تعاني معظم المواني العالمية إحدى أشَد الصدمات الاقتصادية في الوقت الحالي نتيجة لتراجع العملة الصينية، هذه الأزمة لم تشهدها التجارة العالمية منذ أزمة إفلاس بنك ليمان (أعلن عن إفلاسه في 14 سبتمبر 2008 بسبب الخسارة التي حدثت في سوق الرهن العقاري .كان لإفلاس البنك تأثيرات سلبية على الكثير من أسواق العالم حيث سمي اليوم الذي أعلن فيه البنك إفلاسه بـالإثنين الأسود) حيث أثرت بشكل كبير على معظم الأسواق الناشئة. ولكن ربما لم يعد هناك ذلك التأثير الكبير للتجارة على إجمالي الناتج العالمي.

تراجعت حركة الشحن العالمية تراجعًا كبيرًا هذا الصيف محطمة بذلك آمال التعافي السريع للتجارة العالمية من الركود الذي حدث في بداية هذا العام ومثيرة الكثير من القلق من نهاية فترة ازدهار التجارة العالمية التي استمرت طوال الستة أعوام الماضية.

تراجع شحن الحاويات المارة من آسيا إلى أوروبا بما يزيد عن 20% في الأسبوع الثاني من شهر أغسطس على الرغم من زيادة حجم التجارة بشكل مستمر في هذا الوقت من السنة. في حين تراجع مؤشر شنغهاي لشحن الحاويات (SCFI) للشحنات المارة إلى شمال أوروبا بنسبة 23% في الخمسة أيام الأخيرة.

هذه الكارثة الاقتصادية في مجال الشحن نتيجة انخفاض مؤشر الصناعات في نيويورك في شهر يوليو إلى أدنى حد له بقيمة بلغت -14.5، وهي القيمة الأدنى التي تسجلها منذ الأزمة الاقتصادية كما تمثل أيضًا إحدى أكبر درجات الانحدار في المؤشر خلالَ شهرٍ واحد.


كما انخفض المؤشر الخاص بعمليات الشحن إلى -13.8 ومن المتوقع استمرار الانخفاض ليصل إلى -15.7. لم يحدث أي انخفاض مماثل لهذا سوى في عام 2005 ولكنه كان إنذارًا كاذبًا ويختلف عن الانخفاض الحالي الذي يمثل مؤشرًا دقيقًا لحركة الاقتصاد العالمي.

والآن أصبح لدينا مؤشر واضح لتراجع اقتصادي يشهده شهر أغسطس بالنسبة للأسواق الاقتصادية العالمية. أيضًا فقد شهد مؤشر بلومبرج للسلع ( (Bloomberg Commodity Indexتراجعًا كبيرًا لأول مرة منذ 13 عامًا في يوم الإثنين الماضي، في حين تراجع مؤشر MSCI إلى أدنى مستوى له منذ أغسطس من عام 2009.

إحدى أهم المقاييس أيضًا هو عملات الأسواق الناشئة، والتي شهدت بدورها تراجعًا كبيرًا خلال الأسابيع الثمانية الماضية، هذا التراجع المتتالي يعتبر تراجعًا غير مسبوق منذ بداية القرن الحادي والعشرين. يقود هذا التراجع العملة الماليزية (رينجيت) والعملة الروسية (روبل) بالإضافة إلى الليرة التركية.

تراجع العملات الأسيوية في مقابل الدولار في العام الماضي



انخفاض العملة الصينية في الأسبوع الماضي شكَلَ مفاجأة كبيرة وكان استمرارا لسلسلة الصدمات التي تواجه السوق العالمي غير المستقر حاليًا والذي ينتظر ارتفاعا في حركة التجارة نتيجة لزيادة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في سبتمبر ولكن هذا الأمر مازال محل شكٍ حتى الآن.

تم التعامل مع تغير قيمة العملات عالميا كتحذير هام على كون الاقتصاد الصيني يمر بأزمة كبيرة يجب الاعتراف بها سريعًا، كما مثل الأمر تهديدا رئيسيًا لمصدري المواد الخام والمتنافسين التجاريين في آسيا بشكل عام، لذا فذلك ينذر بانكماش جديد على مستوى التجارة العالمية.

يعتبر القلق الأكثر في هذا الأمر هو بشأن الشركات في الأسواق الناشئة حيث ستعاني لرد قروض بقيمة 4.5 تريليون دولار كانت قد حصلت عليها في السنوات الماضية التي شهدت ازدهارا اقتصاديًا.

أخذت الدورة النقدية اتجاها مغايرًا منذ أنهت الحكومة الفيدرالية عمليات التسهيل الكمي في أكتوبر من عام 2014 (سياسة نقدية غير تقليدية تستخدمها البنوك المركزية لتنشيط الاقتصاد القومي عندما تصبح السياسة النقدية التقليدية غير فعالة. حيث يشتري البنك المركزي الأصول المالية
لزيادة كمية الأموال المحددة مقدما في الاقتصاد. وتتميز هذه عن السياسة المعتادة أكثر لشراء أو بيع الأصول المالية بالحفاظ على معدلات الفائدة في السوق عند قيمة الهدف المحدد) منهية بذلك تدفق أي سيولة مالية جديدة. في حين أن أول زيادة نوعية تم إظهارها بشكل إعلامي مميز، ومع ذلك فلا أحد يعرف بالتأكيد ما الذي سيحدث عندما تبدأ إجراءات التشديد بشكلٍ جدّى.

ازداد سعر اليوان الصيني بنسبة 60% أمام الين اليابانى، في حين ازداد بنسبة 105% في مواجهة الروبل الروسي منذ منتصف عام 2012. وعلى الرغم من ذلك فإن الصين تمتلك حصة نسبتها 6% فقط من إجمالي الناتج العالمي.

البيانات القادمة من ميناء هامبورج يوم الإثنين الماضي تشير بشكل واضح إلى مدى الدمار الذي قد يشكله تراجع العملة وما يمكن أن يتركه من تأثير على الشركات الصينية. أكسل ماتيرن، المدير التنفيذي لميناء هامبورج أشار إلى تراجع قد حدث بنسبة 10.9% في التجارة القادمة من الصين أدى إلى تراجع كبير في حجم ناقلات الحاويات القادمة من الصين المارة من الميناء بنسبة 6.8% في الستة أشهر الأولى من العام.

ويضيف “خلال الأشهر الستة الأولى من العام، كان سعر اليورو بالنسبة لليوان أقل من السعر الحالي بما نسبته 19% تقريبًا مما جعل المنتجات الصينية أغلى بالنسبة للمستوردين”، هذا الأمر يمثل ردًا على المشككين.

يقر ميناء هامبورج بانخفاض التجارة مع روسيا بما نسبته 36%، وهذا يعد دليلا آخر على أن تراجع سعر الروبل أدى إلى شيء من الركود في الأسواق الروسية وأجبر المستهلكين الروس على تقليل مشترياتهم بشكل كبير من السيارات المستوردة وكذلك الأمر بالنسبة للبضائع الثقيلة.

مؤشرCPB الاقتصادي الهولندي للتجارة العالمية أظهر تراجعًا في كل من أبريل ومايو من هذا العالم بشكل عام منهيًا بذلك خمسة أشهر من الازدهار في مجال الشحن حيث ظن الجميع أن الأوضاع السيئة والأزمات قد انتهت بغير رجعة.

تراجع التجارة العالمية

.

 

من خلال المزيد من البيانات والتحليلات الإحصائية عن تجارة الحاويات، يمكننا ملاحظة أن حجم التجارة العالمي قد تراجع بنسبة 3.1% في شهر يونيو إضافة إلى انخفاضه في شهر مايو أيضًا. كان هذا الأمر بمثابة الصدمة حيث أن الفترة بين يونيو وأغسطس تمثل الفترة الأقوى تجاريا طوال العام حيث تتضمن البضائع التي يتم شحنها من أجل أعياد الكريماس.

ما يزيد القلق بشأن حركة الشحن أيضًا هو أن المعلومات القادمة من المواني في آسيا تشير إلى تراجع كبير في يوليو مما يؤدي إلى مزيد من التدهور.

في سنغافورة – التي تمثل ثاني أكبر المراكز التجارية العالمية – شهدت تراجعًا في حجم الحاويات التجارية بنسبة 13.3% عن العام الماضي، وهو أسوأ أداء تحققه منذ الإفلاس المفاجئ لبنك ليمان براذر في عام 2008 والذي شكل كارثة على الاقتصاد العالمى.

مقدار الزيادة أيضا في معدلات شحن البضائع في المواني الرئيسية فى غرب آسيا لم ينج من الأزمة الحالية أيضا، حيث تراجع معدل الزيادة إلى 6. % فقط في شهر يوليو وفقًا للمجموعة المالية اليابانية (نومورا).

لا يمكننا التأكد الآن من مدى تأثير الوضع الحالي على الاقتصاد بشكل عام وما إذا كان سيؤدي إلى ركود أم لا. عملت الصين جاهدة على تقليل إاستيراد المواد الخام المستخدمة في عمليات التصنيع والتي بدورها تشكل جزءًا أساسيًّا من المنتجات التي تصدرها الصين للعالم، فقد قلت نسبة تلك المواد القادمة من الخارج من 75% في عام 1992 إلى 35% في العام الحالي مما كان سببا كبيرا في صعود الصين إلى مقدمة الدول المصنعة. ويواصل الحزب الشيوعي في الصين اتجاهه إلى وضع الصين في مقدمة الدول في مجال الصناعات الثقيلة والإنتاج الشامل، في محاولة للوصول بالاقتصاد الصيني إلى مرحلة من النضج والاعتماد على الذات.


في الوقت ذاته، تسعى كل من الولايات المتحدة وأوروبا إلى إعادة المصانع التي أنشأتها في الصين إلى أراضيها نظرًا لارتفاع تكلفة العمالة الآسيوية في عملية معاكسة لما سميَ سابقًا بالعولمة. هذا الأمر يشير بكل تأكيد إلى أن هناك اتجاه لتراجع معدلات التجارة العالمية وما له من نتائج على الاقتصاد العالمي بشكل عام. نسبة التجارة شكلت 40% من العائد الإجمالي العالمي في عام 1990، في حين وصلت إلى ذروتها في عام 2001 بنسبة 61% ثم تراجعت في السنوات التالية من جديد إلى أقل من 60%.

في دراسة حديثة أعدها صندوق النقد الدولي قالت إن التوسع في سلاسل التوريد (supply chains) الذي تقوده الولايات المتحدة والصين منذ بدايات القرن الحالي قد استُنفِذ. ما يعنيه هذا الأمر هو أن التجارة لم تعد هي القلب النابض للاقتصاد العالمي كما كانت في السابق.

بدأ كل من الائتمان وتداول العملات يزداد مؤخرا في الولايات المتحدة وأوروبا ومؤخرا في الصين أيضًا، مبشرا ربما بتعافي الاقتصاد في نهاية هذا العام، ربما تصبح هذه العوامل هي الأكثر تأثيرا في نهاية الأمر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد