بدا وكأن  الصين خفَّفت من مظاهر العسكرة في منطقة شينجيانج، حيث تعيش أقلية الإيغور المسلمة، لكنها زادت من المراقبة الداخلية والدعاية لرواية الدولة، حسب ما جاء في مقال أعدَّته الكاتبة داريا إمبيومباتو، باحثة في معهد أستراليا للسياسات الإستراتيجية.

تبدأ الكاتبة مقالها المنشور في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية بوصف مشهد من منطقة شينجيانج، المنطقة الحدودية الغربية للصين، حيث يركض الأطفال فرحًا ويلعبون بالطائرات الورقية خارج المساجد التي جُددت، مشيرة إلى أن هذه هي شينجيانج في عام 2021، أو على الأقل، هذا ما يُسمح للأجانب برؤيته وما تُروِّج له الدعاية الصينية.

الإيغور.. واقع مختلف

لكن، وحسب ما تستدرك الكاتبة، فإن ما وراء شوارع المناطق السياحية الجميلة، هناك واقع مختلف قائم. وقد تختفي دوريات الشرطة المسلَّحة تسليحًا جيدًا ومرافق إعادة التعليم المترامية الأطراف. لكن لم تختفِ السجون الشديدة الحراسة، والدعاية المكثفة والتلقين العقائدي، والمراقبة الواسعة الانتشار، والسيطرة على السكان، والتكليفات العمالية القسرية، وجميعها وُجِدت لتبقى.

إعادة تعريف صورة المنطقة

وتلفت الكاتبة إلى أن الحكومة الصينية تركِّز على إعادة تعريف صورة المنطقة بوصفها وجهة سفر مدهشة وملاذًا آمنًا للتكامل الثقافي.

دولي

منذ 7 شهور
على عكس أفغانستان.. لماذا لم تتحوّل قضية الإيغور إلى حرب جهاد عالمية؟

والملصقات الدعائية للأقليات المبتسمة تغمر المشهد، بينما تستخدم الحملات الإعلامية الأفراد الإيغور وهم يرقصون بوصفهم عناصر رئيسة لإقناع العالم بأن الناس في شينجيانج سعداء وممتنُّون للحزب الشيوعي الصيني الحاكم. ولكن منذ الكشف الأول عن قمع الحكومة الصينية لأقلية الإيغور والأقليات العِرقية الأخرى في شينجيانج في عام 2017، ظهر كثير من الحقائق.

وصوَّرت مجموعة قوية من المصادر الحكومية وتسريبات الشرطة والشهادات المباشرة محاولة منهجية وشرسة للسيطرة على الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم تهديد وشيك (وإن كان وهميًّا) على الحزب الشيوعي الصيني واستيعابهم بالقوة.

ومنذ مايو (أيار) 2014، ومع بداية حملة مكافحة الإرهاب على مستوى المنطقة، وضعت الحكومة نظامًا معقدًا ووحشيًّا للقمع باستخدام الحبس التعسفي وآليات المراقبة المشددة والمتطفلة للغاية، وتثبيت ما أصبح يُعرف باسم معسكرات إعادة التأهيل، وهي شبكة من مرافق الاحتجاز والتلقين العقائدي التي احتجزت أكثر من مليون شخص.

Embed from Getty Images

وفي رواية الحكومة، تستهدف تلك التدابير هزيمة «قوى الشر الثلاث» المتمثلة في الإرهاب والتطرف والنزعة الانفصالية. والواقع أنها وضعت سكان شينجيانج الأصليين في حالة من الخوف الدائم.

زاوية جديدة

تشير الكاتبة إلى أن كثيرًا قد قيل عما يحدث في شينجيانج، ولكن لتوضيح كيفية حدوثه وما سيعقب ذلك، تلفت الكاتبة إلى أن تقريرًا حديثًا أعدَّه فريق من الباحثين في المعهد الأسترالي للسياسة الإستراتيجية، بينهم كاتبة المقال، يستكشف الأشخاص والطرق التي يعمل بها نظام الحكم في شينجيانج. ويسلط ذلك التقرير الضوء على جوانب لم تكن معروفة من قبل للحملات السياسية الجماهيرية التي لم تحشد جميع قطاعات نظام الدولة الحزبية في الصين فحسب، ولكن أيضًا معظم مناطق مجتمع شينجيانج.

وتقول الكاتبة إن فريق الباحثين تمكن من الوصول إلى سجلات الشرطة المسرَّبة من مدينة أورومتشي الصينية والتي حفَّزت المراحل الأولى من تحقيق الفريق. وبعد ذلك، فحص الفريق آلاف الصفحات من الوثائق الحكومية والحزبية، التي عثر عليها الباحثون غالبًا على شبكة الإنترنت من خلال الشبكات الافتراضية الخاصة والتي أُدخِلت إلى الأرشيف لاحقًا، وبعضها جُمِع مباشرةً من المواقع الحكومية الرسمية على الإنترنت، وبعضها الآخر من منشورات وسائل الإعلام الحكومية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك من أجل الحصول على رؤية أوسع لحكم شينجيانج.

ومن المحتم أن تصبح هذه المنهجية هي القاعدة عندما يتعلق الأمر بالبحوث في الشأن الصيني؛ إذ لم يعد بإمكان معظم الصحافيين والباحثين الوصول إلى البلاد ولا يُسمح بإجراء بحث حر على أرض الواقع. وعلى الرغم من المحاولات التي تبذلها الحكومة لحجب المعلومات الأساسية عن الجمهور في الخارج؛ إذ إن معظم مواقع حكومة شينجيانج على الإنترنت، على سبيل المثال، لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال شبكات افتراضية خاصة معينة، لا يزال هناك قدر كبير من البيانات المتاحة عبر الإنترنت والتي تستحق الحفظ والتحليل.

ونوَّهت الكاتبة إلى أن التركيز الرئيس لفريق الباحثين ينصب على سِمَتين قد تساعدان في الإجابة عن الأسئلة التي لم تحل بعد بشأن شينجيانج: العودة إلى الحملات السياسية على النمط الماوي، حيث يُطلق عنان الجماهير ضد أعداء الأمة الخفيين، وتغلغل الحزب الشيوعي الصيني في أكثر الجوانب حميمية في حياة المواطنين اليومية.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أن الحملات السياسية السابقة في التاريخ الصيني، مثل الثورة الثقافية أو حملات «اضرب بقوة» لمكافحة الجريمة، والتي انتهت فجأة مع دفعة لاحقة لإعادة الحياة الطبيعية، فإن الحزب الشيوعي الصيني يرغب في تطبيع أدوات الحكم وأساليبه على غرار الحملات في منطقة شينجيانج لتحقيق ما يسميه «الاستقرار الشامل» والحفاظ عليه.

هيكل معقد

وترى الكاتبة أن طول العمر المحتمل لهذا النظام أصبح ممكنًا بفضل الهيكل المعقد للمؤسسات الحزبية والحكومية، فضلًا عن تغلغل الدولة الحزبية الخبيث في القرى النائية ومنازل السكان الأصليين في شينجيانج.

وأضافت الكاتبة أن لجان الأحياء والقرى تمثل المستوى الأدنى في التسلسل الهرمي للحزب الشيوعي الصيني عبر البلاد. وهي، من الناحية النظرية، منظمات طوعية ذاتية الحكم. وفي شينجيانج، أصبحت تلك اللجان النقطة المحورية الحقيقية لنهج الحزب للسيطرة على الناس على مستوى المجتمع، مع سلطات شرطية استثنائية جديدة.

وتقترن اللجان رسميًّا بمراكز الشرطة المحلية، والمراقبة البشرية، وفرق إدارة المساجد لتشكيل آلية «الثالوث»، وتدير اللجان الاختصاصات الخاصة بها وهي في طليعة نظام إعادة التعليم.

وفي الشوارع، قد يتمكن السائحون الآن من مشاهدة المعالم السياحية المشتركة في عديد من الوجهات في الصين، واستكشاف «المواقع الثقافية» المبنية حديثًا، والتي تحل محل الرموز القديمة لثقافة أقلية الإيغور، والتي تتعرض باستمرار للتهديد.

ولكن عبر الطريق، وصولًا إلى الأحياء السكنية والقرى الريفية النائية، يدير الحزب أعماله كالمعتاد مع جيش من الكوادر والمدنيين تحت رحمته.

برنامج فينجويجو

وأوضحت الكاتبة أن السيطرة على المجتمع تجري من خلال برنامج يُدعى فينجويجو (fanghuiju)، وهي سياسة مراقبة بشرية خاصة بمنطقة شينجيانج تديرها إدارة التنظيم في المنطقة التابعة للحزب الشيوعي الصيني، والتي يُرسَل من خلالها مسؤولون من قومية الهان إلى منازل الإيغور للتجسس على أنشطتهم ومراقبة أفكارهم ومشاعرهم وتنفيذ برامج إعادة التلقين.

وقال تقرير المعهد الأسترالي للسياسات الإستراتيجية إن «إعادة توزيع سلطة إنفاذ القانون هذه على المدنيين وجماعات المجتمع المدني تطمس الخط الفاصل بين المدنيين والكوادر والضحايا والجناة»، مضيفًا أن الجميع مسؤولون عن ذلك.

يجري التلقين العقائدي في الخفاء خلف جدران مرافق إعادة التعليم، ولكنه أيضًا جزء من الحياة اليومية في المدارس ومباني المكاتب والساحات العامة.

Embed from Getty Images

تتخلل الحياة اليومية تعهدات الولاء العامة، وهتافات تمجد الرئيس الصيني شي جين بينج، وجلسات شجب علنية للخونة «المتلونين». ويتجمع كثير من الناس في الساحات العامة «للتحدث والتلويح بالسيف» وإدانة «التطرف الديني» والإشادة بالحزب الشيوعي الصيني.

ويُحرَّض الناس بعضهم على بعض، ويُحفَّزون على مراقبة أحيائهم بأنفسهم. وبعضهم مقتنع بأن العدو يختبئ بينهم ويرون ضرورة في اقتلاع شرٍ وهمي يستولي على أدمغة أطفالهم، فيما يتماشى آخرون مع تلك القناعات من أجل سلامتهم.

وتختم الكاتبة مقالها بالقول إن الطريقة التي تُحكَم بها منطقة شينجيانج غير مرئية للوهلة الأولى، وقد يكون هذا هو الإنجاز الأكبر الذي حققه الحزب حتى الآن. ولكن من دون هذا المستوى من السيطرة على المستوى الشعبي، فإن بنية القمع سوف تنهار سريعًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد