ليس من السهل تطبيق التباعد الاجتماعي في مترو الأنفاق؛ لذلك يضع مسؤولو النقل خططًا تفصيلية ليكون النظام جاهزا لعودة ركاب مترو الأنفاق.

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرًا لكريستينا جولدباوم، مراسلة الصحيفة المعنية بشؤون النقل والمواصلات في مدينة نيويورك، وأسهم في إعداده ستيفن كاسل من لندن ونوري أونيشي من باريس، حول الإجراءات المتَّبعة لتحقيق الأمان لركاب مترو الأنفاق في نيويورك.

وفي بداية التقرير، قالت المراسلة إنه سيُطلب من الشركات العاملة في مدينة نيويورك تغيير مواعيد العمل بهدف تقليل كثافة ساعات الذروة في مترو الأنفاق. وستقوم فرقة جديدة من الحراس بدوريات في المحطات، وإبلاغ المشرفين المعنيين بحالات الاكتظاظ وتوجيه الركاب إلى عربات المترو الفارغة. كما ستُضاف إشارات ذات ألوان زاهية في المحطات لتشجيع الركاب على الابتعاد عن بعضهم البعض أثناء وقوفهم على الأرصفة داخل المحطات، وذلك اتِّباعًا لنصائح هيئات النقل في الصين، وسنغافورة، وبريطانيا.

واتخذت هيئة النقل في نيويورك خطوة حازمة يوم الخميس بوقف الخدمة الليلية التي يقدمها نظام النقل طوال الأيام القادمة؛ لمنح العاملين مزيدًا من الوقت لتعقيم القطارات والمحطات. لكنها ليست سوى خطوة أولية يتخذها المسؤولون الذين يتسابقون لتطوير إستراتيجية من شأنها أن تضمن إمكانية أن يعود مترو الأنفاق إلى حالته الطبيعية بعد الجائحة الكارثية التي ضربت المدينة.

أكبر أزمة مالية في تاريخ الهيئة

وأوضحت المراسلة أنه في حين تدرس السلطات القرارات المتعلقة بموعد بدء السماح بإعادة فتح بعض الأنشطة التجارية، فإن قدرة نيويورك على بث الروح من جديد في اقتصادها تعتمد على ما إذا كان الملايين من المسافرين يوميًّا سيعودون إلى شبكة نقل عام اقتنعوا بأنها تقدم خدمة آمنة وموثوقة.

Embed from Getty Images

ولكن يظل التساؤل قائمًا عما إذا كان من الممكن أن يطبق الركاب التباعد الاجتماعي في نظامٍ تتمثل مهمته الأساسية في نقل أعداد غفيرة من الناس على متن عربات ذات مساحات ضيقة.

ويمثل التحدي اختبارًا لهيئة النقل الحضرية، وهي أكبر هيئة للنقل في الولايات المتحدة، بينما تترنح تحت وطأة تفشي المرض الذي استنزف موارد مترو الأنفاق؛ حتى أن أكثر من 90% من الركاب لم يعودوا يستخدمون المترو، وأودى المرض بحياة ما يقرب من 100 عامل وأمرض آلافًا آخرين وأدَّى إلى أكبر أزمة مالية في تاريخ الهيئة.

يقول نيك سيفوينتيس، المدير التنفيذي لحملة Tri-State Transportation Campaign (TSTC)»، وهي جماعة تأييد معنية بوسائل النقل: «إذا كنا نريد تحقيق انتعاش اقتصادي حقيقي، فعلينا إيجاد حلٍ لتوفير الأمان في وسائل النقل العام، والتأكد من أن الناس يشعرون حقًا بالأمان. وبغير ذلك، ستتباطأ الحركة تدريجيًّا داخل المدينة حتى تتوقف تمامًا بلا وسائل نقل، تقريبًا على نحو ما تباطأت تدريجيًّا حتى توقفت تمامًا بفعل هذه الجائحة».

ومن الواضح أن نيويورك ليست بِدعًا من دول العالم في هذا الأمر؛ ففي حين تسعى المدن حول العالم جاهدةً لإنعاش اقتصاداتها، تقدح هيئات النقل المنهكة بسبب الجائحة زناد فكرها للتوصل إلى كيفية إعادة الركاب إلى استخدام وسائل النقل بأمان. وينطوي كل خيار متاح تقريبًا على مقايضات بين الفوائد المالية والصحة العامة.

يوضح التقرير أن تشغيل أكبر عدد ممكن من القطارات للحد من الازدحام سيؤدي إلى إجهاد قدرة الهيئة على تعقيم القطارات على النحو الذي تريده. لكن البديل – ببساطة تقليل عدد الركاب في عربات القطارات – يمكن أن يضر بقدرة المدينة على نقل عدد كافٍ من المواطنين لدفع عجلة الأعمال والأنشطة التجارية.

إجراءات غير مسبوقة

وشدد التقرير على أن أي إستراتيجية مقترحة ستكون معقدة بسبب حجم النظام ونطاقه الهائلين. وفي الظروف العادية، تجري 38% من رحلات المسافرين على متن وسائل النقل العام في البلاد عبر النظام الذي تشرف عليه الهيئة التي تُشغِّل مترو الأنفاق والحافلات في المدينة وسكتين من السكك الحديدية لنقل الركاب والعديد من الجسور والأنفاق.

يقول رئيس الهيئة، باتريك جيه فوي، عن الإغلاق الليلي: «لم تمر بنا أيام مثل هذه، وهيئة نقل «متروبوليتان» (المسؤولة عن النقل العام في ولاية نيويورك) تتخذ إجراءات غير مسبوقة. وسوف نتبع توجيهات حاكم الولاية وتوجيهات خبراء الصحة العامة ومقترحات مجتمعات الأعمال والعمال، وسوف نُنسِّق إقليميًّا».

وفي آسيا وأوروبا، حيث يُعاد فتح بعض المدن بالفعل، تختبر أنظمة النقل العام بعض التدابير لتشجيع التباعد الاجتماعي، بما في ذلك: تقليل الطاقة الاستيعابية للحافلات، وتقديم التذاكر في وقت محدد، والتحقق من درجات حرارة الركاب.

Embed from Getty Images

وفي العاصمة الفرنسية باريس، حيث أُغلِق أكثر من 50 محطة مترو كجزء من الإغلاق العام للمدينة، ألزم المسؤولون الركاب بارتداء أقنعة الوجه، وسيقللون من عدد المقاعد المتوفرة في القطارات عند إعادة فتح المدينة. وأضاف مسؤولو النقل في العاصمة البريطانية لندن علامات تساعد الركاب في تطبيق التباعد الاجتماعي على الأرصفة داخل محطات المترو وداخل عربات المترو.

واستدركت المراسلة قائلة: لكن الأدوات المتوفرة لمسؤولي النقل في مدينة نيويورك أكثر محدودية. وعلى عكس نظرائهم في الصين، حيث يجب على المواطنين تنزيل برامج على هواتفهم الذكية لتحديد ما إذا كانوا يتمتعون بصحة جيدة بما يكفي لركوب مترو الأنفاق – على النقيض من ذلك – لا يتمتع مسؤولو نيويورك بسلطة استخدام المراقبة الحكومية. وأي خطوات لفصل الركاب عن بعضهم البعض، وتعقيم المعدات على نحو أفضل، في نظامٍ قوامه 26 خط مترو أنفاق و472 محطة مترو أنفاق؛ ستزيد من نفقات هيئة النقل.

كما أن النقص في القوة العاملة التي كبلها فيروس كورونا؛ سيحد من قدرة الهيئة على زيادة الخدمة، ومنع الاكتظاظ عند عودة الركاب.

ويقول المسؤولون إن جزءًا من المسؤولية عن الحد من انتشار الفيروس يقع على عاتق الركاب، الذين يجب أن يلتزموا طواعيةً بأي إرشادات جديدة، وكذلك أصحاب العمل الذين يمكنهم المساعدة في منع الاكتظاظ خلال ساعات الذروة عن طريق جدولة أوقات العمل.

يقول جوزيف جيه لوتا، نائب رئيس البلدية السابق ورئيس الهيئة: «إن وظيفة هيئة نقل متروبوليتان تتمثل في المقام الأول في الحفاظ على نظافة مترو الأنفاق وتشغيله في أوقاته المحددة. وسيكون الأمر متروكًا للركاب في مسألة ارتداء الأقنعة ومحاولة الحفاظ على التباعد الاجتماعي».

التعقيم هو الحل

ولفت التقرير إلى أن الهيئة بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات استثنائية لحماية النظام. ويُعد التحرك لإغلاق مترو الأنفاق من الساعة الواحدة صباحًا حتى الساعة الخامسة صباحًا كل ليلة لتعقيم القطارات والمعدات والمحطات هو القرار الأول من نوعه في تاريخ هيئة نقل متروبوليتان. ويقول مسؤولو الهيئة إن إيقاف الخدمة لمدة أربع ساعات في الليلة سيتيح لفريقٍ يتكون من حوالي 900 عامل نظافة تطهير القطارات كل 24 ساعة. كما سيوفر الوقت لاختبار تقنيات تعقيم جديدة وأكثر كفاءة، مثل المصابيح فوق البنفسجية، والعوامل الميكروبية، والرشاشات الكهربائية.

وقال حاكم الولاية أندرو مارك كومو في إحاطته اليومية يوم السبت: «للتأكد من سلامة عمال النقل، وللتأكد من سلامة ركاب المواصلات العامة؛ فإن أفضل شيء يمكنك القيام به هو تعقيم العربات بالكامل من الداخل، وهو تحدٍ كبير».

وفي الأسابيع التي أعقبت ظهور أول حالات الإصابة المؤكدة بالفيروس في نيويورك، أظهرت الأبحاث الجديدة المخاطر التي يشكلها النقل العام في مسألة انتشار العدوى. كما أظهرت دراسة نُشرت في مجلة «نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين» الطبية أن الفيروس يمكن أن يعيش على الأجسام الفولاذية، مثل أعمدة مترو الأنفاق، لمدة ثلاثة أيام ويظل معلقًا في الهواء لمدة 30 دقيقة على الأقل.

Embed from Getty Images

وأظهرت أيضًا دراسات حديثة أخرى عن الفيروس في الصين أن الأماكن الداخلية المغلقة – المنازل والمطاعم ووسائل النقل العام، على سبيل المثال – تشكل خطرًا أكبر في انتقال الفيروس مقارنةً بالمناطق الخارجية المفتوحة. وقالت كريستال بوليت، أستاذة مساعدة في علم الأوبئة في كلية ييل للصحة العامة: إن «خطر العدوى في مترو الأنفاق مرتفع إلى حد ما، لأن المساحات فيه مغلقة، وفي معظم الحالات تكون التهوية غير جيدة وهناك حركة مرور عالية جدًّا».

ومع ذلك ومع بدء عودة الأعمال التجارية وعودة المدينة إلى الأوضاع الطبيعية، سيعود الراكبون الذين يعتمدون منذ فترة طويلة على مترو الأنفاق حتمًا إلى النظام. يقول جاكي كوهين، مدير منظمة Straphangers Campaign، وهي جماعة تأييد: «يعود الناس دائمًا إلى استخدام مترو الأنفاق، حتى في الأوقات التي يشعر فيها البعض أن أحدًا لن يعود إلى استخدامه على الإطلاق. وأنا متفائل، على الرغم من أن هناك طريقًا طويلًا علينا أن نجتازه ولا تزال هناك أمور كثيرة يجب على هيئة نقل متروبوليتان أن تفعلها. ويجب القيام بكل ذلك لاستعادة ثقة الركاب».

وأفاد التقرير بأن السيد كومو وجَّه بالفعل بإلزام الركاب وعمال النقل في عربات المترو والحافلات المزدحمة بارتداء أغطية الوجه. كما طبَّق مسؤولو النقل إمكانية الصعود من الباب الخلفي في الحافلات للحفاظ على التباعد بين الركاب والسائقين. لكن خبراء الصحة العامة قالوا إنه يجب توسيع هذه الجهود على نحو ملحوظ مع عودة المزيد من الركاب إلى النظام. يقول د. سايروس شاهبار، مدير برنامج الوقاية من الأوبئة في منظمة «فايتال استراتيجيز» للصحة العامة غير الربحية، وهو خبير مخضرم في المراكز الفيدرالية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها: «لا يمكنك العودة إلى السماح لأكبر عدد ممكن من الأشخاص باستخدام مترو الأنفاق».

نماذج أخرى للتعامل مع الجائحة

وأشارت المراسلة إلى أنه في المدن خارج الولايات المتحدة، اتخذ المسؤولون خطوات أخرى لضمان التباعد الاجتماعي، بما في ذلك تقليل الطاقة الاستيعابية للحافلات إلى النصف. وفي الصين تُطبَّق القاعدة باستخدام الكاميرات المثبتة في الحافلات. وتُعقِّم معظم المدن الصينية الحافلات بعد كل رحلة، وقد استخدمت السلطات في هونج كونج روبوتات – بتكلفة تبلغ حوالي 129 ألف دولار للروبوت الواحد – لرش محلول بيروكسيد الهيدروجين لتعقيم عربات القطارات.

كما يوزِّع المسؤولون الصينيون مُعقِّم اليدين في مراكز النقل – وهي خطوة تدرسها هيئة نقل متروبوليتان – وافتتحوا نقاط تفتيش للمراقبة الصحية في المحطات، حيث تُفحَص درجات حرارة الركاب قبل أن يتمكنوا من استقلال القطارات. وفي العاصمة الصينية بكين، يختبر المسؤولون نظام «ركوب مترو الأنفاق حسب الموعد»؛ مما يتطلب من الركاب استخدام تطبيق الهاتف الجوال لحجز وقت لدخول محطتي مترو الأنفاق الأكثر ازدحامًا بالمدينة خلال ساعات الذروة.

ومع ذلك، لا يزال تخفيض حمولة الركاب في الصباح الباكر وفي وقت متأخر بعد الظهر يمثل تحديًّا كبيرًا. ويقول خبراء الصحة العامة إنه من الناحية المثالية، ستُشغِّل أنظمة النقل العام أكبر عدد ممكن من القطارات خلال الأوقات الأكثر ازدحامًا للحد من الازدحام؛ وهي إستراتيجية محدودة التطبيق بسبب عدد أطقم العاملين والمنظفات والقطارات المتوفرة والتكلفة الباهظة.

وللمساعدة في تقليل السفر خلال ساعات الذروة المعتادة من الساعة التاسعة صباحًا حتى الساعة الخامسة مساءً؛ أعاد أصحاب العمل الرئيسيون في آسيا وأوروبا العاملين إلى جداول المواعيد الدورية الخاصة بأيام العمل خلال الأسبوع، وزوَّدوهم بوسائل نقل خاصة، ووفروا لهم أماكن إقامة مؤقتة في فنادق تقع على مسافة قريبة من أماكن العمل.

تقول كاثرين وايلد، رئيسة مؤسسة الشراكة من أجل مدينة نيويورك غير الربحية، وهي مجموعة أعمال: إن بعض التدابير المتَّبعة يمكن أن تقدم نموذجًا يستقي منه المسؤولون وأرباب العمل في نيويورك أفكارًا حول كيفية العودة بالمدينة إلى العمل مرة أخرى. وأضافت السيدة كاثرين: «إن أشد ما يقلق أصحاب العمل هو شعور موظفيهم بالراحة عند العودة إلى أماكن العمل، والسلامة والأمان في مترو الأنفاق هما الشغل الشاغل للموظفين».

قضية جوهرية

وألمحت المراسلة إلى مقترحات أخرى قدمها نشطاء مهتمون بمجال النقل بضرورة أن تجد هيئة نقل متروبوليتان وسائل لقياس أعداد الركاب في الوقت الفعلي – مثل تعيين عمال نقل مهمتهم الإبلاغ عن الازدحام في المحطات – ومن ثم ضبط الخدمة لإضافة قطارات على الخطوط الأكثر ازدحامًا. وتخطط جمعية النقل العام الأمريكية، وهي جماعة ضغط، لإصدار إرشادات تفصيلية حول استخدام وسائل النقل في جميع أنحاء البلاد، مع بدء إعادة فتح المدن. ويقول بول سكوتيلاس، رئيس الجمعية، عن ذلك: «سيكون التمويل بمثابة القضية الجوهرية، ويجب أن تتوفر الدولارات للقيام بكل ذلك».

صحة

منذ أسبوع
كيف تحافظ على صحتك من المضاعفات غير المباشرة لفيروس كورونا؟

وذكر التقرير أن هيئة نقل متروبوليتان، التي تلقت بالفعل 3.8 مليار دولار من المساعدات الفيدرالية منذ بدء انتشار الجائحة، طلبت 3.9 مليار دولار إضافية لتعويض ﺻﻧﺩﻭﻕ ﺍﻷﺟﺭة ﻓﻲ الحافلات، وإيرادات الضرائب، والإيرادات الضريبية المخصصة التي اختفت فعليًّا. ومن المتوقع أن تتكبد الهيئة أيضًا مئات الملايين من الدولارات من النفقات المتعلقة بالفيروس، والتي ستستمر في التصاعد مع استئناف المدينة بعض مظاهر الحياة الطبيعية. ويمكن أن تساعد المساعدات الفيدرالية في معالجة النقص المباشر، ولكن استعادة ثقة الركاب هي الطريقة الوحيدة لكي ينتعش النظام انتعاشًا كاملًا. 

واختتمت المراسلة تقريرها بقول داني بيرلشتاين، المتحدث باسم رايدرز أليانس، وهي جماعة تأييد: «سوف يستغرق الأمر وقتًا طويلًا جدًّا، إذا حدث ذلك أصلًا، قبل أن يشعر سكان نيويورك بالتفاؤل بشأن اكتظاظ القطارات بالركاب خلال ساعة الذروة كما اعتادوا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد