تساءلت سوزان نوسيل في مقال لها على موقع مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية عمّا إذا كانت وسائل الإعلام الأمريكية ستصمد في مواجهة الحرب الشرسة التي يشنها الرئيس دونالد ترامب عليها.

وقالت سوزان إنّ 3 مايو (آيار) الجاري شهد اليوم العالمي لحرية الصحافة، والذي ترعاه الأمم المتحدة، وتحتفل به المنظمات المعنية بمراقبة أوضاع الإعلام حول العالم. ولكن مع هجوم الرئيس الأمريكي الشديد على وسائل الإعلام، فإنّ الاحتفال بهذا اليوم في الولايات المتحدة يأتي في وقت تزداد فيه المخاوف من خضوع وسائل الإعلام للتضييق والمراقبة من طرف السلطات الأمريكية.

اقرأ أيضًا: تعرّف على ترتيب بلدك في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2017

مع مرور المائة يوم الأولى على وصول ترامب إلى سدة الحكم، وهجومه المستمر على وسائل الإعلام، يتساءل الرأي العام داخل أمريكا عمّا إذا كانت وسائل الإعلام تتعرض إلى هجوم حقًّا، أم أنّ ترامب مجرد هاوٍ للاستعراضات.

تقول سوزان إنّ تغطية وسائل الإعلام للمائة يوم الأولى كانت كثيفة للغاية. فقد تسبب هجوم ترامب المستمر على وسائل الإعلام في مضاعفة الأخيرة لتحليلاتها وتحقيقاتها الاستقصائية حول كل شيء كنوع من التحدي، بدءًا من مزاعم تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ووصولًا إلى تغطية احتفالات عيد الفصح في البيت الأبيض.

وترى سوزان أنّه مع نشر وسائل الإعلام المختلفة قصصًا مثيرةً عن الرئيس الأمريكي بصفة يومية، فهي تهدف بذلك إلى قياس مدى صبر الرئيس الأمريكي. إلا أنّ سوزان تعتقد أنّه لا داعي للقلق من هجوم ترامب المتواصل على الإعلام.

إنّ إعلان ترامب بأنّ وسائل الإعلام «تعادي الشعب» ليست إلا مبالغة ترامبية – حسب وصف سوزان– وهي في جوهرها نوع من الاستياء من جانب الرئيس بسبب عدم مديحها المستمر له. تتمتع وسائل الإعلام في أمريكا بمكانة مرموقة، وقد تضاعفت الاشتراكات في مختلف وسائل الإعلام. وقد وصف بعض المعلقين هجوم ترامب بـ«حرب طقسية» تخفي وراءها علاقة دافئة بين الطرفين.

ولكن على الرغم من صمود وسائل الإعلام أمام تلك الهجمة، إلا أنّ تداعياتها ما تزال قائمة. إنّ حملة ترامب على ما أسماه بـ«وسائل الإعلام المضللة» مفزعة. توضح جهود إدارة الرئيس ترامب للكشف عن المعارضين على وسائل التواصل الاجتماعي، وعن الدبلوماسيين الذين وقعوا عريضة لمعارضتهم قرار حظر دخول المسلمين، أنّ هجوم ترامب على وسائل الإعلام هو جزء من استراتيجية أكبر لإسكات المعارضين.

ليس هناك خوف على وسائل الإعلام الأمريكية من هجوم الرئيس، لكن الرسالة التي يبعثها وصف أرفع مسؤول في الدولة لأكثر وسائل الإعلام مصداقية في العالم بالمضللة تمثل مجموعة من القيم التي قد تقوّض الديمقراطية.

تشير سوزان إلى أنّ عدم احترام الرئيس لوسائل الإعلام، وحق الرأي العام في الحصول على المعلومات يتجلى في نهج كبار معاونيه، مثل وزير الخارجية ريكس تيلرسون، الذي أحاط عمله بالسرية وضحك على سخرية المسؤولين الأجانب من وسائل الإعلام الأمريكية. امتد الأمر لإخفاء سجلات زوار البيت الأبيض، ومنع المحتجين من الوقوف على الرصيف المقابل له. والهدف من ذلك هو إبعاد المعارضين، ومعاقبة وسائل الإعلام التي تقوم بتغطية ليست على هوى الرئيس.

ليس هناك خوف على وسائل الإعلام الأمريكية من هجوم الرئيس – تضيف سوزان– لكن الرسالة التي يبعثها وصف أرفع مسؤول في الدولة لأكثر وسائل الإعلام مصداقية في العالم بالمضللة تمثل مجموعة من القيم التي قد تقوّض الديمقراطية. يدرك الجميع أنّ القيم هي أهم شيء. وهناك جيل كامل من البيروقراطيين والمدعين العامين وصناع السياسات وأعضاء في الكونجرس يتعلمون من ترامب. وفي الوقت الذي تتصدى فيه وسائل الإعلام لألاعيب ترامب، فإن رغبتهم ومصادرهم للمقاومة والدفاع عن الديمقراطية لن تكون لا نهائية. وهكذا، تظل العلاقة بين الدولة ووسائل الإعلام مضطربةً.

اقرأ أيضًا: حتى في أوروبا.. الصحافيون عرضة للانتهاكات في أسوأ عام مرّ على الصحافة

وحتى لو لم يقتنع الكثيرون بطريقة تعامل ترامب مع الإعلام، فإن أسلوبه سيشكل سلوك البلاد بأسرها. ورغم ارتفاع نسب الاشتراكات في وسائل الإعلام، إلا أننا نجهل توجهات هؤلاء المشتركين. وإذا كان حوالي 40% من الأمريكيين يؤيدون أسلوب تعامل ترامب مع الإعلام، فإن انتقاده سيعيد تشكيل المجتمع في نهاية المطاف. وترى سوزان أنّ هجوم ترامب على وسائل الإعلام سيعيد تشكيل طريقة تقييم الناخبين للحملات الانتخابية، وطريقة تعليم التلاميذ كيفية البحث عن الحقيقة، وطريقة تعامل المسؤولين مع وسائل الإعلام. إنّ ما يميز الولايات المتحدة عن غيرها من الأنظمة الشمولية هو وجود إعلام ذي مصداقية ومواطن مثقف قادرين على كشف الأكاذيب والسلوكيات الخاطئة.

غضت إدارة ترامب الطرف عن الحملة التي تشنها فنزويلا على وسائل الإعلام. وفي الوقت الذي يزداد فيه سجن الصحافيين حول العالم، فقد تراجعت واشنطن عن دورها العالمي لحماية الصحافيين في شتى بقاع العالم.

تقول سوزان إنّه في الوقت الذي تحل فيه الولايات المتحدة في مراتب متأخرة في مؤشر حرية الإعلام خلف العديد من الديمقراطيات الغربية، فإن قوة وسائل الإعلام الأمريكية ومتابعتها في كافة أنحاء العالم جعلت من واشنطن معيارًا للإعلام المستقل. لقد أنفقت الولايات المتحدة ما يزيد على 300 مليون دولار بين عامي 2009 و2012 لتدريب آلاف الصحافيين حول العالم.

غضت إدارة ترامب الطرف عن الحملة التي تشنها فنزويلا على وسائل الإعلام. وفي الوقت الذي يزداد فيه سجن الصحافيين حول العالم، فقد تراجعت واشنطن عن دورها العالمي لحماية الصحافيين في شتى بقاع العالم.

تقول سوزان إنّ العديد من الحكومات بدأت في السير على خطى ترامب. فعندما وصفت روسيا هجوم خان شيخون الكيماوي بـ«العملية السرية»، شنت وسائل الإعلام الموالية للكرملين حملة على بقية وسائل الإعلام التي كذبت رواية روسيا ووصفتها بالمضللة. وقد تعهدت الحكومة الكمبودية بسحق وسائل الإعلام التي تعرض أمن وسلامة المملكة إلى الخطر.

تختتم سوزان بالقول إنّ رد وسائل الإعلام العنيف على ترامب شيء جيد، ولكن لا يجب أن يحجب ذلك عنا حقيقة أن النهج الذي يتبعه ترامب خطيرٌ.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد