عادةً ما يُسأل المؤلفون عن مصدر أفكارهم. بالنسبة لي ككاتب حر، أدين بجوابي بعض الشيء للكاتب الغنائي سامي كان. حين سُئِل أيهما يجيء أولًا، اللحن أم الكلمات، قال: “المكالمة الهاتفية”.

ذات صباح أتتني تلك المكالمة من حاخام من الغرب الأوسط، والذي سمِع عن عملي ككاتب خفي. سألني ما إن كنت مهتمًا بكتابة مذكرات مع بطريرك عائلة مُحسِنة وبارزة. كانت هناك مفاجأة: هذا الكتاب لن يُنشر.

استغرقت وقتًا لأستوعب غرابة السؤال. هل كنت مستعدًا حقًّا لكتابة كتاب لن يراه أحد؟ – دع جانبًا أن يُقرأ من قِبَل أي شخص أعرفه أو أي أحد قد يرغب في توظيفي مستقبلًا. وهل كنت مستعًدا للتخلي عن الملكية الفكرية والمراجعات وغير ذلك من العوائد الاجتماعية والمادية التي يحب الكُتّاب أن يحلموا بها وأن يلاقوها أحيانًا؟ كان لعائلة العميل سمعة ممتازة، لذا فقد سافرت لرؤيته.

قابلت ج. وزوجته بمطعم في وسط المدينة، وأُعجب كل منا بالآخر فورًا. تقابلنا مرة أخرى في الصباح التالي، وتوصلنا أنا وابنه إلى نوع من التفاهم بنمطٍ سأراهُ ثانيةً. يمانع أفراد  الجيل الأكبر عادةً أن ينفقوا أموالًا من أجل مذكرات، إلى أن يشير ابن أو ابنة إلى أن هذا الكتاب الخاص هو في الواقع للأحفاد – ثم لأجيال أبناء الأحفاد فيما بعد. أي أننا نتحدث عن التراث. بعبارة أخرى، أبي (أو أمي) على الرغم من أن هذا الكتاب هو عنك، هو ليس لك بالفعل.

بعد مضي عدة أشهر على العمل، أصيب ج. بسكتة قلبية مميتة. عندها طلبت مني أرملته أن أستمر في الكتابة، وبدأت بتحويل المذكرات إلى سيرة ذاتية. في ذلك الوقت عرفت أن والد ج. أيضًا قام بكتابة مذكرات خاصة، وهكذا فعل والده، مما يعني أن الكتاب الذي أكتبه سيقوم مقام رابطة أخرى في سلسلة عائلية قديرة.

الكتابة المخصصة لعملاء محددين شبيهة بالعمل على أي كتاب آخر من أغلب النواحي. مع ذلك، أحد الفروق أنه بدلًا من محاولة تخيل ما قد يجده الجمهور مُقنعًا، أو بدلًا من مناقشة جزء من المحتوى مع المحررين والناشرين، لدي الآن طريق مباشر للقراء. فَهُم نفس الأشخاص الذين أجريت مقابلة معهم – أفراد عائلة عميلي وأصدقائه المقربين وشركائه، لذا فأنا أعرف ما هو مهم بالنسبة لهم.

المفاجأة السارة الأخرى هي أن الكتب الخاصة لا تتطلب تناسقًا بنائيًّا. حينما يتطلب موضوع عرضي توجهًا آخر، بضع صفحات ربما من التاريخ الشفهي، أو حتى قائمة حواشي، يكون بإمكاني أن أجعل الشكل مناسبًا للمحتوى بدلًا من العكس. هناك بعض الأوقات على سبيل المثال حين تكون أفضل طريقة للتعامل مع موضوع جدلي معقد هو عرض حوار مكتوب يعكس العديد من وجهات النظر. أنا لا أستغل إتاحة تلك الأشياء كثيرًا، لكن من اللطيف أن تتواجد الخيارات.

بعد كتابتي لبضعة كتب لا يمكن إيجادها في أي مكتبة أو محل لبيع الكتب، بدأت باكتشاف مكافآت تمثل بالنسبة لي ما يعادل رؤية اسمي على أرفف الكتب الأكثر مبيعًا. ناشرو المذكرات التجارية أو السير الذاتية عادةً ما يشجعون الكُتّاب على الاهتمام بشكل خاص بالعناصر الحياتية الدنيئة، لأن – وَدَعونا نواجه الأمر- الفضائح والجرائم والإدمان وغيرها من الإخفاقات البشرية هي التي تأسر انتباه أغلب القراء، أكثر من القيم التي يرجح لي أن أكتب عنها. لكن عندما تطلب عائلة أو منظمة كتابًا، يكونون أكثر اهتمامًا بالقصص والشخصيات والعبر بدلًا من الدعاية أو الإثارة الصحفية. يفترضون أن الكاتب سيركز على الطبيعة الأفضل للموضوع، وهو ما لا بأس به بالنسبة لي. بخلاف القديس أوغسطين، ليست كل مذكرات عليها أن تكون اعترافية، ولا توجد قاعدة سماوية أو إنسانية تلزمنا بالكشف عن كل تفصيلة من حياتنا. اعتبرني قديم الطراز، لكنني أفضل استكشاف الصفات والأفعال التي من شأنها أن تلهم الأجيال القادمة. وقد يحدث أن يلهموني هم أيضًا.

لكن أليست تلك علاقات عامة؟ لا أظن ذلك – ليس عندما يكون كتابك سيقرأه حفنة قليلة من القراء. سمِّها علاقات خاصة إن شئت. في المذكرات التجارية بالطبع أفعل ما بوسعي لأقدم صورة كاملة عن الشخص، وهو ما يمكن أن يكون صعبًا حين يكون الشخص قد أمضى حياة كاملة متجنبًا موضوعات محددة.

الكتب الخاصة تختص بمجموعة مختلفة من الصعوبات. هاتفي لا يرن كثيرًا، وحينما يرن، لا يمكنني أن أُري أعمالي السابقة لعميل مُحتَمل لأن الكتب الخاصة بحكم تعريفها هي سرية. لا أحب ألا يكون لدي الكثير لأقوله حينما يسألني أحدهم عما أعمل عليه، وعندما أتورط في مشاكل لا يكون هناك محرر يمكنني التشاور معه. أفتقد نصيحة وصداقة الناشرين والمحررين والمروجين، والإثارة الصغيرة لدخول دار نشر حيث تصطف الكتب المتألقة على الجدران وتمتلئ المكاتب بأشخاص يحبونها.

من بين كتبي التجارية، حقق كتابان أو ثلاثة مبيعات ضئيلة جدًّا كأنها نُشرت سرًّا. لكن كان هناك ما فاجأني على نحوٍ معاكس أيضًا. أمضيت عدة سنوات في العمل على كتاب خاص والذي طُبِع منه في النهاية ما يقارب 100 ألف نسخة، ما يدعو للتساؤل حول مفهوم “الخاص” من الأساس. طُلب مني مساعدة مؤسس شركة كابلات لكتابة مذكراته، لكنه كان متواضعًا جدًّا، شديد التحمس لأن ينسب الفضل للآخرين، فسرعان ما اقترحت على ابنه فكرة مختلفة: “ما رأيك إذا قمت بكتابة تاريخ شخصي عن الشركة متضمنًا ما يمكنني كتابته عن أبيك بالقدر الذي يخبرني هو به؟”، أتاح ذلك لزملائه أن يحكوا عن إنجازاته العديدة وأعماله الكريمة. عندما أصبح الكتاب جاهزًا، أصدرت الشركة نُسخًا منهُ لموظفيها.

لكن ذلك أمرٌ غير اعتيادي، والكتب الخاصة الأخرى التي كتبتها بقيت خفية في الواقع. اثنان من أكثر ما كتبته قيمةً هما مذكرتان لأسرتين عزيزتين، كلتاهما كانتا قائدتين في مجتمعيهما وقوة مؤثرة من أجل الخير. هناك بعض من الصدق في فكرة أن السيرة الذاتية يمكن أن تُعيد الشخص للحياة. لم تُطبع أي من هاتين المذكرتين، ناهيك عن نشرها. لكنها تساوي العالم بالنسبة للعائلتين.

 

ويليام نوفاك، شارك في كتابة مذكرات لي أياكوكا وماجيك جونسون وأوليفر ل. نورث وتوماس أونيل ونانسي ريجان وتيم روسيرت وآخرين.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد