قال كلٌّ من فريدريك ويري، وولفرام لاتشر، في مقال لهما على موقع مجلة «فورين أفيرز»: «إن العملية الانتقالية في ليبيا تسير في الاتجاه الخاطئ، وأنها قد تؤدي إلى كارثة».

وأوضح الكاتبان أن الشعب الليبي بات يحبس أنفاسه مؤخرًا، بعد أن وقع في فخ التعطيل والقلق العميق. لا مكان للقانون في ليبيا؛ فهي مكان مليء بالجريمة، ويستعر فيها القتال العنيف جنوبًا وشرقًا. وقد انخفضت عائدات النفط بسبب الصدامات بين الفصائل، وفساد النخبة الذي يعاني منه الليبيون كل يوم في ظل أزمة اقتصادية عميقة. وفوق كل هذا مأزق سياسي بلا حل؛ إذ تنقسم السلطة الرسمية بين حكومة الوفاق الوطني الضعيفة المعترف بها دوليًا، ومقرها العاصمة طرابلس، والمؤسسات الشرقية التي يسيطر عليها المشير خليفة حفتر، والذي كان في السابق أحد رجال الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، ولكن انقلب عليه لاحقًا. وتظل مساحات شاسعة في غرب البلاد وجنوبها خارج سيطرة هاتين السلطتين المتنافستين.

انهالت المبادرات الغربية على ليبيا لكسر الجمود ودرء المزيد من الانهيار – يؤكد الكاتبان – وكان أكثر المقترحات تكرارًا هو الانتخابات المبكرة، مثلما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرًا في اجتماع مع القادة الليبيين في باريس. يرى أنصار إجراء الانتخابات أنها الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تؤدي إلى تشكيل حكومة جديدة بدعم شعبي ضروري للتغلب على الأزمة الدستورية التي تؤثر على جميع الهيئات التشريعية والتنفيذية المتنافسة في ليبيا. ويقول هؤلاء المدافعون: «إن هذا يمثل فرصة لتهميش المفسدين من كلا الجانبين، والاستبدال بحكومة الوفاق الوطني كيانًا أكثر قدرة على البقاء».

«درنة» في قبضة المشير.. هل اقترب حفتر من رئاسة ليبيا؟

لكن الكاتبين يعتقدان أن الانتخابات السريعة قد تقود في الواقع إلى اضطراب أكبر؛ فبدون أساس دستوري ثابت، فإن التصويت من شأنه أن ينتج حكومة مشكوك في شرعيتها على نطاق أوسع. وفي ظل عدم وجود دستور، ستبقى السلطة التنفيذية للرئيس، وهذا مصدر قلق خاص لخصوم حفتر الذين يرون في دعمه للانتخابات خدعة مكشوفة يهدف من خلالها إلى أن يصبح حاكمًا مدى الحياة. وهذا بحد ذاته مصدر قلق شديد؛ فبسيطرة حفتر على شرق البلاد، لا يمكن إجراء انتخابات حرة، ولكن حتى في بقية أنحاء البلاد ستتأثر نتائج التصويت بسلاح المليشيات المحلية القوية، وقد يؤدي الاقتراع إلى إشعال صراعات محلية عنيفة.

أسباب غياب الحلول

يعود انسداد الأفق السياسي في ليبيا في جانب كبير منه إلى الاتفاق السياسي الليبي المعيب الذي تم التوصل إليه بوساطة الأمم المتحدة والذي تم توقيعه في الصخيرات في المغرب في أواخر 2015. كان الهدف من هذا الاتفاق هو إنهاء القتال بين ما يسمى بعمليتي (الفجر، والكرامة). وانبثقت عنه حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، لكنها لم تكن قادرة على توحيد الهيئات السياسية والاقتصادية والعسكرية في ليبيا. وقد دفع الغرب إلى الإسراع في وضع وتنفيذ الحوار في الفترة السابقة للاتفاقية، والأهم من ذلك أنه تم تكوين الحكومة بما جعلها تبدو كصفقة بين طرفين، في حين أن الجهات الفاعلة في الصراع أكثر عددًا وتنوعًا. وبسبب عدم أخذ رأي القوى الفعلية على الأرض فقد مهد هذا الطريق لاستمرار الجمود. وكانت نقطة الخلاف الحاسمة هي سلطة القائد العام للقوات المسلحة، والتي أعطتها الاتفاقية للمجلس الرئاسي التابعة لحكومة الوفاق الوطني. وهو ما لم يقبل به حفتر ومؤيدوه.

لذلك – ينوه الكاتبان – اقترح مبعوث الأمم المتحدة الجديد في ليبيا، غسان سلامة، «خطة عمل» تتألف من تعديلات على اتفاق الصخيرات تشمل إعادة تشكيل المجلس الرئاسي، وعقد مؤتمر للحوار الوطني، وإجراء استفتاء شعبي على الدستور، والإعداد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية. لكن لسوء الحظ فإن الخطة واجهت عراقيل عند كل منعطف؛ إذ لم تتُخذ أية خطوة لإعادة تشكيل المجلس الرئاسي. وكان التقدم الوحيد هو في بند المؤتمر الوطني، الذي قامت الأمم المتحدة بإسناده إلى منظمة غير حكومية، ولكن بصورة بطيئة ومتقطعة. ولم يطرح مجلس النواب الشرقي قانون الاستفتاء الدستوري للتصويت. وهذا يترك الانتخابات الركيزة الأخيرة المتبقية. ولطالما شدد غسان سلامة على أن الانتخابات لن تتم إلا عندما تكون الظروف مناسبة، ولكن الآن، وعلى الرغم من عدم إحراز أي تقدم، فسيكون إجراء الانتخابات أواخر 2018 وفقًا لمبادرة ماكرون.

تعطلت العملية السياسية بسبب عناد المفسدين من الجانبين – يكشف الكاتبان – إذ يستفيد الكثير من النخبة الحالية من الوضع الراهن. فأعضاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة متشبثون بالسلطة ولا يهتمون بدفع البلاد للأمام. وفي طرابلس، سيطرت مجموعة من المليشيات على بنية حكومة الوفاق الوطني وقامت بنهب ميزانيات الدولة وأصولها. وإلى جانب هذه الإخفاقات، أدت التحولات السياسية على الأرض إلى إعاقة التقدم. أصبحت السلطة مقسمة على جهات عديدة من جماعات المصالح، بل في كثير من الأحيان بين الخصوم السابقين. وأصبحت أطراف التسوية المحتملة مشتتة على نحو متزايد وغير قادرة على التوصل إلى توافق في الآراء.

أما في الشرق – يوضح الكاتبان – ظهرت حالة من التململ بين العديد من الذين دعموا حفتر خلال حملته التي استمرت أكثر من ثلاث سنوات في بنغازي، بسبب انفراده هو وأبناؤه وأقاربه بالسلطة. وفي الغرب تراجع نفوذ ميليشيات مصراتة في العاصمة، حيث عززت ميليشيات طرابلس المحلية سلطتها؛ مماد دفع مصراتة إلى التصالح مع مدينة الزنتان المنافسة لها، وهي مركز قوة آخر له مصالح طويلة الأمد في العاصمة.

وقد أدى تضارب الأجندات الدولية إلى تفاقم الانقسامات في ليبيا – يقول الكاتبان – مما حفز مختلف الفصائل لعدم القدوم إلى طاولة المفاوضات. فعلى الرغم من الموافقة على الاتفاق المدعوم من الأمم المتحدة من حيث المبدأ، لم تتوقف مصر والإمارات العربية المتحدة عن دعم حفتر، ولحقت بهما كل من روسيا وفرنسا. يعتقد كثير من الليبيين أن باريس تفضل حفتر، لكن الإيطاليين يميلون إلى الميليشيات الغربية لمساعدتهم في مواجهة تدفق المهاجرين إلى شواطئ إيطاليا.

كما سيطرت أجندات القوى الخارجية على مختلف القمم والمنتديات التي عقدت لبحث الملف الليبي. ولا يمكن اعتبار معظم هذه المبادرات محايدة، وحتى أكثرها حسمًا كان لها أثر في تعكير الجهود التي تقودها الأمم المتحدة. أحدث مثال على ذلك هو قمة باريس في 29 مايو (أيار).

عُقدت قمة في قصر الإليزيه بدعوة من ماكرون بين أربع شخصيات ليبية بارزة – حفتر، وفايز السراج، رئيس وزراء حكومة طرابلس، ورؤساء اثنين من الهيئات التشريعية المتنافسة، ومجلس النواب الذي يتخذ من شرقي البلاد والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس. وقد تعهد المجتمعون بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بحلول نهاية العام، إلى جانب العمل على توحيد المؤسسات المالية والأمنية المتشرذمة في البلد.

بيد أن المبادرة الفرنسية – التي كانت مجهودًا فرديًا – لم تحظَ بدعم الحكومات الغربية الأخرى التي لها حصة في ليبيا – وعلى الأخص إيطاليا – التي فوجئت بانعقاد القمة. كما أن ثلاثًا من الشخصيات الليبية الأربع التي شاركت في القمة هم قادة صوريون بدون تأثير حقيقي. ولم توجه الدعوة إلى لاعبين رئيسين آخرين ​​مثل المصراتيين، الذين رفضوا إرسال وفد بعد أن حرموا من نفس وضعية الشخصيات الأربع، بل إن المشاركين لم يتفقوا في الواقع على أي شيء في باريس. فلم يوقعوا إعلان ماكرون وتركوا مسألة الأساس الدستوري للانتخابات معلقة. ووفقًا للحضور، فإن موعد الانتخابات المقترح في 10 ديسمبر (كانون الأول) أذاعه ماكرون إلى الصحافة قبل أن يتمكن أي من المشاركين من الاعتراض.

علاوة على ذلك – يضيف الكاتبان – تفترض خطة ماكرون خطأ أن الانتخابات هي الدواء لكل أمراض ليبيا، ولكن تظل العقبة الرئيسية أمام الانتخابات هي غياب الأساس الدستوري الذي ستُجرى على أساسه. فلا يُعرف ما هي المؤسسات التي يجب انتخابها وما هي صلاحياتها. في الصيف الماضي، أنتجت جمعية تأسيسية منتخبة في عام 2014 مسودة دستور، بعد سنوات من الجمود. لكن المسودة لا تحظى بالتوافق، وسيثبت الاستفتاء عليها أنها مثيرة للانقسام. ثمة اقتراح بديل هو استخدام إطار تم صياغته في ظل الهيئة التشريعية السابقة في 2014 كتعديل لخريطة الطريق الانتقالية التي كانت مطبقة، قبل أن تنقسم مؤسسات الدولة في خضم الحرب الأهلية، لكن التنافس حول هذا الإطار ساعد على خلق أزمة الشرعية التي تجتاح الآن جميع الهيئات التنفيذية والتشريعية المتنافسة. وقد قضت المحكمة العليا الليبية لاحقًا بأن التعديل لم يتم تبنيه على النحو الصحيح؛ مما دفع المعارضين للمؤسسات التي تتخذ من الشرق مقرًا لها إلى القول: «إن أساس انتخابات مجلس النواب عام 2014 كان باطلًا». أيًا كان أساس الانتخابات، فيجب أن يتمتع بدعم واسع النطاق – وإلا فإن الهيئات المنتخبة حديثًا ستواجه تحديات أكثر خطورة لشرعيتها. من الواضح أن التوصل إلى اتفاق بين أربع شخصيات تفتقر إلى الشعبية لن يكفي لمعالجة هذه المشكلة.

ويشدد الكاتبان على أن عدم وجود أساس دستوري متفق عليه فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية المتصورة في خطة ماكرون يشكل مشكلة صعبة الحل. ففي صراع متكافئ بين فصائل مسلحة تسليحًا ثقيلًا، تثير الانتخابات الرئاسية شبح جمع الفائز كافة السلطات؛ مما قد يؤدي إلى تصعيد كبير. ويرى العديد من صانعي السياسة الغربيين – على عكس خطة ماكرون – أن الانتخابات البرلمانية مشروع أقل خطورة من الرئاسية، لكن في حين أن الانتخابات الرئاسية قد تهدد بإثارة تصعيد كبير بين معسكرين متعارضين، فإن الانتخابات التشريعية قد تتسبب في انتشار العنف على نطاق أوسع على المستوى المحلي. في انتخابات 2012 شهدت بعض المناطق عنفًا انتخابيًا أو ترهيبًا، وفي عام 2014 كانت المشكلة أكثر انتشارًا بقليل، لكن الوضع اختلف الآن؛ إذ اندمجت الميليشيات في العديد من الأماكن، وشكلت مجموعات مصالح راسخة تعمل في التهريب والنهب وأصبحت متورطة بشكل عميق في السياسة. ومعظم المدن في غرب وجنوب ليبيا تستضيف العديد من الجماعات المسلحة؛ مما يثير احتمال اشتعال صراعات عنيفة – بدلًا عن التنسيق – بين بعضها البعض.

نهج أكثر ملاءمة

يؤكد الكاتبان على أن لا سبيل لخروج ليبيا من أزمتها إلا عبر إنشاء سلطة مركزية واحدة منتخبة، ولكن يبقى السؤال الأبرز هو كيف يمكن وضع شروط الانتخابات الناجحة. وتكمن الإجابة في تسوية تفاوضية توفر خريطة طريق مفصلة نحو الانتخابات. وهذه العملية لا يمكن إنجازها بمبادرات انفرادية. بل إن التوصل إلى مثل هذه التسوية يتطلب تعاونًا دوليًا، وتخطيطًا متأنيًا لعملية التفاوض، والقدرة على التحمل.

مبادرة فرنسا قد تزيد الطين بلة.. لماذا تفشل كل المبادرات الدولية في ليبيا؟

ولم تحظَ فكرة تجديد الفترة الانتقالية بشعبية في ليبيا، وقد استبعدها مبعوث الأمم المتحدة صراحة. لكن تدشين مرحلة انتقالية أخرى هو بالضبط ما تحتاجه ليبيا للإعداد للانتخابات. ويجب أن تتضمن المرحلة الانتقالية الجديدة إعادة التفاوض على تقاسم السلطة، بما في ذلك السلطة على المؤسسات الاقتصادية والأمنية. وهذا يعني أن حكومة طرابلس لا بد أن تشرف على الأجهزة الأمنية في شرق ليبيا، وتراقب أعمال العنف التي قد تعرقل العملية الانتخابية هناك. وسيتطلب هذا أيضًا إخلاء طرابلس من الميليشيات التي تسيطر على مؤسسات الدولة هناك، وإلا فلن تتمكن أية حكومة منتخبة من ممارسة سلطة ذات مغزى في طرابلس. وأخيرًا يجب أن يحدد الترتيب الانتقالي الأساس الدستوري للانتخابات وأن يقدم مقاربة لكيفية التعامل مع مشروع الدستور المثير للجدل. ويمكن أن يشمل ذلك، على سبيل المثال، اعتماد المشروع الحالي مؤقتاً، ثم مراجعته من خلال عملية تشاورية وتقديمه إلى استفتاء في تاريخ لاحق.

ويشدد الكاتبان ختامًا على أن المفاوضات حول مثل هذا الترتيب يجب أن تشمل لاعبين سياسيين وعسكريين يتمتعون بتأثير حقيقي على الأرض – وليس فقط عدد صغير من الشخصيات. وسيتعين عليهم تجاوز الهيئتين التشريعيتين الموجودتين، فكلاهما يعانيان من خلل شديد في العمل وفقدان الثقة على نطاق واسع. ومن أجل التوصل إلى اتفاق حول القضايا الدستورية يجب ضم كل من أعضاء الجمعية التأسيسية والممثلين البارزين للدوائر الانتخابية التي ترفض مسودة الدستور الحالية. هل هذا الاتفاق الانتقالي ممكن؟ ربما، لكن إذا لم يكن الأمر كذلك، فعندئذ ستكون الانتخابات وبالًا على ليبيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!