نشرت مجلة «فاست كومباني» الأمريكية المتخصصة في التكنولوجيا والأعمال والتصميم تقريرًا أعدَّه راكفورد ويتز، مدير برنامج الدراسات البحرية في كلية فليتشر بجامعة تافتس، نقلًا عن موقع «ذا كونفرزيشن» ناقش فيه تنافس القوى العالمية على فرْض السيادة على منطقة القطب الشمالي في ظل ارتفاع درجة الحرارة في الوقت الراهن وذوبان الجليد، مشيرًا إلى أن روسيا تمتلك نحو 40 كاسحة جليد، فيما لا تمتلك واشنطن سوى كاسحتين اثنتين. واقترح الكاتب أن تشترك الدول الحليفة في شراء كاسحات جليد مع استمرار كل دولة في بناء أسطولها الخاص من كاسحات الجليد.

القطب الشمالي.. خلفية تاريخية وواقع مرير

يستهل الكاتب تقريره بالقول: لم يكن القطب الشمالي المتجمِّد، على مدى عقود من الزمن، أكثر من مجرد قضية هامشية في المنافسة الاقتصادية على الصعيد العالمي، ولكن هذا الأمر يتغيَّر في ظل ذوبان جليده وارتفاع درجة حرارة المناخ.

العالم والاقتصاد

منذ 5 شهور
مترجم: ما طموح الصين في القطب الشمالي؟ وكيف تحاول روسيا صدها؟

وتحاول روسيا الآن أن تطالب بضم مزيد من قيعان البحار في منطقة القطب الشمالي إلى أراضيها. وكانت موسكو تعيد بناء قواعد عسكرية في القطب الشمالي يعود تاريخها إلى حقبة الحرب الباردة، وأعلنت البلاد مؤخرًا عن خُطَط اختبار طوربِيدها النووي الذي يعمل بالطاقة النووية من طراز بوسيدون في القطب الشمالي.

وأفسحت الانتخابات التي أُجريت مؤخرًا في منطقة جرينلاند المجال أمام تشكيل حكومة جديدة تؤيد الاستقلال وتعارض التعدين الأجنبي للمعادن الأرضية النادرة في ظل انحسار طبقتها الجليدية، ويتضمن ذلك تنفيذ مشروعاتٍ تُعوِّل عليها الصين والولايات المتحدة لتشغيل التكنولوجيا.

وينوِّه التقرير إلى أن درجة حرارة منطقة القطب الشمالي ارتفعت بما لا يقل عن ضعف سرعة ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض بأكمله. وبعد أن أصبح الجليد البحري الآن أرَقَّ وسيختفي قريبًا في فصل الربيع، وضعت كثير من البلدان أعينها على منطقة القطب الشمالي، سواء للوصول إلى الموارد الطبيعية القيِّمة، بما في ذلك الوقود الأحفوري الذي يؤدي استخدامه الآن إلى الاحتباس الحراري العالمي، أو باعتبار هذه المنطقة طريقًا أقصر للسفن التجارية.

واختبرت ناقلة تحمل غازًا طبيعيًّا مُسالًا من شمال روسيا إلى الصين هذا الطريق الأقصر في الشتاء الماضي، حيث عبرت طريق البحر الشمالي الذي عادة ما يتجمَّد في فبراير (شباط) للمرة الأولى بمساعدة كاسحة جليد. واختصر الطريق نصف الوقت المُستغرَق في الشحن تقريبًا.

وتعكف روسيا على بناء أسطولها من كاسحات الجليد على مدى سنوات لهذه الأغراض إلى جانب أغراض أخرى. وفي الوقت ذاته، تحاول الولايات المتحدة اللحاق بها. ومع أن روسيا تتمتع بإمكانية الوصول إلى أكثر من 40 سفينة من هذه السفن اليوم، لا تمتلك قوات خفر السواحل الأمريكية سوى سفينتين اثنتين، تجاوزت إحداهما مدة خدمتها المُقرَّرة منذ وقت طويل.

Embed from Getty Images

وبصفته خبيرًا في التجارة البحرية والجغرافيا السياسية في منطقة القطب الشمالي، يتابع الكاتب النشاط المتزايد والتوتُّرات الجيوسياسية في القطب الشمالي. وتؤكد هذه الأمور أننا نحتاج إلى أن ننظر من جديد في سياسة الولايات المتحدة في القطب الشمالي؛ حتى نتصدى للقضايا المتعلقة بالمنافسة الناشئة في المنطقة.

مشكلة أمريكا مع أسطولها الجليدي

يرى الكاتب أن أسطول كاسحات الجليد الأمريكي الذي عفا عليه الزمن لطالما كان أحد الموضوعات التي تثير إحباطًا مستمرًّا في واشنطن. وكان الكونجرس الأمريكي قد أجَّل الاستثمار في كاسحات الجليد الجديدة على مدى عقود أمام مطالب تتَّسِم بمزيد من الإلحاح. ويقوِّض نقص كاسحات الجليد القطبية الآن قُدرَة أمريكا على ممارسة أنشطتها في منطقة القطب الشمالي، بما في ذلك التصدي للكوارث في ظل زيادة الشحن واستكشاف المعادن.

وربما يبدو هذا الأمر غير منطقي، ولكن يمكن أن يجعل نقص الجليد البحري المنطقة أكثر خطورة؛ إذ تُشكِّل الكتل الجليدية المنجرفة المنفصلة مخاطرَ على السفن ومنصَّات النفط على حدٍ سواء، ومن المُتوقَّع أن تجذب المياه المفتوحة مزيدًا من عمليات الشحن والتنقيب عن المعادن. وتقدِّر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن نحو 13% من الغاز الطبيعي غير المُكتشَف و13% من النفط غير المُكتشَف في العالم ربما يكون في منطقة القطب الشمالي. ولا تمتلك قوات خفر السواحل الأمريكية سوى كاسحتي جليد للتحكُّم في هذه البيئة المتغيِّرَة.

وفي عام 1976، أصدرت السلطات الأمريكية أمرًا بدخول كاسحة «بولار ستار» الخدمة والانضمام إلى قوات خفر السواحل، وهي كاسحة جليد ثقيلة يمكنها تحطيم الجليد الذي يصل سمكه إلى 21 قَدَمًا. وعادةً ما تُستخدَم هذه الكاسحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية خلال فصل الشتاء، ولكن السلطات أرسلتها إلى منطقة القطب الشمالي في هذا العام حتى توفِّر وجودًا أمريكيًّا.

واضطرَّ طاقم السفينة القديمة إلى إطفاء الحرائق والتعامل مع انقطاع التيار الكهربائي وتحطُّم المعدات، وكانت كل هذه التدابير أثناء وجودها في بعض الأماكن الأكثر قساوة وبُعدًا على وجه الأرض. وتعرَّضت كاسحة الجليد الثانية «هيلي»، الأصغر حجمًا، التي دخلت الخدمة في عام 2000، لحريق على متنها في أغسطس (آب) 2020 وألغت جميع عملياتها في القطب الشمالي.

حل أزمة نقص كاسحات الجليد

ويؤكد الكاتب أن إحدى طرق إضافة أسطول كاسحات الجليد تتمثَّل في أن تشترك الدول الحلفاء في شراء كاسحات جليد وتشغيلها مع مواصلة بناء كل دولة أسطولها في الوقت ذاته.

Embed from Getty Images

على سبيل المثال، يمكن أن تتعاون إدارة بايدن مع حلفاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) لإقامة شراكة على غرار برنامج قدرات النقل الجوي الإستراتيجية، الذي ينفِّذَه حلف الناتو من خلال طائرات النقل من طراز سي-17. ويستخدم برنامج النقل الجوي، الذي بدأ في عام 2008، ثلاث طائرات نقل كبيرة يمكن أن تستخدمها الدول الأعضاء الـ12 في نقل القوات والمُعدَّات بسرعة.

ويلفت التقرير إلى إمكانية أن يستعين برنامج مماثل لكاسحات الجليد بأسطول تابع لحلف الناتو، وربما يبدأ البرنامج بكاسحات الجليد التي تُسْهِم بها البلدان الأعضاء في حلف الناتو، مثل كندا، أو البلدان الشريكة، مثل فنلندا. وعلى غرار برنامج قدرات النقل الجوي الإستراتيجية، سيشتري كل بلد من البلدان الأعضاء نسبة مئوية من ساعات تشغيل الأسطول المُشترَك بناءً على إسهاماته الإجمالية في البرنامج.

وفي 9 يونيو (حزيران)، أعلن وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، عن خطوة نحو تحقيق كثير من التعاون من هذا النوع، بالإضافة إلى خُطَط إنشاء مركز جديد لدراسات أمن القطب الشمالي، وهو المركز الإقليمي السادس الذي دشَّنته وزارة الدفاع. وتركِّز هذه المراكز على إجراء الأبحاث والاتصالات والتعاون مع الشركاء.

استخدام قانون البحار

ويرى كاتب التقرير أن هناك إستراتيجية أخرى يمكن أن تُعزِّز نفوذ الولايات المتحدة في القطب الشمالي، وتُخفِّف من وطأة الصراعات التي تلوح في الأفق، وتساعد في توضيح مطالبات قيعان البحار تكمن في أن يصادق مجلس الشيوخ على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

ودَخَل قانون البحار حيز التنفيذ في عام 1994، ووضع قواعدَ لكيفية استخدام المحيطات ومواردها وتقاسمها. ويتضمن ذلك تحديد كيف يمكن أن تطالب البلدان بأجزاء من قيعان البحار. وفي البداية، اعترضت الولايات المتحدة على هذا القانون بسبب إحدى مواده التي تحِد من التعدين في أعماق البحار، ولكن عُدِّلَت هذه المادة للتخفيف من بعض تلك المخاوف. ودعا الرؤساء بيل كلينتون، وجورج بوش، وباراك أوباما مجلس الشيوخ إلى التصديق عليه، ولكن هذا لم يحدث حتى الآن.

ووفقًا للتقرير، سوف يمنح التصديق على القانون الولايات المتحدة وضعًا قانونيًّا دوليًّا أقوى في المياه المُتنازَع عليها. كما سيمكِّن الولايات المتحدة من المطالبة بأكثر من 385 ألف ميل مربع، وهي مساحة تبلغ ضعف مساحة ولاية كاليفورنيا، من قيعان البحار في القطب الشمالي على طول الجرف القاري المُمتد ودرء المطالبات المتداخلة لأي بلد آخر في تلك المنطقة.

Embed from Getty Images

وفي حالة عدم التصديق عليه، ستضطر الولايات المتحدة إلى الاعتماد على القانون الدولي العُرفي للتقدُّم بأي مطالبات بحرية، وهو ما يُضعف وضعها القانوني الدولي في المياه المتنازَع عليها، بما في ذلك منطقة القطب الشمالي وبحر الصين الجنوبي.

الاعتماد على التعاون الدولي

يُلمِح التقرير إلى أن منطقة القطب الشمالي تتَّسِم بصورة عامة بأنَّها منطقة تعاون دولي. وقد حافظ مجلس القطب الشمالي، وهو هيئة دولية، على تركيز ثمانية بلدان ذات سيادة على الأراضي في المنطقة على النظام البيئي الهش في القطب الشمالي، ورفاهية سكانه الأصليين، والوقاية من حالات الطوارئ والتصدِّي لها.

ومع ذلك، أصبحت البلدان التي تقع «بالقرب من القطب الشمالي»، بما في ذلك الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وبريطانيا، وكثير من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، على مدار السنوات القليلة الماضية، أكثر انخراطًا في المنطقة، وأصبحت روسيا أكثر نشاطًا.

وفي نهاية التقرير، يشير الكاتب إلى أنه مع تصاعد التوتُّرات وتزايد الاهتمام بالمنطقة، بدأ عصر المشاركة التعاونية في الانحسار مع ذوبان الجليد البحري.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد