ما بين يونيو 1941 وحتى مايو 1945 اشتبكت ألمانيا النازية مع الاتحاد السوفييتي في صراع ملحمي، دارت أحداثه على الجبهة الشرقية للحرب العالمية الثانية. وكانت نتيجة ذلك الاصطدام واحدة من أشد المعارك دموية في التاريخ البشري، كما كانت نتائجه نقطة تحول مؤثرة في مسار الحرب العالمية الثانية وحائطًا أمام الغزو النازي لأوروبا. وقد تميزت تلك الحرب بوجود العديد من الأخطاء الإستراتيجية المؤثرة كما ارتُكب فيها العديد من جرائم الحرب والفظائع على نطاق لا يُمكن تخيله ولم يحدث من قبل في تاريخ الحروب. وما يلي ثمان نقاط تساعدنا على كشف حقائق قد تكون خفية في الحرب العالمية الثانية وخاصة في الجبهة الشرقية التي لا يلتفت إليها الكثيرون.

تجاهل ستالين للتحذيرات المبكرة عن الهجوم النازي

كان الغزو الألماني لروسيا أضخم هجوم مفاجئ في التاريخ العسكري، لكن وفقًا لأغلب المصادر فكان يجب ألا يكون هذا الهجوم مفاجئًا على الإطلاق. فبينما وقّعت كل من المانيا والاتحاد السوفيتي معاهدة عدم الاعتداء الشهيرة في شهر أغسطس عام 1939، يقول الكثيرون أن هتلر كان لديه الخطط المعدة مسبقًا لمهاجمة روسيا – لأنها كانت عرقًا أدنى من وجهة نظره – لكنه كان ينتظر الوقت المناسب فقط. ولكن بدا أن ستالين كان أعمى عن نوايا القائد النازي الحقيقية. فقَبل الهجوم الألماني بعدة أشهر ضرب ستالين عرض الحائط بالعديد من التقارير التي وصلته من عدة جواسيس للسوفييت، والتي يحذرون فيها من الغزو النازي وشيك الحدوث. كما تقبل خطة الخداع الألمانية التي قالها له هتلر عن أن ظهور العديد من القوات الألمانية على حدود روسيا كان لإبقائهم بعيدًا عن مرمى القصف البريطاني، كما أمر قواته بعدم ضرب طائرات التجسس الألمانية رغم تعدد حالات اختراق المجال الجوي الروسي “غير المقصودة” من الجانب الألماني. وانهارت ثقة ستالين في الرايخ الثالث في 22 يونيو عام 1941 عندما بدأت ألمانيا العملية بارباروسا وغزت الاتحاد السوفييتي بأكثر من ثلاثة ملاين جندي!

اعتقد معظم الناس أن ألمانيا ستسحق الاتحاد السوفييتي سريعًا

توقع العديد من المحللين أن تكون هزيمة روسيا في خلال أسابيع قليلة بل وربما يصل الأمر لمجرد عدة أيام

كان المخطط الأساسي يطمح إلى أن تُحقق العملية بارباروسا كامل أهدافها بهزيمة تامة للسوفييت في مدة تتراوح ما بين 3 إلى 6 أشهر، لكن مع أول أيام الغزو اعتقد الكثيرون أن الهزيمة ستأتي حتى أسرع من هذا التوقيت. فقد قتلت وأصابت القوات الألمانية ما يزيد على 150,000 سوفييتي في الأسبوع الأول في الحملة، بينما دمرت لوفتوافا – القوات الجوية الألمانية – أكثر من 2,000 طائرة سوفييتية في أول يومين فقط. وبينما تتدفق الدبابات والقوات الألمانية خلال الأراضي السوفييتية من ثلاث محاور مختلفة، توقع العديد من المحللين أن تكون هزيمة روسيا في خلال أسابيع قليلة بل وربما يصل الأمر لمجرد عدة أيام. ورغم هذا التراجع المبكر، فقد كان العدد اللا نهائي للجنود السوفييت أكثر كثيرًا من إمكانية الألمان على هزيمتهم. فبينما نجح الغزاة الألمان في قتل وإصابة ملاين الجنود السوفييت حتى نوفمبر 1941، فقد تأثروا أيضًا بخسائر بشرية بلغت 700,000 جندي من جانبهم. ومع العديد من الهجمات المعاكسة الناجحة للسوفييت، أُجبر الألمان على ترك أي أمل في انتصار ساحق سريع. واستمرت الحرب لثلاث سنوات ونصف بعد ذلك.

الأحوال الجوية القاسية لعبت دورًا رئيسيًا في الانتصار السوفييتي

بالإضافة لقوة الجيش الأحمر، فقد هُزمت القوات الألمانية بسبب “القائد شتاء” وهو الاسم الذي أُطلق على الشتاء الروسي ليصف الصقيع القاتل هناك. فقد وُضعت الخطة النازية لغزو روسيا بحيث يتم هزيمة السوفييت قبل مجيء الشتاء الأسطوري، ولكن بسبب بعض العوائق في الإمدادات وبسبب الحماسة العالية وروح المقاومة التي دبت في القوات السوفييتية تباطأ التقدم الألماني حتى وقف في النهاية على عتبات موسكو في أواخر عام 1941. وبذلك علقت القوات الألمانية في ملابسهم الصيفية لدرجة أنهم كانوا يستخدمون الصحف والقش لعزل أنفسهم عن الحرارة المنخفضة التي تصل لعدة درجات تحت الصفر. وانتشرت بين القوات قضمة الصقيع بمعدلات وبائية وتم الإبلاغ عما يقارب 100,000 حالة أُصيبت به بنهاية 1941، مما أدى إلى بتر 15,000 طرف من أطراف الجنود.

أشاع البرد الخراب في الآلات النازية. فرفضت الدبابات والعربات الدوران، كما تجمدت البنادق والمدفعية ورفضت الإطلاق. بينما كان السوفييت أكثر اعتيادًا على هذا البرد، فاستخدموا بنادق مُعدة خصيصًا لمثل هذه الأجواء، كما استخدموا الزحافات والتمويهات المتماشية مع الجو لمواصلة القتال حتى في أقسى الظروف المناخية على الإطلاق. وبذلك كانت فترة التجمد السنوية شوكة في حلق القوات النازية لباقي مدة الحرب، بينما كانت الشهور الصيفية أفضل فقط من حيث الاسم. فقد كان الصيف الروسي شديد الحرارة والربيع والخريف كانا موسمان للمطر الشديد يُعرف باسم “راسبوتيتا” والذي ترك الطرقات مغلقة وغير قابلة للعبور في أغلب الوقت.

دور المرأة الروسية على الجبهة

مالت الحقبة الشيوعية السوفييتية لتشجيع المساواة بين الجنسين، وربما لم يكن هناك مكان أكثر وضوحًا وصدقًا في هذا الشأن من الجبهة. فقد دخلت مليون امرأة سوفييتية الجيش وخدمن في الجبهات الأمامية في الحرب العالمية الثانية في مختلف الأماكن والأسلحة، بداية من المدفعية المضادة للطائرات، والقناصة وفي القوت الخاصة وحتى كان منهن قائدات طائرات مقاتلة. ولم يكتفين فقط بمجرد إمداد الجيش الأحمر بأعداد كبيرة غير متوقعة، بل إن السوفييتيات اكتسبن سمعة كأشرس المقاتلات على الجبهة الشرقية. فضمن العديد من الأخريات، قامت كل من قائدتي الطائرات المقاتلة ليديا ليتفياك ويكاترينا بودانوفا بإسقاط حوالي دستة من الطائرات الألمانية، كما قتلت القناصة ليدميلا بافلتشينكو أكثر من 300 جندي للعدو. وكأحد الطرق لأثبات جدارتهن بخوض الحرب، كانت المقاتلات تسجلن أسماءهن بشكل دوري في أخطر المعارك والأماكن على الجبهة. على سبيل المثال: إحدى أكثر الوحدات السوفيتية إرعابًا كانت كتيبة من النساء فقط من قادة الطائرات القاذفة الانقضاضية وكانت تُعرف باسم “ساحرات الليل”، وكنّ يطرن ليلًا ويقذفن أهدافًا خلف خطوط الألمان.

أوامر ستالين بالقتال حتى سقوط آخر رجل

بعد رؤية ملايين الجنود السوفييت يؤسرون في الأيام الأولى للهجوم الألماني الخاطف، أصدر جوزيف ستالين في أغسطس عام 1941 “قرارًا رقم 270”: والذي قال بأن “أي جندي يستسلم أو يسمح لنفسه بأن يقع في الأسر فهو خائن في نظر القانون، وسيتم إعدامه إذا عاد إلى روسيا في أي وقت”. ثم زاد الديكتاتور الأمر في وقت لاحق وأصدر “القرار رقم 227” الشهير في يوليو 1942، والمشهور بقاعدة “لا تراجع خطوة واحدة للخلف” والتي أعلن فيها بأن الجبناء يجب أن يتم “تصفيتهم على الفور”. وبموجب هذا القانون يجب أن يتم قتل أي قوات تتراجع أو تنسحب من أماكنها بواسطة ما يُسمى “مفارز الحجب”، وهي قوات خاصة توجد خلف القوات الرئيسية ولديها أوامر بقتل أي جندي هارب. أوامر ستالين الصارمة وضعت في الأصل لزيادة الروح القتالية لدى قوات الجيش الأحمر، لكنها لم تؤدِّ إلى ذلك، فطبقًا لبعض التقديرات فقد قتلت جنود الحواجز السوفييتية ما يقارب 150,000 من جنودهم خلال فترة الحرب، من ضمنهم 15,000 في معركة ستالينجراد وحدها.

أكبر معركة دبابات في التاريخ العسكري

تشتهر الجبهة الشرقية بوقوع عدة معارك وأحداث بها، ومن أهمها: حصار مدينة لنينجراد الذي استمر لعدة سنوات، والمعركة الدموية بستالينجراد، لكنها كانت أيضًا مسرحًا لأضخم معركة مدرعات في التاريخ. ففي معركة كورسيك في يوليو 1943، اشتبك ما يقارب 6,000 دبابة و2 مليون فرد و5,000 طائرة في واحدة من أكثر المعارك من حيث الأهمية الإستراتيجية في الحرب العالمية الثانية. بدأت الحملة عندما عكف الألمان على محاولة اختراق أي نقطة ضعف في الخطوط السوفييتية التي تمتد بطول 70 ميلًا في غرب روسيا. ولكن تأخير هتلر الهجوم لأسابيع لإتاحة الوقت اللازم لوصول الدبابة النمر للجبهة، أعطى فرصة للسوفييت لتحصين كامل المنطقة. وعندما بدأ الهجوم الألماني أخيرًا، قوبِلوا بعاصفة من الألغام ونيران المدفعية التي دمرت في نهاية المطاف مئات الدبابات وخلفت ما يقارب 350,000 جندي قتيل من الجهتين. وبسبب عدم استطاعة الألمان خوض حرب الاستنزاف بنفس القدر مع السوفييت في ديارهم، فقد تراجعوا مضطرين عن المنطقة في 13 يوليو. وقد كان هذا التراجع إيذانًا بانتهاء الأعمال الهجومية النازية على كل الجبهة الشرقية.

تورط الفريقان في جرائم حرب وفظائع على نطاق واسع

القوات الروسية مسؤولة عن اغتصاب ما يقارب مليوني امرأة ألمانية خلال الأيام الأخيرة للحرب.

 

الصراع على الجبهة الشرقية كان أكبر وأكثر تكلفة من الصراع على الجبهة الغربية، كما كان أكثر وحشية أيضًا. فقد داس كلا الجانبين القانون الدولي ومارسوا أعمالًا مُمنهجة من العنف والقسوة ضد الأعداء أيما كانوا جنودًا أو أسرى أو حتى مدنيين. فقد مسح الألمان عشرات القرى خلال تقدمهم في روسيا. كما تم إلقاء القبض على اليهود وغيرهم من الأقليات على نحو منتظم وإطلاق النار عليهم أو تسميمهم بالغاز. وقد نُهبت العديد من المدن وجوعت خلال التقدم الألماني وأشهرها على الإطلاق كانت لنينجراد. فقد لقي ما يقارب مليون مدني حتفه خلال 28 شهرًا من الحصار. وتكرر نفس الأمر من فعل الجيش الأحمر خلال تقدمه لاحتلال برلين في 1945، عندما تم قتل مئات الآلاف من المدنيين وحرقوا أحياء في المباني أو دهسوا بالدبابات بل وتم صلب بعضهم. وطبقًا لبعض الدراسات، فالقوات الروسية مسؤولة عن اغتصاب ما يقارب مليوني امرأة ألمانية خلال الأيام الأخيرة للحرب.

لم يتم إطلاق سراح آخر أسير ألماني لدى السوفييت حتى عام 1956

بينما أطلق الحلفاء الغربيون سراح آخر الأسرى من الحرب العالمية الثانية عام 1948، ظل العديد من الأسرى الألمان في الاتحاد السوفيتي في السجون للعديد من الأعوام بعد ذلك التاريخ. كان أغلبهم يُستخدم كعبيد للعمل في مناجم النحاس والفحم. ومات ما بين 400,000 وحتى مليون شخص في السجون الروسية. وظل 20,000 جندي سابق في أيدي السوفييت حتى وقت موت ستالين عام 1953 ولم يحصل آخر 10,000 على حريتهم حتى عامي 1955 و1956، بعد مرور عقد كامل على انتهاء الحرب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد