شن المسيحيون على مدى عدة قرون خلال العصور الوسطى «حربًا مقدسة» تهدف جزئيًا – على الأقل في ظاهرها – إلى تحرير الأراضي المقدسة في فلسطين والشام. وانطلاقًا من الأهمية التاريخية لهذه الحروب وتأثيراتها في عالمنا المعاصر، نشر موقع «هيستوري إكسترا»، وهو الموقع الرسمي لمجلة التاريخ التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية «بي.بي.سي»، آراء ستة خبراء حول مدى تأثير تلك الأحداث – التي أعُيدت صياغتها في الكتب والأفلام والخطابات النارية – على الحياة والسياسة في منطقة الشرق الأوسط وفي مختلف أنحاء العالم حتى اليوم.

سليمان مراد: نستحضر الحملات الصليبية لأننا نريد أن نعتقد أن الماضي يحدد الحاضر

بدأ الموقع بعرض رأي سليمان مراد، المؤرخ الإسلامي وأستاذ علوم الدين في كلية سميث بولاية ماساتشوستس الأمريكية والزميل المشارك في معهد نانت للدراسات المتقدمة بفرنسا، والذي اعتبر أن السؤال عما إذا كنا نعيش في ظلال الحملات الصليبية يشير إلى دور سلبي من جانبنا، كما لو أن ما حدث في ذلك الوقت يفسر ما يحدث الآن، موضحًا أن التاريخ غالبًا ما يتشكل عبر ما نختار أن نتذكره وسبب ذلك وكيفيته، أي أن التاريخ يتعلق بالطريقة التي يكتب بها الحاضر الماضي.

سياسة

منذ 4 سنوات
«عشرة آلاف طفل ذهبوا لتحرير بيت المقدس».. سرديةٌ أخرى لتاريخ الحملات الصليبية

وأضاف أن تاريخ الحملات الصليبية يُروى دائمًا باعتباره صدام حضارات وحشي مستوحى من الدين بين المسيحيين الأوروبيين والمسلمين الشرقيين خلال العصور الوسطى، وهو ما يعتقد أنه يفسر (على الأقل جزئيًا) العنف والتوتر السياسي المعاصر بين الغرب والدول الإسلامية، ويربطه بما حدث قبل عدة قرون بين الصليبيين والمسلمين.

وأشار إلى أن البعض يفعل ذلك بحكم العادة، والبعض الآخر متعمدًا. وبغض النظر عن الدوافع، فإننا نميل إلى تنميط الحاضر والماضي ورفض طبيعتهما المعقدة. وأضاف أنه عندما دخل الجنرال البريطاني إدموند اللنبي القدس عام 1917، في أعقاب هزيمة الجيش العثماني في جنوب فلسطين، شبهه الإعلام البريطاني بريتشارد قلب الأسد. وعندما استولى الجنرال الفرنسي هنري جورو على دمشق عام 1920، في أعقاب الهزيمة الساحقة التي ألحقتها القوات الفرنسية بالقوميين العرب، وقف وقفته الشهيرة أمام قبر صلاح الدين وقال: «استيقظ يا صلاح الدين. لقد عدنا!». وفي الوقت نفسه، غالبًا ما يندد السياسيون المسلمون بالحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان وسوريا بوصفها «غزوات صليبية».

Embed from Getty Images

وتابع قائلًا إننا نستحضر الحملات الصليبية لأننا نريد أن نعتقد أن الماضي يحدد الحاضر – وأن هذه ليست سوى فصول مختلفة من نفس الصراع المستمر – ولأن الكثير من الناس يصرون على ضرورة تسوية الحسابات القديمة.

وقال إن ما يضيع في هذا الاستغلال الحديث للتاريخ الصليبي هو واقعه المعقد، فبالرغم من أن تلك الفترة من العصور الوسطى شهدت الكثير من العنف، إلا أنها شهدت أيضًا حالات لا حصر لها من التعاون، والتحالف السياسي والعسكري، وتبادل السلع والعلوم، وأشكال التسامح الديني بين المسلمين والصليبيين.

واختتم كلامه قائلًا إنه عندما كُتب التاريخ المعاصر للحروب الصليبية، بدءًا من القرن التاسع عشر، انجذب الباحثون إلى عنف هذه الحروب، وتجاهلوا الأدلة الأخرى لأنهم لم يجدوا لها فائدة تذكر. ومع ذلك، فإن تاريخ الحملات الصليبية سيُكتب بشكل مختلف عندما نستحضر هذه الأدلة.

هيلين نيكلسون: ما زلنا نعيش في ظل العديد من المستجدات التي شجعتها الحملات الصليبية

من جانبها، قالت هيلين نيكلسون، أستاذة تاريخ العصور الوسطى بجامعة كارديف بالمملكة المتحدة، إننا ما زلنا نعيش مع الذكرى التي أنتجتها الحملات الصليبية، ومع العقلية التي حفزتها، موضحة أن الزعماء الدينيين والقوميين الشعبويين يبنون أساطير حول الحملات الصليبية للترويج لأجنداتهم الدينية أو السياسية وحث أتباعهم إما على الثأر من الحملات الصليبية أو الاستمرار على خطاها.

علاوة على ذلك، بات تعبير «حملة صليبية» يشير إلى النضال ضد أي خطأ أخلاقي، لذا فهناك مثلًا حملة صليبية ضد تعاطي المخدرات وحملة صليبية ضد الفقر. ولا يزال الحافز البشري للوقوف إلى جانب الخير المعنوي بغية القضاء على الشر، يحمل الناس على الانضمام إلى مهام عظيمة صيغت بمصطلحات أخلاقية، مثل الآلاف الذين سافروا من بريطانيا في ثلاثينيات القرن الماضي لمحاربة الفاشية خلال الحرب الأهلية الإسبانية، أو الشباب الذين انضموا إلى ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.

ولكن هل كانت الحملات الصليبية الأصلية تمثل معارك أخلاقية ضد الشر؟ تشير هيلين إلى أن هذا الأمر ليس صحيحًا، إذ بدأت الحملة الصليبية الأولى عام 1095 بخطط الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول كومنينوس لاستعادة الأراضي التي فقدها على مدى السنوات العشرين السابقة أمام السلاجقة الأتراك. وتطورت إلى حملة للنورمانديين الفرنسيين تهدف للاستيلاء على القدس، التي تغيرت الأيدي التي تسيطر عليها أربع مرات خلال العقود الثلاثة التي سبقت ذلك.

إذن، هل كانت الحملات الصليبية تدور حقًا حول السيطرة على الأرض؟ بحلول أواخر القرن الرابع عشر، كانت الحملات الصليبية تركز على وقف التقدم العثماني في منطقة البلقان، وهو ما يشير إلى أنها كانت تدور حول الدفاع ضد عدو لا يمكن إيقافه على ما يبدو.

Embed from Getty Images

وترى أستاذة التاريخ البريطانية أننا يمكن أن نقارن الحملات الصليبية بحلف الناتو، لأن الحملات الصليبية تضمنت تعاون العديد من الدول في عملية ذات فائدة مشتركة، ويمكننا أيضًا مقارنة الحملات الصليبية بعمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، لأن معظم الحملات الصليبية روجت لها الكنيسة اللاتينية (الكنيسة الغربية)، التي تُعد منظمة فوق وطنية. بيد أن هذه المقارنات سرعان ما تنهار عند التدقيق فيها.

واعتبرت أن الأكثر صدقًا أن نقول: إننا ما زلنا نعيش في ظل العديد من المستجدات التي شجعتها الحملات الصليبية: أنظمة الضرائب الحكومية، والقلاع الرائعة، ونوع الخدمات التي تؤديها جمعيات مثل وسام القديس يوحنا الأورشليمي، والذي أصبح الآن نظام السيادة العسكري لفرسان مستشفى القديس يوحنا الأورشليمي (فرسان مالطة)، والتي تقوم بأعمال خيرية في جميع أنحاء العالم

ريبيكا ريست: الكثير من المسلمين لا يعتبرون الحملات الصليبية – التي يعتقدون أنهم فازوا بها – أحداثًا مميزة بشكل كبير.

بدورها، قالت ريبيكا ريست أستاذة تاريخ العصور الوسطى بجامعة ريدينج بالمملكة المتحدة ومؤلفة كتاب «البابوية والصليبيين في أوروبا»، إن الدول الغربية في العصر الحديث كثيرًا ما كانت تنظر للحملات الصليبية بحماس، كما استخدم الكثير من السياسيين والحركات تعبيرات صليبية لتبرير أفعالهم.

واستُخدم كتاب «تاريخ الحملات الصليبية» للمؤرخ لويس مايمبورج، في القرن السابع عشر، باعتباره وسيلة دعاية لاضطهاد البروتستانت في فرنسا في عهد لويس الرابع عشر. كما استخدمت القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر الخطابات الصليبية الزائفة وشبه الصليبية لتبرير حروبها الإمبريالية والاستعمارية.

وفي القرن العشرين، استُخدمت الحملات الصليبية في الرسوم الكاريكاتيرية السياسية خلال الحرب العالمية الأولى. كما كانت العبارات الصليبية عنصرًا رئيسيًا في الخطاب الأمريكي خلال الحرب الباردة، حيث استخدمها الرئيسان هاري ترومان ودوايت أيزنهاور عندما تعاونا مع البابا بيوس الثاني عشر (1939-1958) للتنديد بشرور ستالين والحكم السوفيتي.

وفي العهد القريب، يمكننا الإشارة إلى بعض الحركات الأمريكية – كحركات إلغاء العبودية، والحرب ضد تعدد الزوجات لدى طائفة المورمون، وحظر الكحول، وحركة الحقوق المدنية التي تزعمها مارتن لوثر كينج – باعتبارها أمثلة على حملات صليبية معاصرة.

وأوضحت ريبيكا أن تعبير «حملة صليبية» لا يزال يستخدم للإشارة إلى قضية يؤمن بها الناس إيمانًا قويًا، مثل حقوق الإنسان أو النضال ضد الممارسات غير المشروعة. ومع ذلك، فإن جميع الحملات الصليبية خلال العصور الوسطى تقريبًا (باستثناء الأولى) فشلت في نهاية المطاف، لأنها لم تنجح في استعادة القدس أو الحفاظ على الإمارات الصليبية.

Embed from Getty Images

وفي القرن التاسع عشر، بدأت الهيمنة المتزايدة للغرب – والتي شاهدناها في الاستعمار والإمبريالية والتجارة في تلك الحقبة – تظهر للعالم الإسلامي باعتبارها أكثر من مجرد محاولة لتعويض إخفاقات الحملات الصليبية في العصور الوسطى. ولهذا السبب ولأسباب أخرى، لا تزال الحملات الصليبية تؤثر في الكيفية التي ينظر بها الشرق للغرب حتى اليوم.

وأضافت أنه بالرغم من ذلك لا يعتبر الكثير من المسلمين أن الحروب الصليبية – التي يعتقدون أنهم فازوا بها – أحداثًا مميزة بشكل كبير، لأن الإسلام والمسيحية كانا على خلاف في كثير من الأحيان منذ القرن السابع الميلادي، أي قبل وقت طويل من الحملة الصليبية الأولى (1095-1099). وبالتالي، فإن الحملات الصليبية ليست سوى أحد التعبيرات عن منافسة طويلة الأمد بين الشرق والغرب، بين المسلمين والمسيحيين، وهي الإرث الذي ما زلنا نعيش فيه حتى اليوم.

 نيكولاس بول: إرث الحملات الصليبية قوي بسبب ميول الأوروبيين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين

أما نيكولاس بول أستاذ التاريخ المساعد بجامعة فوردهام بمدينة نيويورك، والمحرر المشارك في كتاب «لمن تعود العصور الوسطى؟ لحظات ملائمة للتعليم من ماضٍ أسيء استخدامه؟»، فيرى أنه في مواجهة الرسالة – التي تروج لها تيارات اليمين المتطرف الأوروبية والإنجليزية والجماعات الجهادية الإسلامية – التي مفادها أننا نعيش في عصر تجدد الصراع بين الإسلام والغرب، قد يستنتج الكثير من الناس على نحو يمكن تفهمه أننا ورثنا تركة قديمة عبارة عن حرب مقدسة. وأوضح الكاتب أننا ورثنا تركة بالفعل، ولكن ليس بالطريقة التي يتخيلها الكثيرون.

وأضاف أن إرث الحملات الصليبية الحالي لا يرجع إلى استمرارية أي مؤسسة صليبية تعود إلى العصور الوسطى. إذ إن العذر الصليبي الذي قدمته الكنيسة – والذي شكّل عنصرًا مركزيًا في هندسة هذه الحروب المقدسة – اختفى فعليًا بحلول القرن السابع عشر.

Embed from Getty Images

وفي الوقت الحالي، تُكرس التنظيمات الصليبية الباقية – مثل منظمة فرسان مالطة – للأعمال الخيرية. ولا يمكن لأي دولة حديثة – سواء في إسبانيا أو البلطيق أو شرق البحر الأبيض المتوسط​​ – أن تُرجع أصولها إلى «الإمارات الصليبية» التي أنشأتها غزوات العصور الوسطى. وتابع قائلًا إن الكثير من مياه التاريخ – إصلاحات وثورات وعمليات تبادل عالمية وصعود وسقوط إمبراطوريات وصدمة الحداثة – جَرَت تحت الجسر، بشكل لا يجعل أي مجتمع حديث لا يزال يحمل آثار العنف الصليبي.

وأضاف أنه مع ذلك فإن إرث الحملات الصليبية قوي، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى مشاعر الأوروبيين وميولهم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. إذ وجدوا في الحملات الصليبية ماضٍ مفيد سعوا من خلاله إلى فهم عالمهم الخاص من الإمبراطوريات العالمية والدول المتحاربة والتغيير الاجتماعي السريع. وبنى هؤلاء المراقبون المعاصرون مخزنًا للصور والقصص الشعبية – مثل اللقاء الملحمي الذي جمع ريتشارد الأول بصلاح الدين خلال الحملة الصليبية الثالثة – واستخدموها لتقديم ادعاءات بشأن الأخلاقيات والهوية الجماعية.

وأوضح أن الأوروبيين الغربيين التقطوا هذه الصور والمواقف في الخارج – مثلما حدث على سبيل المثال عام 1898، عندما أعاد القيصر فيلهلم الثاني (غليوم الثاني) تمثيل غزو القدس وأعاد بناء قبر صلاح الدين في دمشق، ووضع عليه إكليلًا برونزيًا مذهبًا (أخذه لاحقًا توماس إدوارد لورانس، المعروف بـ لورنس العرب، وهو معروض حاليًا في متحف الحرب الإمبراطوري في لندن). – وفي هذا السياق الحديث، بُنيت ذاكرة تاريخية جديدة للحروب الصليبية، ذاكرة جردت العناصر الأساسية للتاريخ الصليبي وبات تحريفها سهلًا على أولئك الذين يجعلون «صدام الحضارات» يبدو أمرًا معتادًا ولا مناص منه.

 كريستوفر تيرمان: انطلقت الحملات الصليبية من معتقدات دينية ومكاسب مادية تتصل بزمانهم ومكانهم، وليس زماننا ومكاننا.

من جانبه، يلقي كريستوفر تيرمان أستاذ تاريخ الحملات الصليبية في كلية هيرتفورد بجامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، الضوء على التداول المعاصر للـ«الحروب الصليبية»، بداية من استخدام الإسلاميين لها في الحملات الدعائية، مرورًا بالنقاشات الفكرية الشاحبة حول الصدام المفترض بين الحضارات، إلى مشجعي كرة القدم الإنجليز الذين يرتدون بسعادة ملابس المحاربين الصليبيين. وتساءل عمن بالضبط الذي «لا يزال يعيش في ظل الحملات الصليبية؟» هل هم الأكاديميون الغربيون المنفصلون عن الواقع؟ أم أولئك الذين يتخيلون أنفسهم ورثة الضحايا؟

Embed from Getty Images

وأضاف أن الحملات الصليبية التاريخية لم تكن متماثلة، بل أثرت على العديد من المجتمعات والمناطق بشكل مختلف تمامًا، بدءًا بتأسيس إمارة بروسيا مرورًا بالانشقاق الأرثوذكسي والكاثوليكي المسيحي، والاعتداءات على اليهود الأوروبيين، والأسطورة القومية الإسبانية لإعادة الاستعمار، وحتى الاحتلال المؤقت والهامشي لأجزاء من سوريا وفلسطين.

وقال إن الحملات الصليبية لم تنشئ الإمبريالية الغربية أو دولة إسرائيل. إن الحروب التي نشبت نتيجة التمسك الشعبوي بأيديولوجية فكرية أو دينية قد تؤدي إلى الاعتراف المعاصر بقضية ما – إنها مشيئة الرب – كانت في وقت ما غير قابلة للإثبات ولا توجد إجابات عن الأسئلة التي تطرحها، لكنها تتمتع بموروثات خيالية وعاطفية.

وأكد أن التزامن الذي حدث في القرن التاسع عشر بين النزعة الرومانسية التي سادت العصور الوسطى والبعثات المسيحية والانتشار العالمي للإمبراطوريات الأوروبية، أعاد إحياء بل واختراع ذكريات الحملات الصليبية، مما وفر حججًا واهية للتدخل الفرنسي والبريطاني في شمال أفريقيا وغرب آسيا. وأضاف أن المناداة الغربية بالسوابق الصليبية ساهم في توعية الأيديولوجيات المحلية بضرورة مقاومة التدخل الأجنبي. وأوضح أن الإشارة إلى سابقة تاريخية غالبًا ما تكون علامة على الجهل التاريخي. ومن المفارقات أن التعبير المزيف بأن «الغرب هو الأفضل» والذي أسسته إمبريالية صدام الحضارات الجديدة يشجع توأمه الجهادي المقابل.

وتابع قائلًا إن الحملات الصليبية، التي انطلقت من معتقدات دينية ومكاسب مادية تتصل بزمانهم ومكانهم وليس بزماننا ومكاننا، هي أمثلة على الاتصال السياسي والثقافي بقدر ما هي أمثلة على المنافسة والغزو. ويُستمد إرثها المستمر من اختلاس رؤية بدائية من الماضي لتبرير الصراع المعاصر أو دور الضحية. إن الشرق الأدنى المعاصر ليس نتاجًا لحروب العصور الوسطى، ومع ذلك لا تزال الحملات الصليبية تكمن في الخطابات السجالية. واعتبر أن الإرث يكون حقيقيًا بقدر ما يؤثر في المعتقدات الشعبية، لكنه ليس حقيقيًا بالقدر نفسه عندما يتعلق الأمر بادعاء تمثيله الاستمرارية التاريخية.

سوزانا ثروب: روجت الحملات الصليبية روايات محددة وأفكار رئيسية ما زالت حاضرة في الثقافات الغربية

من جانبها، قالت سوزانا ثروب أستاذ التاريخ المساعد في كلية أورسينوس بولاية بنسلفانيا الأمريكية، ومؤلفة كتاب «خلاصة الحروب الصليبية»، إن هناك عددًا كبيرًا من الموروثات التي خلفتها الحملات الصليبية، وهي محل نزاع. ففي عام 2019، دعت جهات فاعلة في جميع أنحاء العالم إلى أعمال عنف صيغت باعتبارها إما امتدادًا للحروب الصليبية أو مقاومتها. وهذه الدعوات – والنزاعات المحيطة بها – واضحة للغاية في تغطياتنا الإخبارية.

Embed from Getty Images

وأضافت أنه من السهل نبذ مثل هذه الدعوات إلى العنف باعتبارها عملية استيلاء على التاريخ أو صنع أسطورة، لا سيما أن الدقة التاريخية ليست بالتأكيد الأولوية الرئيسية لأولئك الذين يشيرون إلى الحملات الصليبية. ولكن حين تستخدم هذه الجهات الفاعلة الحديثة الحروب الصليبية للمطالبة بالسلطة السياسية والأرض والالتزام بالعنف الصالح، فإنها تفعل نفس ما فعلته الكثير من الجهات الأخرى على مدى قرون، بما فيها الجماعات الدينية المختلفة والدول القومية الحديثة.

وأشارت سوزانا أنه لا يزال هناك على الأقل هيكلان سرديان أساسيان للحملات الصليبية قيد الاستخدام. الأول هو قصة انتصار الإرادة الإلهية، والذي يؤدي إلى الخلاص الفردي والتوسع المفيد لـ«للعالم المسيحي»، كما نرى في وصف الغزو المسيحي اللاتيني للقدس عام 1099. أما الثاني فهو قصة الهزيمة المقدسة والبطولية، حيث يخسر المحاربون الصالحون المعركة لكنهم رغم ذلك يفوزون بالخلاص الأبدي والشهرة الدنيوية.

وتكمن وراء هذين الهيكلين السرديين عدة أفكار رئيسية: أن العنف باسم الرب مفيد روحانيًا لكل من الفرد والمجموعة الأكبر التي يمثل جزءًا منها. وأن الإرادة الإلهية تتجلى في العالم، وبالتالي فإن النصر الصليبي يدل على الصلاح، بينما الهزيمة الصليبية تحث على مضاعفة الجهد. وأن هناك صلة بين العنف المقدس وتأكيد الهوية الجماعية.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
«إيكونوميست»: كيف أصبح صلاح الدين الأيوبي بطلًا عند الغرب؟

وأضافت أن هذه الروايات والأفكار لم تنشأ قطعيًا مع الحركة الصليبية، إذ يمكن التعرف عليها في وقت أبكر بكثير من التاريخ المسيحي. ومع ذلك، فإن القرون العديدة التي نشطت فيها الحركة الصليبية – والعمل التاريخي بعد ذلك – تم ترسيخها والتأكيد عليها مرة أخرى بصور حية وأساطير وتقاليد شعبية.

ونتيجة لذلك، أصبح تاريخ الحملات الصليبية جزءًا لا يتجزأ من الخلفية الثقافية الغربية، يُشار إليه في الإعلام والفن والتاريخ العائلي وفرق الألعاب الرياضية، وحتى في العلامات التجارية للشركات والمنظمات التي تبدو غير ذات صلة به على الإطلاق. وفي الخطاب السياسي، استُخدم تاريخ الحملات الصليبية منذ فترة طويلة لدعم القومية الغربية والإمبريالية أو الطعن فيها. واختتمت بالقول إن الإرث الثقافي الذي خلفته الحملات الصليبية لا يظهر فقط في الجدالات التي يشعلها المتطرفون العنيفون، بل إنه يحيط بنا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد