قد يكون الحبُّ واحدًا من أكثر الأمور التي يحاول الإنسان التعبير عنها في الكتب والأفلام والقصص المحكية، لكن المقال المنشور على موقع «Psychology Today» للبروفيسور في قسم علم النفس بجامعة نيفادا الدكتور ستيفن سي هايز، يبيِّن أن للحب أبعادًا وعلامات أكثر بكثير من العواطف والمشاعر المتأججة، ويقترح في مقاله توصيات من أجل إقامة علاقة صحية ومفعمة بالحب مع شريكك.

طريقك إلى الآخر

عندما يتحدث الأشخاص عن الحب غالبًا ما يقصدون تلك الحالة الانفعالية العاطفية اللاإرادية، التي «يقع» المرء فيها، وهو الفعل الذي يُستخدم في اللغة الإنجليزية للتعبير عن الدخول في حالة الحب. يقول الكاتب إن الصورة النمطية للحب تروجُ في الأفلام، ويُغنَّى لها وتُكتب في الروايات الرومانسية، ذلك الحبُّ الذي يغمرك بالعاطفة، يسرِّع من دقات قلبك، ويتسلل إلى كل أفكارك. وقد تتكلم مع محبوبك لساعاتٍ دون أن تلاحظ مرور الزمن.

يتوقع جميعنا أننا سنحصل هذا النوع من الحبِّ – أو العشق حتى كما قد يُطلق عليه بعض علماء النفس – في مرحلةٍ ما من حياتنا، ولا يقبل معظمنا بأي مستوى أقل من هذا التوقع.

صحيحٌ أن هنالك شيئًا في غاية الحلاوة في مرحلة «الوقوع» في الحب، ولكنه وفقًا للكاتب نموذجٌ مبالغ به بالنسبة للحب الذي يُفترض له أن ينمو ويدوم. تخفق معظم الروايات الرومانسية في التعبير عن حقيقةٍ يعرفها جميعنا – أو على الأقل سنتعلمها جميعًا في الحياة – حقيقة تحكي عدم إمكانية دوام هذه المشاعر. إلا إن الكاتب يعد هذه نقطة إيجابية… لأن تلك المشاعر بالكاد تلمس سطح الجوهر المهم لماهيَّة الحب.

Embed from Getty Images

عندما تبدأ بالتعرف إلى شريكك يبدو كل شيء مثيرًا وجديدًا. يبذل كلاكما أقصى جهده لإثارة إعجاب الآخر وجذبه، لكن مع الزمن يبدأ هذا الرونق بالزوال. وكلما طال الوقت تبدأ بملاحظة أوجه القصور التي لم ترها من قبل. يبدأ واحدنا إدراك أن شريكه ليس ذلك الفارس المُتخيل بدرعه اللامع على خيله الملكيِّ، بل هو ببساطة مجرد فتى محلي، أو أن الشريكة ليست الأميرة المطلَّة من شرفتها الحالمة بل مجرد فتاة من مكان مماثل. يذكِّر الكاتب أن الحال نفسها تنطبق علينا أيضًا، وهو ما نلحظه عند ابتداء انكشاف الواقع كما هو.

غالبًا ما يشعر الأشخاص بخيبة أمل عند حصول هذا، تُستبدل الإثارة والحماسة بمستوى جديد من العادية. قد يكون شريكك ما يزال الشخص عينه، لكن المشاعر اختلفت عما كانت عليه. ولهذا السبب يبدأ الأشخاص بالتساؤل عن الخطأ الذي حدث، وقد يخطر لهم أن شعورهم تغيَّر عمَّا كان من قبل بسبب أن العلاقة لا تسير على ما يرام. تطلُّ الشكوك إذن وتجد الهواجس والأفكار بالانفصال طريقها إلى ذهن الشريكين.

مفاهيم شائعة: مهمة المشاعر

يوضُّح الكاتب أنه متخصص في عمله بالتجنب التجريبي، ويعني ذلك محاولات أو عملية التجنب للأفكار والمشاعر والذكريات والأحاسيس الجسدية والتجارب الداخلية الأخرى، وهو ما قد يسبب ضررًا على المدى الطويل. ويضيف الكاتب أن هذه الخبرة تحديدًا هي ما أوصله لتعلُّم خبرة مهمة وسَّعت من منظوره عن الأمر على مرِّ السنوات، ويلخِّصها بقوله إن التعلق أو التشبث بمشاعر محددة قد يكون بمستوى ضرر الهروب منها نفسه.

يذكِّر الكاتب أن مهمة المشاعر تتمثل في مساعدتنا بإعلامنا بما يجري حولنا، ولتحقيق هذه المهمة لا بدَّ من التغيُّر المستمر. ويشبه الكاتب الأمر بالاستماع إلى الراديو: سبب قدرتك على سماع الموسيقى والأخبار يكمن في تواتر تغير الإشارة، ولولا هذه الخاصية لما استطعت سماع شيءٍ سوى الصفير.

Embed from Getty Images

ينطبق الأمر ذاته على المشاعر، فلكي تعمل المشاعر على أكمل وجه عليها أن تتغير باستمرار لكي تجذب انتباهك. تسمح لك المشاعر بملاحظة حاضرك وكيف يتردد صدى الماضي في الحاضر لديك، ويمكن لهذا بدوره أن يُعرِّفك عن الكيفيَّة الملائمة للتصرف في الحاضر الذي يحدث الآن، وبالتالي يعزِّز نوعية الحياة التي تريد أن تحياها.

يرى الكاتب أن تعريف الحب بكامله على أنه نوع من المشاعر يتسبب بالشعور بالخطر لدى ظهور أيَّ «إشارة»، ويبدأ بالتهيُّؤ لنا وكأن الحب يذوي بعيدًا. نشعر بأنا في حاجةٍ للهروب منه أو – على العكس – التعلُّق به أكثر، لكن حقيقة ما تطالبنا به الحياة بأن نلاحظ ونتعلم.

علوم

منذ سنة واحدة
ساعدنا على البقاء.. كيف نشأ الحب على كوكب الأرض؟

ومع أن الحبَّ الرومانسي غالبًا ما يبدأ بالعاطفة، لكنه قابل للتحول لشيءٍ أكثر أصالة وحميمية، شيء ذي معنى أعمق، وبالتالي أكثر استيفاءً لمن يختبره. لا يحدث هذا إلا بمرور الوقت، وتحديدًا بعد انتهاء «مرحلة شهر العسل» كما يصفها الكاتب، عندما يبدأ الشريكان برؤية بعضهما حقيقة على ما هما عليه بكل أخطائهما وعيوبهما وأوجه قصورهما.

فعل الحبِّ

يقترح الكاتب إعادة التفكير بتعريفك للحب في حال إرادتك للوصول لهذه المرحلة، نفكِّر في الحبِّ غالبًا على أنه مجموعة المشاعر الدافئة التي نختبرها مع الآخر/ المحبوب لكن من الأفضل التفكير به بصفته شيئًا مرتبط بما نختار الاعتزاز به.

ليس هذا أمرًا يسيرًا بالتأكيد، وقد يبدو غير ممكنٍ في بعض الأحيان. ما هو مهمٌّ في الخطوة أن تعرف ما يعنيه «أن تكون محبًّا» في منظورك، وكيف تستطيع إظهار حبك بأفعالك. قد تُعبِّر عن الحبِّ بفتح باب السيارة لشريكك أو الاستماع إليه بعد يومٍ طويل ومرهق، أو قد يعني وضع الحدود النفسية الصحية، فكما يذكِّر الكاتب: إن لم تكن مُحبًّا لنفسك لن تكون قادرًا على أن تكون مُحبًّا حقًّا للآخر. يأتي الحب بأشكال عدَّة، وتستطيع دومًا إظهاره من خلال أفعالك.

Embed from Getty Images

مع اختيار الحب والتصرُّف بطريقة مُحبَّة، يمكنك ملاحظة ما الذي يشعرك بالقرب أو البعد، ما الذي يرفع معنوياتك ومستوى حياتك أو يحبطها. عند ذلك فقط، يمكن لمشاعر الحبِّ أن تفعل ما صُمِّمت لأجله: أن تساعدك لتتعلم كيف تكون أفضل أو تكون متصلًا بشخصٍ آخر على شاكلةٍ صحية.

ينصح الكاتب بالتحضُّر للمفاجآت التي تولِّدها مفارقات الحب، وقد تذهلك النتائج التي تأتي بها الخيارات والتصرفات المتوجهة لتحقيق الحب. ربما ستجد أنك ستبدأ باختبار مشاعر الحبِّ أكثر حينما تختار أن تكون محبًّا لشريكك، ليس بسبب ما «تستطيع أخذه» بل بسبب ما تستطيع أن تعطيه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد