نشرت «واشنطن بوست» تقريرًا كتبه «إيشان ثارور» يتناول فيه الخيارات المطروحة أمام الأسد في سوريا، لا سيما بعد أن بدا جليًا لجميع الأطراف أنه لن يترك الحكم، بل يسعى لسيطرة كاملة على سوريا. وما هي الخيارات التي يلجأ لها حلفاء الأسد كروسيا وإيران، وكذلك احتمالية عقد إسرائيل وروسيا اتفاقًا للضغط على إيران.

سيطرة الأسد وانحصار المتمردين

يقول ثارور: «إن الأمر صار جليًا بما لا يدع مجال للشك: النظام السوري باقٍ، وعلى الرغم من الحرب الأهلية التي دامت سبع سنوات، ومقتل الآلاف من السوريين، وهروب الملايين من اللاجئين، ومحاولة تفريغ وإخلاء المدن القديمة، والاستخدام المروع للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، ما يزال الرئيس بشار الأسد في منصبه. وعلى الرغم من أن الأعمال الوحشية التي ارتكبها الأسد تحت مرأى ومسمع عدد لا يحصى من قادة أجانب وحكومات أجنبية أدت إلى الدعوة للإطاحة به، صمد الأسد أمام تمرد متعدد الجبهات ضد حكمه بفضل مساعدة روسيا وإيران».

ويضيف الكاتب أن قوات الأسد أعلنت الأسبوع الماضي تحرير العاصمة دمشق، وكذلك ضواحيها المكتظة بالسكان من «الإرهابيين»، وصارت تحت سيطرت النظام بالكامل، ويرى الكاتب أن ذلك كان بمثابة تتويج لكل الهجوم المنهجي الوحشي ضد مواقع المتمردين المحيطة بالعاصمة، بما في ذلك جيب الغوطة الشرقية، والتي صمدت طوال نصف عقد حتى استسلمت في وقت سابق من العام الحالي.

يذكر الكاتب أن حسب ما أورده زملاء في تقارير أخرى، فإن معاقل المعارضة المسلحة، أصبحت قاصرة على محافظة إدلب في الشمال، المجاورة للحدود التركية، ودرعا على الحدود الأردنية، ويسعى نظام الأسد إلى التحرك للضغط على تلك المناطق أيضًا، في حين يحذر المحللون من احتمال وقوع المزيد من المعاناة البشعة بين المدنيين، أسقطت الطائرات الحكومية منشورات على درعا الأسبوع الماضي، ورد فيها تهديد للمسلحين بالاستسلام، وكتب على المنشورات «رجال الجيش العربي السوري قادمون»، و«اتخذ قرارك قبل فوات الأوان».

كتب «تشارلز ليستر» – باحث بريطاني أمريكي بمركز بروكنجز – في تغريدة له مصحوبة بصورة للمنشور الذي ألقته طائرات الأسد أن «في أعقاب التقارير الواردة بإحلال قوات سورية ووحدات مدربة روسية محل القوات التي تتزعمها إيران في جنوب سوريا، أسقطت طائرات الأسد منشورات على الناس تحتوي على خيارين: الموت أو الاستسلام».

يسيطر الأسد بشكل كامل على المراكز الكبرى الثلاث في سوريا، دمشق وضواحيها، وحمص وحلب، كتبت «لويزا لوفلوك» في أحد تقاريرها المنشور على «واشنطن بوست» أن «الطريق السريع الذي يربطهم هو قيد إعادة الإنشاء الآن، والذي سيوفر طريقًا آمنًا لجنود الحكومة السورية المتوجهين إلى الجبهات المتبقية»، وهكذا، يقول الكاتب: «إن المسرح أعد بالكامل من أجل القمع النهائي للمتمردين».

الحل العسكري مقابل التسوية السلمية

أخبر يزيد صايغ – زميل مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت – بعض زملاء الكاتب في الصحيفة أن «النظام ليس قويًا، لكن ليس هناك شك في أنه سيسيطر على المناطق المتبقية في سوريا حتى يصل الخطوط الأمامية للمناطق التي يسيطر عليها الآخرون»، إلا أن تلك الحقيقة تعد تحديًا لإصرار الغرب على ضرورة معاهدة سلام حقيقية من أجل إنهاء الحرب، تقول «إيما بيلز» – محللة مستقلة للشأن السوري – في حديثها إلى «لوفلوك» «بل إنها على الأرجح تسخر من فكرة أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في سوريا، والتي يروج لها الناس الذين يسعون من أجل محادثات السلام»، وأضافت: «في حين أن فكرة انعدام وجود سلام دائم تحت ظل استراتيجية عسكرية ربما تكون صحيحة، نرى الآن أن بالتأكيد هناك طريق لتحقيق أهدافهم من خلاله: السيطرة».

يعتقد الكاتب أنه لا ينبغي أن يفاجأ أحد من عزم الأسد الدموي على البقاء في السلطة، كتب «ستيفن سايمون» – مسؤول سابق في إدارة أوباما – «احتفظ النظام السوري برباطة جأشه طوال الحرب الأهلية، حتى عندما قضت المعارضة السورية على حكومة الحرب السورية بأكملها في عام 2012، وذلك عن طريق زرع قنبلة بذكاء، وفي ربيع عام 2015 عندما سقطت تدمر وجسر الشغور في يد المتمردين الذين كانوا بشكل متزامن يشيدون حصارًا على غرب حلب. إضافة إلى أن الحاكم السوري تحدى موقف إدارة أوباما سابقًا وكذلك موقف إدارة ترامب، وتخطى برنامجًا سريًا لوكالة الاستخبارات المركزية يهدف إلى تسليح المتمردين «المعتدلين»، فضلًا عن نجاحه في الصمود أمام عدد من صواريخ الولايات المتحدة الأمريكية التي أُطلقت على المطارات السورية».

تعقيد الحرب في صالح الأسد!

يقول الكاتب: «إن السياسات الإقليمية رجحت كفة الحرب بشكل كبير لصالح الأسد، وإن تعقيد الحرب في سوريا أدى إلى تقليل الرغبة الغربية في تغيير النظام في دمشق، وعلى الرغم من أن أجزاءً كبيرة من البلاد ما تزال خارج نطاق سيطرة الأسد، إذ ما تزال تركيا تسيطر على جيب صغير في شمال سوريا، بينما تسيطر القوات الامريكية بمساعدة وكلاء الحرب الذين يقودون الأكراد على الأرض، على الكثير من شرق وشمال شرق سوريا، لا يبدو أن أيًا من حالات الاحتلال تلك تهدد حكمه».

لم يخف الرئيس الأمريكي ترامب عدم اهتمامه بإزاحة الأسد من منصبه، مفضلًا التركيز على محو «تنظيم الدولة الإسلامية» والدفع لتقليل النفوذ الإيراني، حتى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي كان ذات يوم من أشد منتقدي الأسد، خفف مؤخرًا من موقفه ضده، وأصبح أكثر اهتمامًا الآن بالقدرة المتنامية لمليشيات الأكراد السورية على الحدود التركية الجنوبية، وتحرك لإيجاد قضية مشتركة مع حلفاء الأسد: روسيا وإيران.

ويشير الكاتب إلى أن المحادثات حول التحركات الروسية جديرة بالمتابعة، إذ أن دخول الكرملين إلى الحرب مال بموازين المعركة بشكل حاسم لصالح الأسد، حيث حولت القوة الجوية الروسية موازين المعركة في جميع أنحاء البلاد. والآن، قد تسعى روسيا لتوطيد حصتها في نهاية الحرب السورية، والتحرك من أجل أن تكون لها اليد العليا على إيران، حليف الأسد الحيوي على الأرض.

اتفاق روسي إسرائيلي يلوح في الأفق

يقول الكاتب: «إذا ما كانت التقارير الواردة من إسرائيل صحيحة، فإن موسكو ربما تنجح في ذلك؛ إذ ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال اليومين الماضيين أنه من المفترض أن تتوصل إسرائيل وروسيا إلى اتفاق من شأنه أن يجبر الميليشيات الموالية لإيران على الانسحاب من الحدود السورية مع إسرائيل، وربما يمهد لطريق خروج مجموعات أخرى مدعومة من إيران، ويضيف الكاتب أن هجوم الأسد على المتمردين في درعا، والذي دعمه الإسرائيليون والأردنيون والأمريكيون على السواء ذات يوم، سيمر بلا ضابط أو مراقبة».

يرى الكاتب أن مثل ذلك الأنسحاب يناسب تمامًا النظام السوري، يقول «سايمون»: إن «الأسد يحتاج إلى الحفاظ على قوته العسكرية لإستعادة السيطرة على الأراضي في شرق سوريا، وإعادة السيطرة على النفط في سوريا، وفي النهاية إعادة احتلال إدلب في الشمال الغربي»، وأضاف: «سيخاطر الأسد بهدفه في إعادة توحيد الدولة السورية تحت حكمه إذا ما تورط في نزاع مع الولايات المتحدة وإسرائيل». بيد أن أنباء هذا الاتفاق المزعوم لم تمر بسهولة في طهران، حيث انفجرت الصحف الإيرانية منددة بتكتيكات الضغوط الروسية.

ومن ناحية، لا يبدو الأسد مهتمًا في الوقت الراهن، وبينما يستمر في محاولة إحكام قبضته على قلب البلاد، فإنه بصدد أيضًا إحباط وعرقلة محاولات دولية جديدة للتوسط في تسوية سياسية، وبينما تتحول مهمة إعادة البناء إلى تحركات فعلية على الأرض، يخشى المحللون أن النظام سيصعب على الكثير من اللاجئين العائدين استعادة ممتلكاتهم وأصولهم، والتي قد تصادرها الدولة، وتنقلها إلى الموالين للنظام، ويشير الكاتب إلى أن حتى في حالة السلام الوهمي تلك، قد تستشري المظلوميات والانقسامات الجديدة.

ويختتم الكاتب قائلًا: «إن النظام السوري رفض الأسبوع الماضي مقترحًا روسيًا من شأنه تخفيف صلاحيات الأسد الرئاسية، ويؤدي إلى لا مركزية في الحكم جزئيًا، وتحديد مدة الحكم الرئاسية فترتين بحد أقصى مدة كل منهما سبع سنوات»، إلا أن ما عبر عنه متحدث باسم المعارضة للمقترح الروسي من حيث عدم رغبته في قبول تلك الشروط يشير إلى أن الأسد «لا يريد حلاً سياسيًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد