المتحدة سلطتها الأخلاقية لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في الدول الأخرى، فقد أضحت جزءًا من المشكلة». أما مارزيا رستمي، الناشطة في مجال حقوق المرأة في أفغانستان، فقد قرأت الأخبار عن ما حدث في الولايات المتحدة بينما كان مقاتلو طالبان يهاجمون قاعدة عسكرية بالقرب من منزلها في مدينة قندوز الشمالية.

وقالت: «أرى أن الحوار في الولايات المتحدة قد أفسح المجال للفوضى»، ووصفت كيف سمعت دوي الانفجارات وإطلاق النار عن بُعد بينما كانت تتابع الأخبار على شبكة الإنترنت. «في بلادي، كان الأمر كذلك طيلة 40 عامًا، والآن كان فشل الولايات المتحدة في هذا البلد سببًا رئيسًا في تفاقم الوضع بالنسبة لنا».

وبالنسبة لعديدين من القادة الأجانب، كانت المشاهد في أمريكا أيضًا تذكيرًا لهم بالاعتداءات السياسية على الديمقراطية في أوطانهم. فقد قارن هايكو ماس، وزير الخارجية الألماني، بين اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكي والمحاولة الأخيرة لحشد من المتظاهرين الألمان من اليمين المتطرف لاقتحام الرايخستاغ، مبنى البرلمان الألماني.

وغرَّد ماس على تويتر قائلًا: «ستؤدي الكلمات التحريضية حتمًا إلى أعمال عنف، فكما حدث في الرايخستاغ، والآن في مبنى الكونجرس الأمريكي، سيكون لازدراء المؤسسات الديمقراطية تأثيرًا مدمرًا»، وأضاف: «أعداء الديمقراطية سوف ينْتشُون طربًا بهذه النوعية من الصور التي لا تصدق من واشنطن العاصمة». وقد كانوا كذلك بالفعل، بحسب التقرير.

الأنظمة المستبدة تبتسم ساخرة

وأردف التقرير أن صور أعمال العنف تتلاءم كثيرًا في روسيا مع رواية الكرملين الدعائية للديمقراطية الأمريكية المنهارة، إذ بثت قناة «روسيا 24» الإخبارية المملوكة للدولة مشاهد الفوضى في مبنى الكابيتول على شاشة منقسمة إلى جزئين؛ يُظهِر أحد الجانبين احتفالات عيد الميلاد الأرثوذكسية في روسيا، بينما يُظهر الجانب الآخر الفوضى العنيفة في واشنطن.

وظهر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على التلفزيون الحكومي وهو يُحاضر وزراءه حول فضائل الديمقراطية، في حين قدَّمت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية تحديثات دقيقة بدقيقة تُسلِّط الضوء على دور ترامب في التحريض على العنف بتقديمه مزاعم كاذبة حول تزوير الانتخابات.

وفي الصين، سَخَرت صحيفة «ذا جلوبال تايمز»، وهي صحيفة قومية يسيطر عليها الحزب الشيوعي، من الدعم الأمريكي للاحتجاجات الضخمة التي وقعت في هونج كونج، والتي شملت في مرحلة ما السيطرة على مبنى السلطة التشريعية في عام 2019.

Embed from Getty Images

وترددت اتهامات مماثلة للولايات المتحدة بالنفاق على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي الخاضعة للرقابة الشديدة في الصين، وكثيرًا ما اقتبست تصريحًا صدر في عام 2019 لنانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأمريكي، بأن الاحتجاجات في هونج كونج «مشهد جميل يجب دعمه».

وفي المقابل، سارع أحد نشطاء المعارضة المحاصرين في الإقليم إلى التمييز بين السيطرة القصيرة على مبنى السلطة التشريعية في هونج كونج واقتحام الكونجرس.

وكتب جوي سيو على تويتر: «أقول بوضوح إنه لا سبيل لأي شخص لتبرير ما يحدث في الولايات المتحدة اليوم من خلال إجراء موازنة بينه وبين ما حدث في هونج كونج. نعم، دخل المحتجون إلى كلا المجلسين التشريعيين، لكن أحدهما كان مصممًا على التضحية من أجل الدفاع عن الديمقراطية، في حين كان الآخر يحاول تقويضها».

كذلك ظهر شعور بالشماتة في أجزاء أخرى من العالم التي كانت تتلقى نصائح بشأن الحكم الرشيد من واشنطن. وكتب موسِي ميمان، الزعيم السابق للمعارضة في جنوب أفريقيا، على تويتر: «بوصفنا أفارقة، ندعو الأمريكيين إلى احترام الديمقراطية، واحترام سيادة القانون والسماح بانتقال سلمي إلى السلطة»، وتابع ناصحًا الأمريكيين: «احْذُوا حَذْو الدول الديمقراطية العظيمة مثل جنوب أفريقيا التي تحترم نتائج الانتخابات».

انتفاضة الموت

يتابع التقرير: ووسط كَمٍ هائل من عبارات القلق، ظهر عديدٌ من الأصوات المتفائلة التي تُصِر على أن هذه الأحداث كانت زفرة الموت التي تعانيها رئاسة ترامب وليس بداية نهاية الديمقراطية الغربية، وأن رئاسة بايدن سوف تغير الأمور.

وعلَّق رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على تويتر: «أثق في قوة الديمقراطية الأمريكية، وسوف تتغلب رئاسة بايدن الجديدة على هذه الأوقات العصيبة، وسوف تتمكن من توحيد الشعب الأمريكي».

كذلك عبَّر رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو عن تفاؤله في تغريدةٍ له قال فيها: «يجب أن تتمسك الولايات المتحدة بالديمقراطية، وستفعل ذلك».

وحذَّر آخرون من أن أزمة الديمقراطية تجاوزت ترامب وأن أمريكا قد تستغرق سنوات لإصلاحها. في ألمانيا، حيث استسلمت الديمقراطية ذات يوم للحكم النازي بعد عقد مضطرب ظللته الميليشيات اليمينية المتطرفة والانقلابات الفاشلة، استحضرت صور حشد مسلح يهاجم مقر السلطة الوطنية في الولايات المتحدة أصداء غير مريحة من التاريخ الألماني.

قال أندرياس ميكايليس، السفير الألماني في بريطانيا، إنه: «بعد فشلنا الكارثي في ​​القرن العشرين، علمتنا الولايات المتحدة نحن الألمان تطوير مؤسسات ديمقراطية قوية، كما تعلمنا أن الديمقراطية لا تتعلق بالمؤسسات وحدها، بل تتعلق كذلك بالثقافة السياسية».

Embed from Getty Images

ونوَّه التقرير إلى أن روح الدعابة السوداء وجدت طريقها بالنسبة لآخرين في أحداث اليوم. إذ وَضَع كارل شارو، الممثل الكوميدي اللبناني-البريطاني، تشابهًا غامضًا بين تشجيع ترامب لمقتحمي الكابيتول وتاريخ الولايات المتحدة في المساعدة على الإطاحة بزعماء الدول الأخرى، وكتب على تويتر: «لقد استورد ترامب السياسة الخارجية للولايات المتحدة إلى الولايات المتحدة (استورد السياسة التي يصدرها إلى دول أخرى)».

وفي ختام التقرير، أشار المراسلان إلى سهام النقد التي وجَّهها فيليبي نيتو، معلق سياسي برازيلي شهير، إلى صَدْر الولايات المتحدة، إذ غرَّد متهكمًا: «أنتظر أن تغزو الولاياتُ المتحدة الولاياتِ المتحدة حتى تتمكن من استعادة الديمقراطية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد