نشرت مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية مقالًا للكاتبة كاثي جلسينان، المتخصصة في الأمن القومي والشؤون الخارجية، استهلته بالإشارة إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب جعلت أولويتها: إعادة السجناء الأمريكيين إلى الوطن، والضغط على إيران. ومع إطلاق السلطات الإيرانية سراح المواطن الأمريكي من أصل صيني، شيوي وانج، ترى الكاتبة أن الإدارة الأمريكية يمكنها إعلان انتصارها على جبهتين.

تضيف كاثي: «اليوم، تنتهي محنة عائلة، بإطلاق سراح شي يو وانج، المواطن الأمريكي وطالب الدكتوراة بجامعة برنستون، والمسجون في إيران منذ العام 2016 باتهامات مبهمة بالتجسس، وُجِّهَت إليه في نهاية رحلة بحثية، تتعلق برسالة الدكتوراة الخاصة به، لتأخذ الأمور منحىً بالغ السوء.

انتصار على جبهتين لإدارة ترامب

تستدرك كاثي أن إيران، التي عصفت بها أسابيع من الاحتجاجات العنيفة، والمشلولة اقتصاديًا بسبب حملة العقوبات الأمريكية عليها، أطلقت سراح وانج مقابل إطلاق سراح عالم إيراني كان محتجزًا لدى الولايات المتحدة، فيما لعبت سويسرا دور الوسيط في عملية التبادل بين أمريكا وإيران.

تشير الكاتبة الأمريكية إلى أن إطلاق سراح وانج بالنسبة لترامب يعد انتصارًا ذي شقين، أولهما أن إدارته جعلت أولويتها: إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين من السجون خارج البلاد، وثانيهما أن وانج هو أول مواطن أمريكي يُحَرَّر من إيران منذ بداية حكم إدارة ترامب. «وأطلِق سراح نزار زكا، وهو مواطن لبناني حاصل على الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة، الصيف الماضي».

ترجح الكاتبة أن يستعين البيت الأبيض بإطلاق سراح وانج للاستدلال على فعالية حملة الضغوط القصوى التي تمارسها الإدارة الأمريكية ضد إيران. وقال ترامب في بيان: «إن الأولوية القصوى للولايات المتحدة هي: سلامة ورفاهية مواطنيها. وتحرير الأمريكيين المحتجزين أمر ذو أهمية حيوية لإدارتي، وسنواصل العمل بجدّ لإعادة جميع مواطنينا المحتجزين احتجازًا غير مشروع في الخارج».

اعتقالات ظالمة وتعسفية

صرح ترامب العام الماضي أنه أخرج 17 أمريكيًا من السجون في مختلف دول العالم، وقال حينها: «نحن فخورون بهذا السجل، فخورون للغاية. وهناك آخرون سيخرجون من السجون».

وتوضح كاثي أن غالبية حالات الاعتقال كانت الولايات المتحدة تراها ظالمة وتعسفية، مثل قضية آية حجازي موظفة الإغاثة الأمريكية-المصرية التي سُجِنت في مصر عام 2014، وفي عام 2017 تفاوضت إدارة ترامب على إطلاق سراحها وأحضرتها إلى المكتب البيضاوي للاحتفال بتحريرها.

هناك أيضًا حالة أخرى، هي حالة الطالب الجامعي أوتو وارمبير، التي انتهت بنهاية مأساوية، حيث نجحت إدارة ترامب في تأمين إطلاق سراحه وثلاثة آخرين كانوا سجناء لدى كوريا الشمالية، لكن حين عاد وارمبير إلى البلاد كان يعانى من إصابات خطيرة جراء احتجازه وتوفي في غضون أيام من عودته. وعاد وارمبير إلى الوطن وهو في حالة غيبوبة لم يفِق منها.

تقول كاثي: «مع بعض الاستثناءات، حددت الولايات المتحدة بشكل عام سياسة عدم تبادل السجناء أو دفع الفدية لإطلاق سراحهم خشية التشجيع على المزيد من عمليات اختطاف الرهائن».

وأوضحت الكاتبة أنه عند سؤال المسؤولين الأمريكيين عن مواطنيهم المسجونين في إيران، كانوا يؤكدون على أنه ينبغي لإيران أن تفرج عنهم دون قيد أو شرط؛ لأن هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله، كما رفضوا مناقشة الإغراءات مثل تخفيف العقوبات.

Embed from Getty Images

استغلال تبادل السجناء لأهداف سياسية

بحسب كاثي فإن بعض الحالات تتداخل مع أهداف وسياسات دول أخرى، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، سهّلت الولايات المتحدة اتفاقًا بادلت الحكومة الأفغانية بموجبه ثلاثة سجناء من حركة طالبان مقابل إطلاق سراح أستاذين جامعيين، أحدهما أمريكي والآخر أسترالي، كانا محتجزين لدى الحركة منذ العام 2016. وفي غضون أسابيع، بدأت الولايات المتحدة رسميًا محادثات السلام مع طالبان بعد أن أعلنت قطعها في سبتمبر (أيلول) الماضي.

تشير الكاتبة أيضًا إلى حالة أخرى في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، عندما أمنّت إدارته إطلاق سراح ستة أمريكيين من سجون إيران عام 2016، وكان ذلك جزءًا من عملية تبادل مقابل سبعة إيرانيين في الولايات المتحدة. وتوضح الكاتبة أنه بموازاة عودة وانج إلى الولايات المتحدة سيطلق سراح مسعود سليماني، وهو عالم خلايا جذعية إيراني احتجزته واشنطن لاتهامه بتجاوز العقوبات، ليعود إلى إيران.

تشير الكاتبة إلى أنه بإطلاق سراح وانج، يبقى خمسة أمريكيين آخرين على الأقل محتجزين أو مجهولي المصير لدى إيران، من بينهم رجل الأعمال سياماك نمازي ووالده المسِن باقر نمازي. وقال باباك شقيق سياماك في بيان يوم السبت: إنه يشعر بسعادة غامرة لوانج وأسرته.

وفي الوقت نفسه، أعرب عن انهياره الشديد؛ لأن رئيسًا أمريكيا ثانيًا (ترامب) ترك والده المريض باقر نمازي وشقيقه سياماك كرهينتين أمريكيين في إيران رغم إبرام اتفاق ثانٍ لتبادل السجناء. ولم يكن سياماك نمازي، الذي اعتُقِل في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015، جزءًا من عملية تبادل السجناء التي نفذتها إدارة أوباما في يناير (كانون الثاني) عام 2016؛ إذ وردت أنباء عن  اعتقال والده في الشهر التالي.

Embed from Getty Images

لغز اختفاء روبرت ليفينسون

تنتقل الكاتبة للحديث عن حالة اختفاء الأمريكي روبرت ليفنسون في إيران منذ العام 2007 أثناء عمله في مهمة غير رسمية لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه»، ولا يزال مكانه لغزًا.

ونفت الحكومة الإيرانية احتجازه، لكن آخر دليل على بقائه حيًا ظهر عام 2007 من خلال مقطع مصور، أفادت وكالة «أسوشيتيد برس» الأمريكية للأنباء أن في خلفيته كان يُسمع صوت موسيقى الباشتو (اللغة الرسمية الأفغانية)؛ ما يشير إلى أنه لم يعد في إيران، بل في أفغانستان، أو باكستان.

لكن الحكومة الإيرانية ربما قدمت عن غير قصد دليلًا جديدًا مؤخرًا؛ ففي إحالة إلى الأمم المتحدة، أشارت إيران إلى استمرار القضية المرفوعة ضد ليفنسون أمام المحكمة الثورية الإيرانية. في غضون ذلك رفعت إدارة ترامب المكافأة المحتملة لمن يدلي بمعلومات تقود إلى مكانه، إلى 25 مليون دولار.

وألمح وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف الخريف الماضي إلى أنه يتطلع إلى عملية تبادل سجناء أخرى مع أمريكا، وقال إنه قدم للولايات المتحدة قائمةً بالإيرانيين الذين يأمل في إطلاق سراحهم من السجون، لكن الولايات المتحدة لم تبدِ اهتمامًا علنيًا بذلك الأمر حينها.

لكن في مكالمة هاتفية مع الصحافيين، احتفل مسؤول كبير في الإدارة بإطلاق سراح وانج وقال: «إن الإدارة ستستمر في العمل من أجل تحرير رهائن أمريكيين آخرين حول العالم». وأضاف المسؤول أن العائلات الأخرى يجب أن تنظر إلى إطلاق سراح وانج كبادرة أمل.. موكدًا «لم ننسهم».

مواصلة الضغط الأمريكي بغية تحقيق أهداف أكبر

تقول كاثي: إن الإدارة الأمريكية تواصل الضغط على إيران ماليًا؛ سعيًا وراء مجموعة واسعة من الأهداف التي لا تتضمن إطلاق سراح سجناء فحسب، بل أيضًا إيقاف دعم طهران للوكلاء الإقليميين، ووضع حد لاختبارات الصواريخ الباليستية، وزيادة القيود المفروضة على برنامجها النووي.

وفي الآونة الأخيرة، مع اجتياح الاحتجاجات إيران، شجعت الإدارة الأمريكية المتظاهرين، ودانت القمع العنيف الذي ارتكبه النظام ضد الاحتجاجات. ويوم الخميس الماضي، أعلن براين هوك، المبعوث الخاص للولايات المتحدة لدى إيران، أن المظاهرات أظهرت فقدان النظام للشرعية بين شرائح واسعة من الإيرانيين.

وأشار أيضًا إلى أنه سيكون هناك المزيد من الضغط، وأن الخارجية الأمريكية سعت لفرض عقوبات على سجنين إيرانيين قال: «إن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ارتكِبت فيهما أثناء احتجاز المتظاهرين داخلهما».

إطلاق سراح وانج لن يغير المساعي الأمريكية تجاه طهران

ترجح كاثي ألا يغير إطلاق سراح وانج الحملة الأوسع للضغط على الحكومة الإيرانية، أو حتى ما تهدف إليه، خاصةً مع استمرار بقاء أمريكيين خلف قضبان السجون الإيرانية. وتستطرد «وإذا كان إطلاق سراح وانج في واقع الأمر يأتي استجابة لحملة الضغط الاقتصادي التي تمارسها الإدارة الأمريكية، فإنها قد تتشجع لمضاعفتها على أمل الحصول على مزيد من التنازلات».

وانج وعائلته

وانج وعائلته

وفي شهادة أمام الكونجرس في وقت سابق من ديسمبر (كانون الأول) الجاري طالب أفراد أسر بعض الرهائن الغربيين بممارسة مزيد من الضغوط على النظام الإيراني بشأن قضايا أحبائهم.

لكن منتقدي برنامج العقوبات قالوا إنه سيعمل فقط على تشجيع إيران على شن مزيد من الهجمات في المنطقة، مثلما فعلت خلال الصيف حين شنت هجمات على السفن وأسقطت طائرة أمريكية بدون طيار.

بالنسبة لوانج، سيلتئم شمله بعد ثلاثة أعوام مع زوجته هوا كو ونجله شاوفان، الذي كان يبلغ من العمر ثلاث سنوات عندما اختفى والده. وكانت هوا كو ألمحت في مؤتمر صحافي خلال الصيف الماضي إلى أن ابنها أصبح عمره ست سنوات؛ ما يعني أن والده قضى نصف سنوات عمر الطفل داخل سجن إيفين سيئ السمعة في طهران.

ووصفت السيدة من مقر إقامتها في مدينة واشنطن ظروف اعتقال زوجها، مشيرة بنبرة يملؤها الحزن إلى أنه لا يزال «الطالب المجتهد» الذي طلب منها أن ترسل له كتبًا أكاديمية متى أمكنها ذلك.

وقالت حينها: «حتى في ظل تلك الظروف، عندما يمسك بالكتب، كانت تمنحه بعض لحظات الراحة وسط الظروف الرهيبة في سجن إيفين». واليوم قالت هوا كو في بيان: «اكتمل شمل عائلتنا مجددًا».

«ذي أتلانتك»: ماذا يمكن أن تتعلم أمريكا من إستراتيجية إيران الحربية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد